ولما دخل المارشال «ويفل» القائد العام للقوات البريطانية طهران، أذاع بياناً (بأن السلطات البريطانية تدفع مكافأة قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه استرليني لمن يقبض، أو يقدم معلومات تؤدي إلى القبض على المفتي حياً أو ميتاً). ولم يكن يعلم بمكاني إلا عدد محدود جداً، كان أحدهم الوطني المجاهد السوري خالد رمضان، الذي كان يقود سيارتي ويقيم معي في الخباء، وقد صحبني من العراق إلى إيران، ثم تبعني إلى المانيا في أشد الأوقات حرجاً، وكان هذا الشاب يخرج من الخباء لبعض الضرورات فيرى إعلان (ويفل) المغري، دون أن تختلج في نفسه أية خلجة بغير شعور الإخلاص والوفاء مع أنه كان يتقاضى مرتباً متواضعاً.
وبقينا في ذلك الخباء أياماً، كان الإنكليز خلالها قد قلبوا للشاهنشاه رضا بهلوي ظهر المجن، أصروا على خلعه عن العرش ونفيه إلى جزر موريشس، وكنت خلال هذه المدة قد فرضت على نفسي رياضة صحية وطعاماً قليلاً، حتى خف وزني وتبدل شكلي بعض الشيء، فلما بدلت زيي استطعت أن أخفي ملامحي.
وكان مدير الشرطة العام في طهران «آقاي مقدادي» يلح علي، وكان يلح على الحكومة الإيرانية باعتقالي، وقد طلب المارشال ويفل الشاه شخصياً، أن يبذل الجهد في تسليمي إلى السلطة العسكرية البريطانية، كما علمت بذلك من يوسف ذو الفقار باشا سفير مصر في طهران سابقاً الذي غمرني بكرم أخلاقه وشهامته.
وكان يبعث برسائلي إلى إخواننا المجاهدين الفلسطينيين في القاهرة في الحقيبة الديبلوماسية، وقد طلبت حينما تأزم الوضع واشتد الخطر، مقابلته في بيته أو في أي مكان يختاره، فلم يكن منه إلا أن سارع إلى مقابلتي في البيت الذي كنت أقيم به في محلة «ولي آباد» وقد ترك سيارته في مكان بعيد، ومشى نحو كيلومترين على قدميه، رحمه الله رحمة واسعة.
ولم أر من أمثاله في الشهامة وكرم الأخلاق في تلك الآونة العصيبة إلا السيد فيض محمد خان (وزير خارجية الأفغان الأسبق) وكان سفير دولته حينئذ في أنقرة، فكان يأتي إلى طهران بين وقت وآخر ويزورني، ويلح علي بأن أكلفه بما قد أحتاج إليه، وكان يتفضل بحمل رسائلي وإيصالها إلى أصحابها، قائلاً بالفرنسية ما معناه إني حامل رسائلك: «Je suis votre courrier».
وكان مدير الشرطة العام في طهران «آقاي مقدادي» يلح على إخواننا ليدلوه على مكان اختفائي، ويعرض جائزة الخمسة والعشرين ألف جنيه عليهم، وقد قال المقدادي