ما أسترعى نظري واستغربته كثيراً عند بدء العدوان البريطاني على إيران، اختفاء بعض المواد الحيوية من الأسواق، وفي مقدمتها البنزين، مع أن إيران كانت تنتج حينئذ ستة عشر مليون طن من البترول سنوياً، ولكن الشركات الأجنبية تتحكم في الأقطار التي تمنى بسيطرتها كما تشاء مصلحتها ومصلحة الاستعمار.
لقد كان إيراد شركة البترول البريطانية - الإيرانية في عام ١٩٤١ - ١٩٤٢/ (٦٢) مليون جنيه استرليني، لكن حصة الحكومة الإيرانية من هذا المبلغ، كانت مليوناً ونصف مليون فقط، وكان عليها أن تحرس أنابيب البترول، وتنفق على إصلاح العطب الذي يصيبها، من حصتها الضئيلة.
وهذا مثل لسيطرة الشركات الاستعمارية وتحكمها الظالم، فهي لا تكتفي بأرباحها الهائلة وسيطرتها الغاشمة، بل تزيد عليها، قيامها بأعمال المخابرات والتجسس على أوسع نطاق، فقد كان لشركة البترول البريطانية في إيران فرع للمخابرات في كل محطة من محطاتها، لا يقل خطراً وأهمية عن القنصليات والمعاهد الأجنبية التي كانت مبثوثة في كل نواحي البلاد الإيرانية.
وشأن الشركات الأجنبية في إيران شأنها في غيرها من الأقطار العربية والشرقية، فإن موظفاً من رجال المخابرات البريطانية يدعى الكابتن «وطسون» كان يعمل في منطقتي غزة وبئر السبع خلال الحرب الأخيرة، فلما جلا الإنكليز عن فلسطين عام ١٩٤٨، انتقل وطسون مفتشاً في إحدى شركات البترول في الإسماعيلية، وظل يقوم بعمله السابق ويتصل بجواسيسه ورجاله أنفسهم ويتجول في سيناء وقطاع غزة بحجة التفتيش على أعمال تلك الشركة الأجنبية.
في أوروبا - إيطاليا وألمانيا:
انطلق القطار يطوي بنا الأرض طياً في بلاد البلغار، ثم في سائر البلقان، وقد أسترعى نظري في الشعب البلغاري الطابع الشرقي الذي لا يزال واضحاً على هذا الشعب في العادات والتقاليد، والملابس، والطعام، فقد دخلت مطعماً في بلغاريا فحسبتني في مطعم الحاتي بالقاهرة، فهناك الكباب ولبن الزبادي وكثير من ألوان الطعام المألوفة، ثم دخلت رومانيا وقضيت يوماً وليلة في عاصمتها «بخارست». وهنا تذكرت بطولة الفرقتين ٢٣ و ٢٥ من الجيش العثماني وقد كان معظم جنودهما من الفلسطينيين بقيادة المارشال الألماني الشهير «فون ماكنزن» الذي تولى قيادة الجيوش الألمانية والنمساوية والعثمانية في البلقان في الحرب العالمية الأولى واستولى على