مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 91

Normalized
transcript

من ضغط الإنكليز على الحكومة التركية في تلك الظروف القاسية من سني الحرب.

وقد سبب لي اجتياز الحدود التركية إلى بلغاريا بعض القلق، للدقة التي كانت تفحص بها أوراق المسافرين، ولما وصلت الأراضي البلغارية شعرت بالطمأنينة لنجاتي من براثن الإنكليز وأصدقائهم، ولما دخلت إحدى غرف النوم في القطار المسافر إلى صوفيا، حمدت الله كثيراً وتوجهت إليه بالصلاة والدعاء، على ما هيأ لي من أسباب النجاة.

ولما أصبت بعض الراحة شعرت بحزن شديد وألم عميق، فقد فكرت في الحالة التي كنت فيها، وأنني كنت خائفاً أترقب، منذ كنت محاصراً في بيتي بالقدس، وأنني لم أشعر بشيء من الطمأنينة إلا عندما خرجت من الأقطار التي يسمونها «دار الإسلام»؟ حزنت وحز في نفسي أن يستطيع طغيان الاستعمار تغيير الأوضاع وتبديل الأحوال، وأن يجعل منا غرباء في بلادنا، مشردين في أوطاننا، وقد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وذرفت عيناي دمعتين حزناً على «دار الإسلام» أن تصبح مناطق نفوذ للاستعمار والمستعمرين وأخذت أردد في نفسي أين هي دار الإسلام؟

لابد لي قبل سرد بقية الرحلة من ذكر ما أصاب إخواننا الذين غادرناهم في إيران، فإن سلطة الاحتلال البريطانية اعتقلتهم جميعاً.

وبعد نحو شهر نقلتهم إلى الجنوب، حيث ألقتهم في غياهب «سجن الأهواز» فلاقوا فيه كثيراً من العنت والعذاب، ولكنهم لم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، بل صبروا صبر الكرام، ثم نقلوهم إلى روديسيا في جنوب افريقيا، وكان الوصي ومعظم الوزراء العراقيين كناجي باشا السويدي والسادة موسى الشابندر ورؤوف البحراني ومحمد علي محمود وأخوه عبد الجبار ومحمد يونس السبعاوي واللواء أمين زكي باشا، والعقداء محمود سلمان، وفهمي سعيد، وكامل شبيب، والسيد صديق شنشل والمحامي داود السعدي وغيرهم، ومن الفلسطينيين السادة أمين التميمي، وجمال الحسيني، والدكتور داود الحسيني، وعارف الجاعوني، ومحمد شعيب البرناوي، ومن السوريين عثمان كمال حداد، والدكتور أمين رويحه وغيرهم.

وبعد مدة استقدمت السلطات العراقية، بإيعاز من الإنكليز، العقداء الثلاثة والوزير محمد يونس السبعاوي من روديسيا، ثم العقيد صلاح الدين الصباغ من حيث كان لاجئاً، وأعدمتهم جميعاً ظلماً وعدواناً.

English
translation

of English pressure on the Turkish government in those harsh wartime conditions.

Crossing the Turkish frontier into Bulgaria caused me some anxiety because of the care with which travelers’ papers were examined. When I reached Bulgarian territory, I felt reassured at having escaped the clutches of the English and their friends. When I entered a sleeping compartment on the train bound for Sofia, I thanked God profusely and turned to Him in prayer and supplication for having provided me with the means of escape.

Once I had rested a little, I felt intense sadness and deep pain. I thought about the situation I had been in: I had lived in fear and apprehension ever since I was besieged in my home in Jerusalem, and had felt no reassurance until I left the countries they call the ‘Abode of Islam’? I was saddened and deeply pained that the tyranny of colonialism could change circumstances and conditions, make us strangers in our own countries and displaced people in our homelands. The earth, vast as it was, had become too narrow for us. My eyes shed two tears in sorrow that the ‘Abode of Islam’ should become spheres of influence for colonialism and the colonizers, and I kept asking myself: Where is the Abode of Islam?

Before recounting the rest of the journey, I must mention what befell our brethren whom we had left in Iran. The British occupation authorities arrested them all.

About a month later, they moved them south and cast them into the darkness of ‘Ahvaz Prison,’ where they suffered much hardship and torment. Yet they did not lose heart at what befell them in God’s cause, nor did they weaken or submit; they endured with the patience of noble men. They were then taken to Rhodesia in South Africa. Among them were the Regent and most of the Iraqi ministers, including Naji Pasha al-Suwaydi, Musa al-Shabandar, Rauf al-Bahrani, Muhammad Ali Mahmud and his brother Abd al-Jabbar, Muhammad Yunis al-Sabawi and Major General Amin Zaki Pasha; Colonels Mahmud Salman, Fahmi Said and Kamil Shabib; Siddiq Shanshal, the lawyer Dawud al-Sadi and others. Among the Palestinians were Amin al-Tamimi, Jamal al-Husayni, Dr. Dawud al-Husayni, Arif al-Jauni and Muhammad Shuayb al-Barnawi; and among the Syrians were Uthman Kamal Haddad, Dr. Amin Ruwayha and others.

Some time later, at the prompting of the English, the Iraqi authorities brought back the three colonels and the minister Muhammad Yunis al-Sabawi from Rhodesia, then Colonel Salah al-Din al-Sabbagh from the place where he had taken refuge, and executed them all unjustly and wrongfully.

Analysis

This page describes the narrator’s arrival in Bulgaria, his relief at escaping British reach, and his lament that colonial power had turned the countries he calls the Abode of Islam into spheres of foreign influence. It then records the arrest, imprisonment, deportation, and later execution of Iraqi, Palestinian, and Syrian figures who remained in Iran. It is especially significant for the combination of religious and political grief with a named roster of detainees and the accusation that British pressure led Iraqi authorities to execute several men. These judgments, names, detention conditions, and causal claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

من ضغط الإنكليز على الحكومة التركية في تلك الظروف القاسية من سني الحرب.

وقد سبب لي اجتياز الحدود التركية إلى بلغاريا بعض القلق، للدقة التي كانت تفحص بها أوراق المسافرين، ولما وصلت الأراضي البلغارية شعرت بالطمأنينة لنجاتي من براثن الإنكليز وأصدقائهم، ولما دخلت إحدى غرف النوم في القطار المسافر إلى صوفيا، حمدت الله كثيراً وتوجهت إليه بالصلاة والدعاء، على ما هيأ لي من أسباب النجاة.

ولما أصبت بعض الراحة شعرت بحزن شديد وألم عميق، فقد فكرت في الحالة التي كنت فيها، وأنني كنت خائفاً أترقب، منذ كنت محاصراً في بيتي بالقدس، وأنني لم أشعر بشيء من الطمأنينة إلا عندما خرجت من الأقطار التي يسمونها «دار الإسلام»؟ حزنت وحز في نفسي أن يستطيع طغيان الاستعمار تغيير الأوضاع وتبديل الأحوال، وأن يجعل منا غرباء في بلادنا، مشردين في أوطاننا، وقد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وذرفت عيناي دمعتين حزناً على «دار الإسلام» أن تصبح مناطق نفوذ للاستعمار والمستعمرين وأخذت أردد في نفسي أين هي دار الإسلام؟

لابد لي قبل سرد بقية الرحلة من ذكر ما أصاب إخواننا الذين غادرناهم في إيران، فإن سلطة الاحتلال البريطانية اعتقلتهم جميعاً.

وبعد نحو شهر نقلتهم إلى الجنوب، حيث ألقتهم في غياهب «سجن الأهواز» فلاقوا فيه كثيراً من العنت والعذاب، ولكنهم لم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، بل صبروا صبر الكرام، ثم نقلوهم إلى روديسيا في جنوب افريقيا، وكان الوصي ومعظم الوزراء العراقيين كناجي باشا السويدي والسادة موسى الشابندر ورؤوف البحراني ومحمد علي محمود وأخوه عبد الجبار ومحمد يونس السبعاوي واللواء أمين زكي باشا، والعقداء محمود سلمان، وفهمي سعيد، وكامل شبيب، والسيد صديق شنشل والمحامي داود السعدي وغيرهم، ومن الفلسطينيين السادة أمين التميمي، وجمال الحسيني، والدكتور داود الحسيني، وعارف الجاعوني، ومحمد شعيب البرناوي، ومن السوريين عثمان كمال حداد، والدكتور أمين رويحه وغيرهم.

وبعد مدة استقدمت السلطات العراقية، بإيعاز من الإنكليز، العقداء الثلاثة والوزير محمد يونس السبعاوي من روديسيا، ثم العقيد صلاح الدين الصباغ من حيث كان لاجئاً، وأعدمتهم جميعاً ظلماً وعدواناً.