من ضغط الإنكليز على الحكومة التركية في تلك الظروف القاسية من سني الحرب.
وقد سبب لي اجتياز الحدود التركية إلى بلغاريا بعض القلق، للدقة التي كانت تفحص بها أوراق المسافرين، ولما وصلت الأراضي البلغارية شعرت بالطمأنينة لنجاتي من براثن الإنكليز وأصدقائهم، ولما دخلت إحدى غرف النوم في القطار المسافر إلى صوفيا، حمدت الله كثيراً وتوجهت إليه بالصلاة والدعاء، على ما هيأ لي من أسباب النجاة.
ولما أصبت بعض الراحة شعرت بحزن شديد وألم عميق، فقد فكرت في الحالة التي كنت فيها، وأنني كنت خائفاً أترقب، منذ كنت محاصراً في بيتي بالقدس، وأنني لم أشعر بشيء من الطمأنينة إلا عندما خرجت من الأقطار التي يسمونها «دار الإسلام»؟ حزنت وحز في نفسي أن يستطيع طغيان الاستعمار تغيير الأوضاع وتبديل الأحوال، وأن يجعل منا غرباء في بلادنا، مشردين في أوطاننا، وقد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وذرفت عيناي دمعتين حزناً على «دار الإسلام» أن تصبح مناطق نفوذ للاستعمار والمستعمرين وأخذت أردد في نفسي أين هي دار الإسلام؟
لابد لي قبل سرد بقية الرحلة من ذكر ما أصاب إخواننا الذين غادرناهم في إيران، فإن سلطة الاحتلال البريطانية اعتقلتهم جميعاً.
وبعد نحو شهر نقلتهم إلى الجنوب، حيث ألقتهم في غياهب «سجن الأهواز» فلاقوا فيه كثيراً من العنت والعذاب، ولكنهم لم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، بل صبروا صبر الكرام، ثم نقلوهم إلى روديسيا في جنوب افريقيا، وكان الوصي ومعظم الوزراء العراقيين كناجي باشا السويدي والسادة موسى الشابندر ورؤوف البحراني ومحمد علي محمود وأخوه عبد الجبار ومحمد يونس السبعاوي واللواء أمين زكي باشا، والعقداء محمود سلمان، وفهمي سعيد، وكامل شبيب، والسيد صديق شنشل والمحامي داود السعدي وغيرهم، ومن الفلسطينيين السادة أمين التميمي، وجمال الحسيني، والدكتور داود الحسيني، وعارف الجاعوني، ومحمد شعيب البرناوي، ومن السوريين عثمان كمال حداد، والدكتور أمين رويحه وغيرهم.
وبعد مدة استقدمت السلطات العراقية، بإيعاز من الإنكليز، العقداء الثلاثة والوزير محمد يونس السبعاوي من روديسيا، ثم العقيد صلاح الدين الصباغ من حيث كان لاجئاً، وأعدمتهم جميعاً ظلماً وعدواناً.