مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 90

Normalized
transcript

اشتبهوا بعدد من المسافرين، فكنت في عدادهم، ثم حصرت الشبهة في سبعة أشخاص، فكنت منهم أيضاً، فأنزلنا الروس لاستكمال التحقيق من السيارات، التي تابعت سفرها إلى الأراضي التركية، وفيها حقيبة ملابسي ونقودي، ولم يبق معي إلا خمسة وعشرون «توماناً» أو ما يساوي جنيهاً وربع جنيه، وأشد ما آلمني أن افتقدت «البالطو» الذي حملوه معهم في السيارة، وقد شعرت بالبرد القارس في تلك المناطق الجبلية التي تكسوها الثلوج، ولكن الله أنقذني من الموقف، بواسطة دبلوماسي ياباني سخره لي، واستغرق سفري في الأراضي الإيرانية بضعة عشر يوماً، كانت كلها في مناطق الاحتلال الروسي، وبدلت خلالها عدة سيارات مع ركاب مختلفين.

ولما سمح لي بالسفر واتجهت إلى الحدود التركية، سمح لي بعد الإجراءات المعتادة بالمرور من الأراضي التركية، فكانت المنطقة الأولى التي اجتزناها أراضي ولاية «أرضروم» بالقرب من جبال «آرارات» آنفة الذكر، ولما وطئت قدماي الأراضي التركية، ورأيت الجيوش مرابطة على الحدود، جاشت في نفسي ذكريات عديدة عن هذه البلاد التي أقمت بها سنين طويلة، بصفتي ضابط في الجيش العثماني، أيام الحرب العالمية الأولى، وها أنذا أعود إليها بعد أربع وعشرين سنة.

لم أكشف عن نفسي للسلطات التركية، وتجاهلت معرفتي باللغة التركية، وفي تركيا اختلفت وسائل السفر، فكانت السيارات حيناً، والخيل والدواب أحياناً، إلى أن وصلنا ولاية «سيواس» فركبنا القطار إلى أنقرة حيث بقيت عدة ساعات تجولت خلالها في شوارعها، ثم توجهت إلى استانبول فأقمت بها أربعة أيام، ثم إلى «أدرنه» ومنها إلى الحدود البلغارية، وقد استغرقت رحلتي منذ خروجي من طهران إلى أن وصلت بلغاريا اثنين وعشرين يوماً.

ومن طريف ما حدث أني عندما كنت في استانبول أستجم من عناء السفر سمعت في الإذاعة تصريحاً للمستر أيدن وزير الخارجية البريطانية حينئذ، رداً على أسئلة بعض النواب في مجلس العموم بشأني بقوله فيه: إن المفتي، الذي هو العدو الأول للامبراطورية البريطانية، قد أصبح في قبضة يدنا، وأن المكان الذي يختفي فيه في طهران مطوق بقواتنا الآن).

ومع أني كنت عندئذ في استانبول، وعلى مسافة شاسعة من المكان الذي عناه أيدن في إيران، والذي كانوا قد أحاطوه بالجنود، لظنهم أني لا أزال فيه، فقد رأيت من الأحوط أن أغادر استانبول فوراً إلى بلغاريا، رغم حاجتي الشديدة إلى الراحة، محاذرة

English
translation

they became suspicious of a number of travelers, myself among them. Suspicion was then narrowed to seven people, and again I was among them. The Russians made us get out of the cars for further questioning. The cars continued into Turkish territory, carrying the bag containing my clothes and money. I had only twenty-five tomans left, or the equivalent of one and a quarter pounds. What distressed me most was the loss of my overcoat, which they had taken with them in the car. I felt the bitter cold in those snow-covered mountain regions. But God rescued me from this predicament through a Japanese diplomat whom He sent to my aid. My journey through Iranian territory took a dozen or so days, all of them in areas under Russian occupation, and during it I changed cars several times, traveling with different passengers.

When I was allowed to travel and headed toward the Turkish frontier, I was permitted, after the usual formalities, to pass through Turkish territory. The first region we crossed was the province of ‘Erzurum,’ near the mountains of ‘Ararat’ mentioned above. When I set foot on Turkish soil and saw the troops stationed along the frontier, many memories stirred within me of this country, where I had lived for many years as an officer in the Ottoman army during the First World War. Here I was returning after twenty-four years.

I did not reveal my identity to the Turkish authorities and pretended not to know Turkish. In Turkey, our means of travel varied: sometimes cars, sometimes horses and other riding animals, until we reached the province of ‘Sivas.’ There we took the train to Ankara, where I spent several hours walking through its streets. I then headed to Istanbul and stayed there for four days, then went to ‘Edirne’ and from there to the Bulgarian frontier. My journey from leaving Tehran to reaching Bulgaria had taken twenty-two days.

A curious incident occurred while I was in Istanbul recovering from the strain of travel. I heard on the radio a statement by Mr. Eden, then British Foreign Secretary, responding to questions about me from some members of the House of Commons. He said: ‘The Mufti, who is the British Empire’s foremost enemy, is now in our grasp, and the place where he is hiding in Tehran is surrounded by our forces at this moment.’

Although I was then in Istanbul, far from the place in Iran to which Eden had referred and which they had surrounded with soldiers, believing that I was still there, I thought it wiser to leave Istanbul immediately for Bulgaria despite my great need for rest, for fear

Analysis

This page completes the border-search episode and describes the narrator’s loss of money and clothing, assistance from a Japanese diplomat, and passage through eastern Turkey to Bulgaria after twenty-two days. It is especially significant for the narrator’s account of concealment from Turkish authorities and for the quoted statement attributed to British Foreign Secretary Eden, which calls the Mufti the British Empire’s foremost enemy while mistakenly placing him in Tehran. The page presents that reported error as the reason for leaving Istanbul immediately and continuing the flight. The statement, political characterization, chronology, and diplomatic intervention remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

اشتبهوا بعدد من المسافرين، فكنت في عدادهم، ثم حصرت الشبهة في سبعة أشخاص، فكنت منهم أيضاً، فأنزلنا الروس لاستكمال التحقيق من السيارات، التي تابعت سفرها إلى الأراضي التركية، وفيها حقيبة ملابسي ونقودي، ولم يبق معي إلا خمسة وعشرون «توماناً» أو ما يساوي جنيهاً وربع جنيه، وأشد ما آلمني أن افتقدت «البالطو» الذي حملوه معهم في السيارة، وقد شعرت بالبرد القارس في تلك المناطق الجبلية التي تكسوها الثلوج، ولكن الله أنقذني من الموقف، بواسطة دبلوماسي ياباني سخره لي، واستغرق سفري في الأراضي الإيرانية بضعة عشر يوماً، كانت كلها في مناطق الاحتلال الروسي، وبدلت خلالها عدة سيارات مع ركاب مختلفين.

ولما سمح لي بالسفر واتجهت إلى الحدود التركية، سمح لي بعد الإجراءات المعتادة بالمرور من الأراضي التركية، فكانت المنطقة الأولى التي اجتزناها أراضي ولاية «أرضروم» بالقرب من جبال «آرارات» آنفة الذكر، ولما وطئت قدماي الأراضي التركية، ورأيت الجيوش مرابطة على الحدود، جاشت في نفسي ذكريات عديدة عن هذه البلاد التي أقمت بها سنين طويلة، بصفتي ضابط في الجيش العثماني، أيام الحرب العالمية الأولى، وها أنذا أعود إليها بعد أربع وعشرين سنة.

لم أكشف عن نفسي للسلطات التركية، وتجاهلت معرفتي باللغة التركية، وفي تركيا اختلفت وسائل السفر، فكانت السيارات حيناً، والخيل والدواب أحياناً، إلى أن وصلنا ولاية «سيواس» فركبنا القطار إلى أنقرة حيث بقيت عدة ساعات تجولت خلالها في شوارعها، ثم توجهت إلى استانبول فأقمت بها أربعة أيام، ثم إلى «أدرنه» ومنها إلى الحدود البلغارية، وقد استغرقت رحلتي منذ خروجي من طهران إلى أن وصلت بلغاريا اثنين وعشرين يوماً.

ومن طريف ما حدث أني عندما كنت في استانبول أستجم من عناء السفر سمعت في الإذاعة تصريحاً للمستر أيدن وزير الخارجية البريطانية حينئذ، رداً على أسئلة بعض النواب في مجلس العموم بشأني بقوله فيه: إن المفتي، الذي هو العدو الأول للامبراطورية البريطانية، قد أصبح في قبضة يدنا، وأن المكان الذي يختفي فيه في طهران مطوق بقواتنا الآن).

ومع أني كنت عندئذ في استانبول، وعلى مسافة شاسعة من المكان الذي عناه أيدن في إيران، والذي كانوا قد أحاطوه بالجنود، لظنهم أني لا أزال فيه، فقد رأيت من الأحوط أن أغادر استانبول فوراً إلى بلغاريا، رغم حاجتي الشديدة إلى الراحة، محاذرة