مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 92

Normalized
transcript

وقد توفي في روديسيا كل من السادة ناجي السويدي، وأمين التميمي، وعارف الجاعوني، فقضوا شهداء غرباء تغمدهم الله جميعاً برحمته ورضوانه.

ولم يكن لهؤلاء الشهداء الأبرار والمعتقلين من ذنب إلا الإخلاص لأمتهم، ومقاومة الظلم والاستعمار.

وكان ممن أصابهم العنت والإرهاق الشديد أسرتي التي كانت تصحبني أو تلحق بي في أسفاري إلى لبنان والعراق وإيران، فقد لقيت كثيراً من الأذى وسوء المعاملة، حيث اضطررت إلى تركها في إيران ثم في العراق بعد عودتها من سجن الأهواز، أذكر ذلك كشاهد على فظاعة هؤلاء المستعمرين الأشرار الذين تجردوا من كل عاطفة إنسانية.

لقد حوصر بيتي في طهران، ومنع أهلي من الخروج منه نحو شهر، ثم نقلت أسرتي تحت الحراسة العسكرية إلى جنوب إيران حيث زجوا بها في سجن الأهواز المعروف بأنه من أقذر السجون، والمخصص للمجرمين العاديين، وكان عدد أفرادها عشرة ما بين سيدات وأطفال، فحشروهم جميعاً في غرفة واحدة مقفلة، محرومة من كل الوسائل الصحية، وكانت بينهم طفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها وقد أدهشها السجن المغلق فتسأل أمها: أماه لماذا هذه الدار ليست لها أبواب؟، وكان بجوار الغرفة عدد كبير من السجينات والسجناء المجرمين، وبعد ما لبثت الأسرة في هذا الجحيم والعذاب الأليم ٥٢ يوماً، صدر الأمر بنقلها إلى البصرة في عربة لوري، وفي طريق غير معبد، مدة سبع ساعات، حتى وصلت البصرة، وقد أصيب أفرادها جميعاً بكثير من الجروح والرضوض، وفي البصرة حجزت في إحدى مخافر الشرطة طول اليوم، ثم نقلت بالقطار إلى بغداد مسافة تزيد على ٦٠٠ كيلومتر، وكان القطار قذراً جداً لشدة الزحام، وقد رفضت السلطات البريطانية أن تسمح حتى للأطفال والمرضى من أسرتي بالركوب على حسابها في الدرجة الأولى أو الثانية، فوصلت إلى بغداد في أشد حالات المرض والإعياء، وهناك حاولوا حجزها في مركز البوليس للمبيت فيه، لترحيلها في الصباح، من بغداد إلى القدس مسافة ألف كيلومتر عبر الصحراء، فرفضت النزول في مركز البوليس وتمردت، وتجمع الناس من أهل بغداد، وحدث شغب وتذمر خشيت السلطة عاقبته، فسمحت لها بالذهاب إلى بيتنا في شارع الزهاوي حيث استدعي الطبيب فوراً لمعالجتها من المرض والإعياء الشديد، وقرر الطبيب أن السفر في هذه الحال يعرض حياة أفرادها للخطر والهلاك، فمكثت بضعة أيام في بغداد، تحت حراسة البوليس، ثم نقلتها السلطة إلى القدس.

English
translation

Naji al-Suwaydi, Amin al-Tamimi and Arif al-Jauni all died in Rhodesia, dying as martyrs far from home. May God enfold them all in His mercy and favor.

These righteous martyrs and the detainees had committed no offense other than devotion to their nation and resistance to oppression and colonialism.

Among those who suffered hardship and severe strain was my family, who accompanied me or joined me on my journeys to Lebanon, Iraq and Iran. They suffered much harm and ill-treatment, as I was compelled to leave them in Iran and then in Iraq after their return from Ahvaz Prison. I mention this as evidence of the brutality of these evil colonizers, who had stripped themselves of every human feeling.

My house in Tehran was surrounded, and my family was prevented from leaving it for about a month. They were then taken under military guard to southern Iran and thrown into Ahvaz Prison, known as one of the filthiest prisons and reserved for ordinary criminals. There were ten of them, women and children, and they were all crammed into a single locked room without any sanitary facilities. Among them was a little girl no older than three, who was bewildered by the closed prison and asked her mother: ‘Mother, why does this house have no doors?’ Beside the room were many women prisoners and male criminal prisoners. After my family had spent fifty-two days in this hell and painful torment, an order was issued to transfer them to Basra in a lorry. They traveled along an unpaved road for seven hours before reaching Basra, and all of them suffered numerous wounds and bruises. In Basra, they were held at a police station all day, then taken by train to Baghdad, a distance of more than six hundred kilometers. The train was very filthy because of the severe overcrowding. The British authorities refused to allow even the children and the sick members of my family to travel first or second class at their own expense. They arrived in Baghdad gravely ill and exhausted. There the authorities tried to hold them overnight at a police station so they could send them on in the morning from Baghdad to Jerusalem, a thousand kilometers across the desert. My family refused to get out at the police station and rebelled. People from Baghdad gathered, and an uproar and protests broke out whose consequences the authorities feared. They therefore allowed my family to go to our house on al-Zahawi Street, where a doctor was immediately called to treat their illness and severe exhaustion. The doctor determined that travel in this condition would endanger their lives and could prove fatal. They stayed in Baghdad for a few days under police guard, after which the authorities transferred them to Jerusalem.

Analysis

This page records the deaths in Rhodesia of Naji al-Suwaydi, Amin al-Tamimi, and Arif al-Jauni, then gives an extended account of the narrator’s family detention and forced movement from Tehran through Ahvaz, Basra, Baghdad, and Jerusalem. It is especially significant for the detailed claims about prison conditions, the number and ages of family members, fifty-two days of detention, transport distances, medical danger, and public resistance in Baghdad. The child’s question about the prison’s doors is an especially vivid passage in the source’s account of colonial abuse. These numbers, conditions, accusations, and reported events remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

وقد توفي في روديسيا كل من السادة ناجي السويدي، وأمين التميمي، وعارف الجاعوني، فقضوا شهداء غرباء تغمدهم الله جميعاً برحمته ورضوانه.

ولم يكن لهؤلاء الشهداء الأبرار والمعتقلين من ذنب إلا الإخلاص لأمتهم، ومقاومة الظلم والاستعمار.

وكان ممن أصابهم العنت والإرهاق الشديد أسرتي التي كانت تصحبني أو تلحق بي في أسفاري إلى لبنان والعراق وإيران، فقد لقيت كثيراً من الأذى وسوء المعاملة، حيث اضطررت إلى تركها في إيران ثم في العراق بعد عودتها من سجن الأهواز، أذكر ذلك كشاهد على فظاعة هؤلاء المستعمرين الأشرار الذين تجردوا من كل عاطفة إنسانية.

لقد حوصر بيتي في طهران، ومنع أهلي من الخروج منه نحو شهر، ثم نقلت أسرتي تحت الحراسة العسكرية إلى جنوب إيران حيث زجوا بها في سجن الأهواز المعروف بأنه من أقذر السجون، والمخصص للمجرمين العاديين، وكان عدد أفرادها عشرة ما بين سيدات وأطفال، فحشروهم جميعاً في غرفة واحدة مقفلة، محرومة من كل الوسائل الصحية، وكانت بينهم طفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها وقد أدهشها السجن المغلق فتسأل أمها: أماه لماذا هذه الدار ليست لها أبواب؟، وكان بجوار الغرفة عدد كبير من السجينات والسجناء المجرمين، وبعد ما لبثت الأسرة في هذا الجحيم والعذاب الأليم ٥٢ يوماً، صدر الأمر بنقلها إلى البصرة في عربة لوري، وفي طريق غير معبد، مدة سبع ساعات، حتى وصلت البصرة، وقد أصيب أفرادها جميعاً بكثير من الجروح والرضوض، وفي البصرة حجزت في إحدى مخافر الشرطة طول اليوم، ثم نقلت بالقطار إلى بغداد مسافة تزيد على ٦٠٠ كيلومتر، وكان القطار قذراً جداً لشدة الزحام، وقد رفضت السلطات البريطانية أن تسمح حتى للأطفال والمرضى من أسرتي بالركوب على حسابها في الدرجة الأولى أو الثانية، فوصلت إلى بغداد في أشد حالات المرض والإعياء، وهناك حاولوا حجزها في مركز البوليس للمبيت فيه، لترحيلها في الصباح، من بغداد إلى القدس مسافة ألف كيلومتر عبر الصحراء، فرفضت النزول في مركز البوليس وتمردت، وتجمع الناس من أهل بغداد، وحدث شغب وتذمر خشيت السلطة عاقبته، فسمحت لها بالذهاب إلى بيتنا في شارع الزهاوي حيث استدعي الطبيب فوراً لمعالجتها من المرض والإعياء الشديد، وقرر الطبيب أن السفر في هذه الحال يعرض حياة أفرادها للخطر والهلاك، فمكثت بضعة أيام في بغداد، تحت حراسة البوليس، ثم نقلتها السلطة إلى القدس.