لأحدهم: ألا تعلمني أين المفتي؟ فقد تكبدنا بضعة ملايين «تومان» في سبيل البحث عنه دون جدوى.
وذات يوم شعرنا بدورية مختلطة من البوليس الحربي الإنكليزي والروسي والإيراني ترابط بباب الخباء، وقد شرعت تطوق المكان الذي كنا فيه، فسارعنا بالخروج في اللحظة الأخيرة، ونجونا من الطوق بعد جهد، ولجأنا إلى مكان آخر كنا أعددناه من قبل احتياطاً، ولبثنا فيه خمسة أيام هيأنا خلالها وسائل السفر والخروج من إيران، وفي الساعة التاسعة من مساء ٢٣ أيلول (سبتمبر) خرجت من طهران في سيارة إيرانية مع عدد من المسافرين، لم يكن أحد منهم يعرفني، وسلكت السيارة طريقها إلى الحدود التركية مارة بكرج فقزوين فزنجان، فتبريز في أذربيجان، وكان الروس يحتلون تلك المنطقة ويفتشون المسافرين تفتيشاً دقيقاً، وقد كنت عرضة لتفتيش صارم في قزوين إذ اعترضت طريق سيارتنا دورية عسكرية وقادتها إلى مقر القيادة العسكرية الروسية، ومكثت هناك عشرين ساعة، ثم استأنفنا السفر إلى زنجان حيث بقيت ليلة كاملة، ولما دخلنا تبريز حجزنا مع قوافل أخرى خمسة أيام في معسكر روسي للتفتيش، ثم سمح لنا الروس باستئناف السفر.
وقد حدث لنا حادث طريف في الطريق بين زنجان وتبريز، فقد رأينا جاسوساً يهودياً عرفناه في طهران يعمل في المخابرات البريطانية، وكان ينظر إلينا في ريبة ويراقبنا رغم تخفينا، وكان سائق سيارتنا أرمينياً إيرانياً شديد الذكاء ويتكلم اللغة الروسية، وقد ظهر لنا خلال الرحلة شدة كره ضباط الروس للإنكليز، ولا سيما لرجال مخابراتهم، وغضبهم عليهم لتدخلهم في شؤون المنطقة التي كان الروس يحتلونها، فطلبنا من السائق الأرمني أن يبلغ الضابط الروسي حقيقة أمر هذا الجاسوس، فسرعان ما اعتقله، وأرسله إلى مركز قيادة المخابرات الروسية، للتحقيق في أمره، وبذلك نجونا من شر ذلك الجاسوس، الذي كان يتربص بنا الدوائر، ويتبعنا منذ أيام، ويوشك أن يوقع بنا.
وقبل أن نبلغ الحدود الإيرانية - التركية قاربنا سفوح جبال آرارات الشهيرة المكسوة بالثلوج والتي ترتفع عن سطح البحر أكثر من خمسة آلاف متر.
وكان أشد حرج لقيناه في هذه السفرة، على الحدود الإيرانية - التركية، فقد أخذ الروس - بإشراف ضابط مخابراتهم - يتفرسون في وجوه المسافرين إلى تركيا، ويدققون في فحص جوازاتهم، ولا أزال أتذكر نظرات الارتياب التي كان ضابط المخابرات الروسية ينظر بها إلي، والأسئلة الكثيرة التي كان يوجهها إلي وهو يفحص أوراقي، وقد