مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 88

Normalized
transcript

ولما دخل المارشال «ويفل» القائد العام للقوات البريطانية طهران، أذاع بياناً (بأن السلطات البريطانية تدفع مكافأة قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه استرليني لمن يقبض، أو يقدم معلومات تؤدي إلى القبض على المفتي حياً أو ميتاً). ولم يكن يعلم بمكاني إلا عدد محدود جداً، كان أحدهم الوطني المجاهد السوري خالد رمضان، الذي كان يقود سيارتي ويقيم معي في الخباء، وقد صحبني من العراق إلى إيران، ثم تبعني إلى المانيا في أشد الأوقات حرجاً، وكان هذا الشاب يخرج من الخباء لبعض الضرورات فيرى إعلان (ويفل) المغري، دون أن تختلج في نفسه أية خلجة بغير شعور الإخلاص والوفاء مع أنه كان يتقاضى مرتباً متواضعاً.

وبقينا في ذلك الخباء أياماً، كان الإنكليز خلالها قد قلبوا للشاهنشاه رضا بهلوي ظهر المجن، أصروا على خلعه عن العرش ونفيه إلى جزر موريشس، وكنت خلال هذه المدة قد فرضت على نفسي رياضة صحية وطعاماً قليلاً، حتى خف وزني وتبدل شكلي بعض الشيء، فلما بدلت زيي استطعت أن أخفي ملامحي.

وكان مدير الشرطة العام في طهران «آقاي مقدادي» يلح علي، وكان يلح على الحكومة الإيرانية باعتقالي، وقد طلب المارشال ويفل الشاه شخصياً، أن يبذل الجهد في تسليمي إلى السلطة العسكرية البريطانية، كما علمت بذلك من يوسف ذو الفقار باشا سفير مصر في طهران سابقاً الذي غمرني بكرم أخلاقه وشهامته.

وكان يبعث برسائلي إلى إخواننا المجاهدين الفلسطينيين في القاهرة في الحقيبة الديبلوماسية، وقد طلبت حينما تأزم الوضع واشتد الخطر، مقابلته في بيته أو في أي مكان يختاره، فلم يكن منه إلا أن سارع إلى مقابلتي في البيت الذي كنت أقيم به في محلة «ولي آباد» وقد ترك سيارته في مكان بعيد، ومشى نحو كيلومترين على قدميه، رحمه الله رحمة واسعة.

ولم أر من أمثاله في الشهامة وكرم الأخلاق في تلك الآونة العصيبة إلا السيد فيض محمد خان (وزير خارجية الأفغان الأسبق) وكان سفير دولته حينئذ في أنقرة، فكان يأتي إلى طهران بين وقت وآخر ويزورني، ويلح علي بأن أكلفه بما قد أحتاج إليه، وكان يتفضل بحمل رسائلي وإيصالها إلى أصحابها، قائلاً بالفرنسية ما معناه إني حامل رسائلك: «Je suis votre courrier».

وكان مدير الشرطة العام في طهران «آقاي مقدادي» يلح على إخواننا ليدلوه على مكان اختفائي، ويعرض جائزة الخمسة والعشرين ألف جنيه عليهم، وقد قال المقدادي

English
translation

When Marshal ‘Wavell,’ Commander-in-Chief of the British forces, entered Tehran, he issued a statement (that the British authorities would pay a reward of twenty-five thousand pounds sterling to anyone who captured the Mufti, or provided information leading to his capture, dead or alive). Only a very small number knew where I was. One of them was the Syrian patriot and fighter Khalid Ramadan, who drove my car and stayed with me in the hiding place. He had accompanied me from Iraq to Iran, then followed me to Germany at the most critical time. This young man would leave the hiding place on essential errands and see Wavell’s tempting announcement without feeling the slightest impulse other than devotion and loyalty, despite receiving a modest salary.

We remained in that hiding place for several days. During that time, the English turned against Shahanshah Reza Pahlavi and insisted on deposing him and exiling him to the islands of Mauritius. During this period, I imposed on myself a regimen of exercise and little food, until I lost weight and my appearance changed somewhat. When I changed my attire, I was able to disguise my features.

The Director-General of Police in Tehran, ‘Aqay Miqdadi,’ was pressing me and pressing the Iranian government to arrest me. Marshal Wavell had personally asked the Shah to make every effort to hand me over to the British military authorities. I learned this from Yusuf Dhu al-Fiqar Pasha, Egypt’s former ambassador in Tehran, who overwhelmed me with his generosity of character and chivalry.

He used to send my letters to our fellow Palestinian fighters in Cairo in the diplomatic bag. When the situation reached a crisis and the danger grew, I asked to meet him at his home or anywhere he chose. He immediately came to meet me at the house where I was staying in the ‘Valiabad’ neighborhood. He left his car some distance away and walked about two kilometers. May God enfold him in His boundless mercy.

During those difficult times, I saw no one equal to him in chivalry and generosity of character except Mr. Faiz Muhammad Khan (Afghanistan’s former Foreign Minister), who was then his country’s ambassador in Ankara. He would come to Tehran from time to time, visit me and urge me to entrust him with anything I might need. He graciously carried my letters and delivered them to their recipients, saying in French what meant ‘I am your courier’: ‘Je suis votre courrier.’

The Director-General of Police in Tehran, ‘Aqay Miqdadi,’ was pressing our brethren to reveal my hiding place and offering them the twenty-five-thousand-pound reward. Al-Miqdadi said

Analysis

This page describes the reported British reward for capturing the Mufti, the narrator’s disguise and weight loss, and assistance from Egyptian and Afghan diplomatic contacts while he remained hidden in Tehran. It is especially significant for the contrast between the large reward and the loyalty of Khalid Ramadan, Yusuf Dhu al-Fiqar Pasha, and Faiz Muhammad Khan, as well as for the claim that British pressure reached the Shah and Iranian police authorities. The preserved French phrase marks the Afghan ambassador’s role as a courier for the narrator’s correspondence with Palestinian fighters in Cairo. These allegations, relationships, reward figures, and accounts of British pressure remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

ولما دخل المارشال «ويفل» القائد العام للقوات البريطانية طهران، أذاع بياناً (بأن السلطات البريطانية تدفع مكافأة قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه استرليني لمن يقبض، أو يقدم معلومات تؤدي إلى القبض على المفتي حياً أو ميتاً). ولم يكن يعلم بمكاني إلا عدد محدود جداً، كان أحدهم الوطني المجاهد السوري خالد رمضان، الذي كان يقود سيارتي ويقيم معي في الخباء، وقد صحبني من العراق إلى إيران، ثم تبعني إلى المانيا في أشد الأوقات حرجاً، وكان هذا الشاب يخرج من الخباء لبعض الضرورات فيرى إعلان (ويفل) المغري، دون أن تختلج في نفسه أية خلجة بغير شعور الإخلاص والوفاء مع أنه كان يتقاضى مرتباً متواضعاً.

وبقينا في ذلك الخباء أياماً، كان الإنكليز خلالها قد قلبوا للشاهنشاه رضا بهلوي ظهر المجن، أصروا على خلعه عن العرش ونفيه إلى جزر موريشس، وكنت خلال هذه المدة قد فرضت على نفسي رياضة صحية وطعاماً قليلاً، حتى خف وزني وتبدل شكلي بعض الشيء، فلما بدلت زيي استطعت أن أخفي ملامحي.

وكان مدير الشرطة العام في طهران «آقاي مقدادي» يلح علي، وكان يلح على الحكومة الإيرانية باعتقالي، وقد طلب المارشال ويفل الشاه شخصياً، أن يبذل الجهد في تسليمي إلى السلطة العسكرية البريطانية، كما علمت بذلك من يوسف ذو الفقار باشا سفير مصر في طهران سابقاً الذي غمرني بكرم أخلاقه وشهامته.

وكان يبعث برسائلي إلى إخواننا المجاهدين الفلسطينيين في القاهرة في الحقيبة الديبلوماسية، وقد طلبت حينما تأزم الوضع واشتد الخطر، مقابلته في بيته أو في أي مكان يختاره، فلم يكن منه إلا أن سارع إلى مقابلتي في البيت الذي كنت أقيم به في محلة «ولي آباد» وقد ترك سيارته في مكان بعيد، ومشى نحو كيلومترين على قدميه، رحمه الله رحمة واسعة.

ولم أر من أمثاله في الشهامة وكرم الأخلاق في تلك الآونة العصيبة إلا السيد فيض محمد خان (وزير خارجية الأفغان الأسبق) وكان سفير دولته حينئذ في أنقرة، فكان يأتي إلى طهران بين وقت وآخر ويزورني، ويلح علي بأن أكلفه بما قد أحتاج إليه، وكان يتفضل بحمل رسائلي وإيصالها إلى أصحابها، قائلاً بالفرنسية ما معناه إني حامل رسائلك: «Je suis votre courrier».

وكان مدير الشرطة العام في طهران «آقاي مقدادي» يلح على إخواننا ليدلوه على مكان اختفائي، ويعرض جائزة الخمسة والعشرين ألف جنيه عليهم، وقد قال المقدادي