مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 93

Normalized
transcript

ما أسترعى نظري واستغربته كثيراً عند بدء العدوان البريطاني على إيران، اختفاء بعض المواد الحيوية من الأسواق، وفي مقدمتها البنزين، مع أن إيران كانت تنتج حينئذ ستة عشر مليون طن من البترول سنوياً، ولكن الشركات الأجنبية تتحكم في الأقطار التي تمنى بسيطرتها كما تشاء مصلحتها ومصلحة الاستعمار.

لقد كان إيراد شركة البترول البريطانية - الإيرانية في عام ١٩٤١ - ١٩٤٢/ (٦٢) مليون جنيه استرليني، لكن حصة الحكومة الإيرانية من هذا المبلغ، كانت مليوناً ونصف مليون فقط، وكان عليها أن تحرس أنابيب البترول، وتنفق على إصلاح العطب الذي يصيبها، من حصتها الضئيلة.

وهذا مثل لسيطرة الشركات الاستعمارية وتحكمها الظالم، فهي لا تكتفي بأرباحها الهائلة وسيطرتها الغاشمة، بل تزيد عليها، قيامها بأعمال المخابرات والتجسس على أوسع نطاق، فقد كان لشركة البترول البريطانية في إيران فرع للمخابرات في كل محطة من محطاتها، لا يقل خطراً وأهمية عن القنصليات والمعاهد الأجنبية التي كانت مبثوثة في كل نواحي البلاد الإيرانية.

وشأن الشركات الأجنبية في إيران شأنها في غيرها من الأقطار العربية والشرقية، فإن موظفاً من رجال المخابرات البريطانية يدعى الكابتن «وطسون» كان يعمل في منطقتي غزة وبئر السبع خلال الحرب الأخيرة، فلما جلا الإنكليز عن فلسطين عام ١٩٤٨، انتقل وطسون مفتشاً في إحدى شركات البترول في الإسماعيلية، وظل يقوم بعمله السابق ويتصل بجواسيسه ورجاله أنفسهم ويتجول في سيناء وقطاع غزة بحجة التفتيش على أعمال تلك الشركة الأجنبية.

في أوروبا - إيطاليا وألمانيا:

انطلق القطار يطوي بنا الأرض طياً في بلاد البلغار، ثم في سائر البلقان، وقد أسترعى نظري في الشعب البلغاري الطابع الشرقي الذي لا يزال واضحاً على هذا الشعب في العادات والتقاليد، والملابس، والطعام، فقد دخلت مطعماً في بلغاريا فحسبتني في مطعم الحاتي بالقاهرة، فهناك الكباب ولبن الزبادي وكثير من ألوان الطعام المألوفة، ثم دخلت رومانيا وقضيت يوماً وليلة في عاصمتها «بخارست». وهنا تذكرت بطولة الفرقتين ٢٣ و ٢٥ من الجيش العثماني وقد كان معظم جنودهما من الفلسطينيين بقيادة المارشال الألماني الشهير «فون ماكنزن» الذي تولى قيادة الجيوش الألمانية والنمساوية والعثمانية في البلقان في الحرب العالمية الأولى واستولى على

English
translation

What caught my attention and greatly surprised me when the British aggression against Iran began was the disappearance of certain essential supplies from the markets, foremost among them gasoline, even though Iran then produced sixteen million tons of petroleum annually. But foreign companies control the countries afflicted by their domination as their own interests and those of colonialism dictate.

The revenue of the British–Iranian Petroleum Company in 1941–1942 was 62 million pounds sterling, but the Iranian government’s share of this amount was only one and a half million. Out of its meager share, it had to guard the oil pipelines and pay to repair any damage to them.

This is an example of the domination and unjust control exercised by colonial companies. They are not content with their enormous profits and oppressive domination; they add to them intelligence work and espionage on the widest scale. The British petroleum company in Iran had an intelligence branch at every one of its stations, no less dangerous or important than the foreign consulates and institutions scattered throughout Iran.

Foreign companies in Iran operate as they do in other Arab and Eastern countries. A British intelligence officer called Captain ‘Watson’ worked in the Gaza and Beersheba areas during the last war. When the English evacuated Palestine in 1948, Watson moved to a job as an inspector for an oil company in Ismailia. He continued his former work, maintaining contact with the same spies and agents and traveling around Sinai and the Gaza Strip under the pretext of inspecting that foreign company’s operations.

In Europe — Italy and Germany:

The train sped across Bulgaria and then the rest of the Balkans. What struck me about the Bulgarian people was the Eastern character still clearly apparent in their customs, traditions, clothing and food. I entered a restaurant in Bulgaria and thought I was in al-Hati’s restaurant in Cairo: there were kebabs, yogurt and many familiar dishes. I then entered Romania and spent a day and a night in its capital, ‘Bucharest.’ There I recalled the heroism of the Ottoman army’s 23rd and 25th Divisions, most of whose soldiers were Palestinians, under the famous German Marshal ‘von Mackensen,’ who commanded the German, Austrian and Ottoman armies in the Balkans during the First World War and captured

Analysis

This page shifts from the family’s return to Jerusalem to an account of oil scarcity, foreign-company control, and alleged intelligence networks in Iran and Palestine. It is especially significant for the narrator’s revenue comparison between the British–Iranian Petroleum Company and the Iranian government, his claim that company stations maintained intelligence branches, and the example of Captain Watson moving from British intelligence work in Gaza and Beersheba to an oil-company post in Ismailia. The page then opens a European travel section linking Bulgarian and Romanian observations to Ottoman military memory and Palestinian soldiers. These figures, allegations, identities, and historical associations remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

ما أسترعى نظري واستغربته كثيراً عند بدء العدوان البريطاني على إيران، اختفاء بعض المواد الحيوية من الأسواق، وفي مقدمتها البنزين، مع أن إيران كانت تنتج حينئذ ستة عشر مليون طن من البترول سنوياً، ولكن الشركات الأجنبية تتحكم في الأقطار التي تمنى بسيطرتها كما تشاء مصلحتها ومصلحة الاستعمار.

لقد كان إيراد شركة البترول البريطانية - الإيرانية في عام ١٩٤١ - ١٩٤٢/ (٦٢) مليون جنيه استرليني، لكن حصة الحكومة الإيرانية من هذا المبلغ، كانت مليوناً ونصف مليون فقط، وكان عليها أن تحرس أنابيب البترول، وتنفق على إصلاح العطب الذي يصيبها، من حصتها الضئيلة.

وهذا مثل لسيطرة الشركات الاستعمارية وتحكمها الظالم، فهي لا تكتفي بأرباحها الهائلة وسيطرتها الغاشمة، بل تزيد عليها، قيامها بأعمال المخابرات والتجسس على أوسع نطاق، فقد كان لشركة البترول البريطانية في إيران فرع للمخابرات في كل محطة من محطاتها، لا يقل خطراً وأهمية عن القنصليات والمعاهد الأجنبية التي كانت مبثوثة في كل نواحي البلاد الإيرانية.

وشأن الشركات الأجنبية في إيران شأنها في غيرها من الأقطار العربية والشرقية، فإن موظفاً من رجال المخابرات البريطانية يدعى الكابتن «وطسون» كان يعمل في منطقتي غزة وبئر السبع خلال الحرب الأخيرة، فلما جلا الإنكليز عن فلسطين عام ١٩٤٨، انتقل وطسون مفتشاً في إحدى شركات البترول في الإسماعيلية، وظل يقوم بعمله السابق ويتصل بجواسيسه ورجاله أنفسهم ويتجول في سيناء وقطاع غزة بحجة التفتيش على أعمال تلك الشركة الأجنبية.

في أوروبا - إيطاليا وألمانيا:

انطلق القطار يطوي بنا الأرض طياً في بلاد البلغار، ثم في سائر البلقان، وقد أسترعى نظري في الشعب البلغاري الطابع الشرقي الذي لا يزال واضحاً على هذا الشعب في العادات والتقاليد، والملابس، والطعام، فقد دخلت مطعماً في بلغاريا فحسبتني في مطعم الحاتي بالقاهرة، فهناك الكباب ولبن الزبادي وكثير من ألوان الطعام المألوفة، ثم دخلت رومانيا وقضيت يوماً وليلة في عاصمتها «بخارست». وهنا تذكرت بطولة الفرقتين ٢٣ و ٢٥ من الجيش العثماني وقد كان معظم جنودهما من الفلسطينيين بقيادة المارشال الألماني الشهير «فون ماكنزن» الذي تولى قيادة الجيوش الألمانية والنمساوية والعثمانية في البلقان في الحرب العالمية الأولى واستولى على