مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 89

Normalized
transcript

لأحدهم: ألا تعلمني أين المفتي؟ فقد تكبدنا بضعة ملايين «تومان» في سبيل البحث عنه دون جدوى.

وذات يوم شعرنا بدورية مختلطة من البوليس الحربي الإنكليزي والروسي والإيراني ترابط بباب الخباء، وقد شرعت تطوق المكان الذي كنا فيه، فسارعنا بالخروج في اللحظة الأخيرة، ونجونا من الطوق بعد جهد، ولجأنا إلى مكان آخر كنا أعددناه من قبل احتياطاً، ولبثنا فيه خمسة أيام هيأنا خلالها وسائل السفر والخروج من إيران، وفي الساعة التاسعة من مساء ٢٣ أيلول (سبتمبر) خرجت من طهران في سيارة إيرانية مع عدد من المسافرين، لم يكن أحد منهم يعرفني، وسلكت السيارة طريقها إلى الحدود التركية مارة بكرج فقزوين فزنجان، فتبريز في أذربيجان، وكان الروس يحتلون تلك المنطقة ويفتشون المسافرين تفتيشاً دقيقاً، وقد كنت عرضة لتفتيش صارم في قزوين إذ اعترضت طريق سيارتنا دورية عسكرية وقادتها إلى مقر القيادة العسكرية الروسية، ومكثت هناك عشرين ساعة، ثم استأنفنا السفر إلى زنجان حيث بقيت ليلة كاملة، ولما دخلنا تبريز حجزنا مع قوافل أخرى خمسة أيام في معسكر روسي للتفتيش، ثم سمح لنا الروس باستئناف السفر.

وقد حدث لنا حادث طريف في الطريق بين زنجان وتبريز، فقد رأينا جاسوساً يهودياً عرفناه في طهران يعمل في المخابرات البريطانية، وكان ينظر إلينا في ريبة ويراقبنا رغم تخفينا، وكان سائق سيارتنا أرمينياً إيرانياً شديد الذكاء ويتكلم اللغة الروسية، وقد ظهر لنا خلال الرحلة شدة كره ضباط الروس للإنكليز، ولا سيما لرجال مخابراتهم، وغضبهم عليهم لتدخلهم في شؤون المنطقة التي كان الروس يحتلونها، فطلبنا من السائق الأرمني أن يبلغ الضابط الروسي حقيقة أمر هذا الجاسوس، فسرعان ما اعتقله، وأرسله إلى مركز قيادة المخابرات الروسية، للتحقيق في أمره، وبذلك نجونا من شر ذلك الجاسوس، الذي كان يتربص بنا الدوائر، ويتبعنا منذ أيام، ويوشك أن يوقع بنا.

وقبل أن نبلغ الحدود الإيرانية - التركية قاربنا سفوح جبال آرارات الشهيرة المكسوة بالثلوج والتي ترتفع عن سطح البحر أكثر من خمسة آلاف متر.

وكان أشد حرج لقيناه في هذه السفرة، على الحدود الإيرانية - التركية، فقد أخذ الروس - بإشراف ضابط مخابراتهم - يتفرسون في وجوه المسافرين إلى تركيا، ويدققون في فحص جوازاتهم، ولا أزال أتذكر نظرات الارتياب التي كان ضابط المخابرات الروسية ينظر بها إلي، والأسئلة الكثيرة التي كان يوجهها إلي وهو يفحص أوراقي، وقد

English
translation

to one of them: ‘Won’t you tell me where the Mufti is? We have spent several million tomans searching for him, to no avail.’

One day, we noticed a mixed patrol of English, Russian and Iranian military police stationed at the door of the hiding place. They had begun surrounding the place where we were, so we hurried out at the last moment and, with difficulty, escaped the cordon. We took refuge in another place we had prepared beforehand as a precaution and stayed there for five days, during which we arranged the means to travel and leave Iran. At nine in the evening on 23 Aylul (September), I left Tehran in an Iranian car with several travelers, none of whom knew me. The car headed toward the Turkish frontier, passing through Karaj, Qazvin, Zanjan and then Tabriz in Azerbaijan. The Russians occupied that region and searched travelers thoroughly. I was subjected to a rigorous search in Qazvin, where a military patrol intercepted our car and took it to the Russian military headquarters. I remained there for twenty hours. We then resumed our journey to Zanjan, where I stayed a full night. When we entered Tabriz, we were detained with other convoys for five days in a Russian camp for inspection, after which the Russians allowed us to resume our journey.

A curious incident occurred on the road between Zanjan and Tabriz. We saw a Jewish spy whom we had known in Tehran, working for British intelligence. He looked at us suspiciously and watched us despite our disguises. Our driver was a highly intelligent Iranian Armenian who spoke Russian. During the journey, we had seen how intensely the Russian officers hated the English, especially their intelligence agents, and how angry they were at their interference in the affairs of the region the Russians occupied. We asked the Armenian driver to tell the Russian officer the truth about this spy. He quickly arrested him and sent him to Russian intelligence headquarters for investigation. We thus escaped the harm of that spy, who had been lying in wait for our downfall, following us for days and was on the verge of bringing about our capture.

Before reaching the Iranian–Turkish frontier, we approached the foothills of the famous snow-covered mountains of Ararat, which rise more than five thousand meters above sea level.

The most difficult ordeal we faced on this journey was at the Iranian–Turkish frontier. Under their intelligence officer’s supervision, the Russians began scrutinizing the faces of travelers bound for Turkey and examining their passports closely. I still remember the suspicious looks the Russian intelligence officer gave me and the many questions he asked as he examined my papers, and

Analysis

This page recounts the narrator’s escape from a mixed patrol in Tehran, the route through Russian-occupied northern Iran, repeated searches and detentions, and the approach to the Turkish frontier. It is especially significant for its description of concealment, changing vehicles, Russian inspections, and the narrator’s source-owned allegation that a Jewish spy working for British intelligence threatened the group. The account also names the Armenian driver, records the route through Azerbaijan, and frames the border crossing as the journey’s most dangerous stage. The hostile identification, arrests, searches, dates, and causal claims remain attributed to the memoir and are not independently verified here.

Raw transcript

لأحدهم: ألا تعلمني أين المفتي؟ فقد تكبدنا بضعة ملايين «تومان» في سبيل البحث عنه دون جدوى.

وذات يوم شعرنا بدورية مختلطة من البوليس الحربي الإنكليزي والروسي والإيراني ترابط بباب الخباء، وقد شرعت تطوق المكان الذي كنا فيه، فسارعنا بالخروج في اللحظة الأخيرة، ونجونا من الطوق بعد جهد، ولجأنا إلى مكان آخر كنا أعددناه من قبل احتياطاً، ولبثنا فيه خمسة أيام هيأنا خلالها وسائل السفر والخروج من إيران، وفي الساعة التاسعة من مساء ٢٣ أيلول (سبتمبر) خرجت من طهران في سيارة إيرانية مع عدد من المسافرين، لم يكن أحد منهم يعرفني، وسلكت السيارة طريقها إلى الحدود التركية مارة بكرج فقزوين فزنجان، فتبريز في أذربيجان، وكان الروس يحتلون تلك المنطقة ويفتشون المسافرين تفتيشاً دقيقاً، وقد كنت عرضة لتفتيش صارم في قزوين إذ اعترضت طريق سيارتنا دورية عسكرية وقادتها إلى مقر القيادة العسكرية الروسية، ومكثت هناك عشرين ساعة، ثم استأنفنا السفر إلى زنجان حيث بقيت ليلة كاملة، ولما دخلنا تبريز حجزنا مع قوافل أخرى خمسة أيام في معسكر روسي للتفتيش، ثم سمح لنا الروس باستئناف السفر.

وقد حدث لنا حادث طريف في الطريق بين زنجان وتبريز، فقد رأينا جاسوساً يهودياً عرفناه في طهران يعمل في المخابرات البريطانية، وكان ينظر إلينا في ريبة ويراقبنا رغم تخفينا، وكان سائق سيارتنا أرمينياً إيرانياً شديد الذكاء ويتكلم اللغة الروسية، وقد ظهر لنا خلال الرحلة شدة كره ضباط الروس للإنكليز، ولا سيما لرجال مخابراتهم، وغضبهم عليهم لتدخلهم في شؤون المنطقة التي كان الروس يحتلونها، فطلبنا من السائق الأرمني أن يبلغ الضابط الروسي حقيقة أمر هذا الجاسوس، فسرعان ما اعتقله، وأرسله إلى مركز قيادة المخابرات الروسية، للتحقيق في أمره، وبذلك نجونا من شر ذلك الجاسوس، الذي كان يتربص بنا الدوائر، ويتبعنا منذ أيام، ويوشك أن يوقع بنا.

وقبل أن نبلغ الحدود الإيرانية - التركية قاربنا سفوح جبال آرارات الشهيرة المكسوة بالثلوج والتي ترتفع عن سطح البحر أكثر من خمسة آلاف متر.

وكان أشد حرج لقيناه في هذه السفرة، على الحدود الإيرانية - التركية، فقد أخذ الروس - بإشراف ضابط مخابراتهم - يتفرسون في وجوه المسافرين إلى تركيا، ويدققون في فحص جوازاتهم، ولا أزال أتذكر نظرات الارتياب التي كان ضابط المخابرات الروسية ينظر بها إلي، والأسئلة الكثيرة التي كان يوجهها إلي وهو يفحص أوراقي، وقد