مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 87

Normalized
transcript

ويوم ٢٨ أغسطس، علمنا أن أسرة الشاهنشاه رضا بهلوي غادرت طهران عصر ذلك اليوم، ثم لم نلبث أن علمنا بخروج الشاهنشاه نفسه في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم من العاصمة إلى «أصفهان»، فكان ذلك نذيراً بدنو الخطر.

وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، جاء من أبلغني أن قوات الاحتلال الروسية قد وصلت «كرج» على بعد بضعة عشر كيلومتراً من طهران وأنهم سيصبحون فيها، وأن الإنكليز قادمون إليها مسرعين، وعندئذ أرسلت السيد حداد ليوقظ الشريف شرف ورئيس أركان الجيش العراقي اللواء أمين زكي باشا، ويدعوهما إلى الخروج معنا فوراً إلى المكان الذي أعددناه لاختفائنا، ثم أرسلت رسولاً خاصاً ليبلغ القواد والأشخاص الآخرين الذين يخشى عليهم من بطش الإنكليز وانتقامهم، أن يسارعوا إلى مخابئهم السرية.

وقد أبطأ السيد كمال حداد في العودة إلي، فقلقت لإبطائه، ولما عاد أخبرني أن الوصي ورئيس الأركان تأخرا في الخروج ريثما أتما وضع أمتعتهما في السيارة، وأن رجال الشرطة قد طوقت المكان وحالت دون خروج أحد منه، ولكنه استطاع أن يتسلل ويصل إلي، وعندئذ أسرعنا بالخروج سراً من باب الحديقة الخلفي بسيارته إلى دار السفارة اليابانية، ومكثنا فيها بقية تلك الليلة واليوم التالي نترقب الحوادث..

وفي اليوم التالي تم احتلال العاصمة الإيرانية ودخلها الروس من الشمال والإنكليز من الجنوب، وتعذر علينا الخروج منها، ولم يكن مناص من التربص والاختفاء إلى أن يصبح الخروج من إيران ممكناً، واستمر القلق والاضطراب في العاصمة بضعة أيام.

ثم حدثت مفاوضات بين الإنكليز والسلطات الإيرانية، وعمل الإنكليز على التفاهم مع الشاه وزينوا له العودة إلى العاصمة، فعاد، ولما أخذت الحياة العادية ترجع إلى حالتها الطبيعية، أصدرت الحكومة الإيرانية بياناً دعت فيه جميع الشخصيات العربية المقيمة بإيران، إلى الاطمئنان والظهور. ومن المؤسف أن معظم إخواننا استجابوا لهذه الدعوة، فخرجوا من مخابئهم وعادوا إلى بيوتهم، فلما ظهروا قابلهم رئيس الوزارة ووزير الخارجية، وسألاهم عني، وأكدا لهم أن ليس علي ولا عليهم أي ضرر أو خطر، وطلبا إليهم إبلاغي ذلك، ولما بلغني ذلك لم أقبل الظهور، وعاودت تحذيري لهم ألا يطمئنوا إلى هذه التأكيدات التي توعز بها السلطات المحتلة، وأن يعودوا للاختفاء، ولكنهم مع الأسف لم يأبهوا لنصحي وتحذيري إلا بعد أن أصبحوا في قبضة القوات العسكرية البريطانية.

English
translation

On 28 August, we learned that the family of Shahanshah Reza Pahlavi had left Tehran that afternoon. Soon afterward, we learned that the Shahanshah himself had left the capital for ‘Isfahan’ at nine that evening. This warned us that danger was approaching.

At one in the morning, someone came to tell me that the Russian occupation forces had reached ‘Karaj,’ a dozen or so kilometers from Tehran, that they would be in the capital by morning, and that the English were advancing rapidly toward it. I then sent Mr. Haddad to wake Sharif Sharaf and the Iraqi army’s Chief of Staff, Major General Amin Zaki Pasha, and ask them to leave with us immediately for the place we had prepared as our hiding place. I then sent a special messenger to tell the commanders and the others whom we feared might suffer English brutality and revenge to hurry to their secret hiding places.

Mr. Kamal Haddad was slow to return, and his delay worried me. When he returned, he told me that the Regent and the Chief of Staff had delayed leaving while they finished putting their belongings in the car, and that the police had surrounded the place and prevented anyone from leaving. He had nevertheless managed to slip out and reach me. We then hurried out secretly through the back garden gate in his car to the Japanese embassy, where we spent the rest of that night and the following day watching events unfold...

The next day, the occupation of the Iranian capital was completed. The Russians entered from the north and the English from the south, and we were unable to leave. There was no alternative to waiting and remaining in hiding until departure from Iran became possible. Anxiety and turmoil continued in the capital for several days.

Negotiations then took place between the English and the Iranian authorities. The English sought an understanding with the Shah and persuaded him to return to the capital, and he did so. As everyday life began returning to normal, the Iranian government issued a statement calling on all the Arab personalities residing in Iran to feel reassured and come out of hiding. Unfortunately, most of our brethren responded to this appeal, left their hiding places and returned to their homes. When they emerged, the Prime Minister and Foreign Minister met them, asked them about me, and assured them that neither I nor they faced any harm or danger. They asked them to convey this to me. When word reached me, I refused to emerge and again warned them not to trust these assurances prompted by the occupying authorities, and to return to hiding. Unfortunately, however, they paid no heed to my advice and warnings until they were in the hands of the British military forces.

Analysis

This page recounts the August 28, 1941 approach of Russian and British forces to Tehran, the narrator’s flight through the Japanese embassy, and the subsequent occupation of the capital. It is especially significant for its description of clandestine movement, warnings to Iraqi and Palestinian figures, and the narrator’s claim that Iranian assurances of safety induced others to leave hiding before British forces took them into custody. The page presents the occupation, negotiations with the Shah, and the government’s public appeal through the narrator’s account of danger and betrayal. These events, motives, warnings, and causal claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

ويوم ٢٨ أغسطس، علمنا أن أسرة الشاهنشاه رضا بهلوي غادرت طهران عصر ذلك اليوم، ثم لم نلبث أن علمنا بخروج الشاهنشاه نفسه في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم من العاصمة إلى «أصفهان»، فكان ذلك نذيراً بدنو الخطر.

وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، جاء من أبلغني أن قوات الاحتلال الروسية قد وصلت «كرج» على بعد بضعة عشر كيلومتراً من طهران وأنهم سيصبحون فيها، وأن الإنكليز قادمون إليها مسرعين، وعندئذ أرسلت السيد حداد ليوقظ الشريف شرف ورئيس أركان الجيش العراقي اللواء أمين زكي باشا، ويدعوهما إلى الخروج معنا فوراً إلى المكان الذي أعددناه لاختفائنا، ثم أرسلت رسولاً خاصاً ليبلغ القواد والأشخاص الآخرين الذين يخشى عليهم من بطش الإنكليز وانتقامهم، أن يسارعوا إلى مخابئهم السرية.

وقد أبطأ السيد كمال حداد في العودة إلي، فقلقت لإبطائه، ولما عاد أخبرني أن الوصي ورئيس الأركان تأخرا في الخروج ريثما أتما وضع أمتعتهما في السيارة، وأن رجال الشرطة قد طوقت المكان وحالت دون خروج أحد منه، ولكنه استطاع أن يتسلل ويصل إلي، وعندئذ أسرعنا بالخروج سراً من باب الحديقة الخلفي بسيارته إلى دار السفارة اليابانية، ومكثنا فيها بقية تلك الليلة واليوم التالي نترقب الحوادث..

وفي اليوم التالي تم احتلال العاصمة الإيرانية ودخلها الروس من الشمال والإنكليز من الجنوب، وتعذر علينا الخروج منها، ولم يكن مناص من التربص والاختفاء إلى أن يصبح الخروج من إيران ممكناً، واستمر القلق والاضطراب في العاصمة بضعة أيام.

ثم حدثت مفاوضات بين الإنكليز والسلطات الإيرانية، وعمل الإنكليز على التفاهم مع الشاه وزينوا له العودة إلى العاصمة، فعاد، ولما أخذت الحياة العادية ترجع إلى حالتها الطبيعية، أصدرت الحكومة الإيرانية بياناً دعت فيه جميع الشخصيات العربية المقيمة بإيران، إلى الاطمئنان والظهور. ومن المؤسف أن معظم إخواننا استجابوا لهذه الدعوة، فخرجوا من مخابئهم وعادوا إلى بيوتهم، فلما ظهروا قابلهم رئيس الوزارة ووزير الخارجية، وسألاهم عني، وأكدا لهم أن ليس علي ولا عليهم أي ضرر أو خطر، وطلبا إليهم إبلاغي ذلك، ولما بلغني ذلك لم أقبل الظهور، وعاودت تحذيري لهم ألا يطمئنوا إلى هذه التأكيدات التي توعز بها السلطات المحتلة، وأن يعودوا للاختفاء، ولكنهم مع الأسف لم يأبهوا لنصحي وتحذيري إلا بعد أن أصبحوا في قبضة القوات العسكرية البريطانية.