وقد توفي في روديسيا كل من السادة ناجي السويدي، وأمين التميمي، وعارف الجاعوني، فقضوا شهداء غرباء تغمدهم الله جميعاً برحمته ورضوانه.
ولم يكن لهؤلاء الشهداء الأبرار والمعتقلين من ذنب إلا الإخلاص لأمتهم، ومقاومة الظلم والاستعمار.
وكان ممن أصابهم العنت والإرهاق الشديد أسرتي التي كانت تصحبني أو تلحق بي في أسفاري إلى لبنان والعراق وإيران، فقد لقيت كثيراً من الأذى وسوء المعاملة، حيث اضطررت إلى تركها في إيران ثم في العراق بعد عودتها من سجن الأهواز، أذكر ذلك كشاهد على فظاعة هؤلاء المستعمرين الأشرار الذين تجردوا من كل عاطفة إنسانية.
لقد حوصر بيتي في طهران، ومنع أهلي من الخروج منه نحو شهر، ثم نقلت أسرتي تحت الحراسة العسكرية إلى جنوب إيران حيث زجوا بها في سجن الأهواز المعروف بأنه من أقذر السجون، والمخصص للمجرمين العاديين، وكان عدد أفرادها عشرة ما بين سيدات وأطفال، فحشروهم جميعاً في غرفة واحدة مقفلة، محرومة من كل الوسائل الصحية، وكانت بينهم طفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها وقد أدهشها السجن المغلق فتسأل أمها: أماه لماذا هذه الدار ليست لها أبواب؟، وكان بجوار الغرفة عدد كبير من السجينات والسجناء المجرمين، وبعد ما لبثت الأسرة في هذا الجحيم والعذاب الأليم ٥٢ يوماً، صدر الأمر بنقلها إلى البصرة في عربة لوري، وفي طريق غير معبد، مدة سبع ساعات، حتى وصلت البصرة، وقد أصيب أفرادها جميعاً بكثير من الجروح والرضوض، وفي البصرة حجزت في إحدى مخافر الشرطة طول اليوم، ثم نقلت بالقطار إلى بغداد مسافة تزيد على ٦٠٠ كيلومتر، وكان القطار قذراً جداً لشدة الزحام، وقد رفضت السلطات البريطانية أن تسمح حتى للأطفال والمرضى من أسرتي بالركوب على حسابها في الدرجة الأولى أو الثانية، فوصلت إلى بغداد في أشد حالات المرض والإعياء، وهناك حاولوا حجزها في مركز البوليس للمبيت فيه، لترحيلها في الصباح، من بغداد إلى القدس مسافة ألف كيلومتر عبر الصحراء، فرفضت النزول في مركز البوليس وتمردت، وتجمع الناس من أهل بغداد، وحدث شغب وتذمر خشيت السلطة عاقبته، فسمحت لها بالذهاب إلى بيتنا في شارع الزهاوي حيث استدعي الطبيب فوراً لمعالجتها من المرض والإعياء الشديد، وقرر الطبيب أن السفر في هذه الحال يعرض حياة أفرادها للخطر والهلاك، فمكثت بضعة أيام في بغداد، تحت حراسة البوليس، ثم نقلتها السلطة إلى القدس.