مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 95

Normalized
transcript

ثم في إيران، لتحقيق استقلال الأقطار العربية الواقعة تحت الاحتلال أو السيطرة الاستعمارية، فلما وصلت روما وعرفت الدولة الإيطالية بقدومي، اتصل بي بعض رجال وزارة الخارجية الإيطالية والسفارة الألمانية بروما، وزارني الكونت بيسمارك مستشار هذه السفارة وهو حفيد بيسمارك السياسي الألماني الشهير، ولما أعلمته برغبتي في السفر إلى ألمانيا أبلغ حكومته هذه الرغبة فرحبت بها.

وبعد بضعة أيام من وصولي روما قابلت الدوتشي موسوليني في قصر فينيسيا الشهير الذي كان موسوليني يلقي خطبه المثيرة من شرفته المطلة على ساحة فينيسيا، التي كانت تغص بمئات الألوف من الإيطاليين، وقد جاء بعض رجال الخارجية إلى فندق «أكسلسيور» وصحبوني إلى القصر، وهناك استقبلني البارون «أنفوزو» وزير الخارجية بالنيابة، لأن الكونت شيانو وزير الخارجية كان غائباً في زيارة لبرلين، وصحبني إلى الغرفة الفسيحة التي اتخذها موسوليني مكتباً له، وهي في سعتها أشبه بقاعة محاضرات، استقبلني موسوليني على باب غرفته الفسيحة وقال: إنني أرحب بكم باسمي وباسم الشعب الإيطالي والدولة، وأهنئكم لنجاتكم من براثن أعدائكم في هذه الرحلة الشاقة الطويلة، ثم سار معي إلى كرسيين متقابلين أمام مكتبه فأجلسني على أحدهما وجلس على الآخر، وظل السنيور أنفوزو وكيل الخارجية واقفاً على قدميه طول مدة المقابلة، وكان من عادة موسوليني ألا يجلس الوزراء في حضرته أثناء المقابلات الرسمية، ومع أن الكونت شيانو وزير الخارجية كان أقرب المقربين إلى الدوتشي وكان أيضاً زوج ابنته فقد ظل واقفاً على قدميه في إحدى مقابلاتي لموسوليني مدة ساعتين كاملتين..

وكان ذلك خلال مقابلة أخرى لموسوليني حين فتكت العصابات الصربية التي كان يقودها الجنرال ميخايلوفيتش بمسلمي البوشناق (سكان البوسنة والهرسك ويني بازار) وقتل منهم نحو مئتي ألف نفس، وسيأتي تفصيل هذا في فصل قادم من هذه المذكرات.

افتتح موسوليني الحديث بعد تهنئته لي بالنجاة، بسؤالي عن الطريق الذي سلكته حتى وصلت البلقان، وأصغى باهتمام بالغ إلى حديثي عن القضية العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة، وكان موسوليني يتكلم الفرنسية بطلاقة كما كان يتكلم عدة لغات أجنبية، وقد أسترعى نظري في هذه المقابلة لموسوليني قوة شخصيته وطموحه البعيد، وكان يخفيهما بلباقته ودهائه وسعة ثقافته، واطلاعه على سياسة الشرق الأدنى، وبعد نظره في تجنب الاشتباك مع روسيا، كما سيأتي ذكره، وكان

English
translation

and then in Iran, to achieve the independence of the Arab countries under occupation or colonial control. When I reached Rome and the Italian government learned of my arrival, officials from the Italian Foreign Ministry and the German embassy in Rome contacted me. Count Bismarck, a counselor at that embassy and grandson of the famous German statesman Bismarck, visited me. When I told him of my wish to travel to Germany, he conveyed it to his government, which welcomed it.

A few days after arriving in Rome, I met the Duce, Mussolini, in the famous Palazzo Venezia, from whose balcony overlooking Piazza Venezia he delivered his stirring speeches to the hundreds of thousands of Italians who filled the square. Some Foreign Ministry officials came to the ‘Excelsior’ Hotel and accompanied me to the palace. There I was received by Baron ‘Anfuso,’ the acting Foreign Minister, as Count Ciano, the Foreign Minister, was away visiting Berlin. He accompanied me to the spacious room Mussolini used as his office, which was as large as a lecture hall. Mussolini received me at its door and said: ‘I welcome you in my own name and in the name of the Italian people and state, and congratulate you on escaping the clutches of your enemies on this long and arduous journey.’ He then walked with me to two chairs facing each other in front of his desk, seated me in one and sat in the other. Signor Anfuso, the Undersecretary for Foreign Affairs, remained standing throughout the meeting. Mussolini customarily did not allow ministers to sit in his presence during official meetings. Although Count Ciano was among those closest to the Duce and was also his son-in-law, he remained on his feet for two full hours during one of my meetings with Mussolini...

That was during another meeting with Mussolini, when the Serbian bands led by General Mihailovic massacred Bosniak Muslims (the inhabitants of Bosnia, Herzegovina and Yeni Bazar), killing about two hundred thousand people. Details of this will appear in a later chapter of these memoirs.

After congratulating me on my escape, Mussolini opened the conversation by asking what route I had taken to reach the Balkans. He listened with great interest as I spoke about the Arab cause in general and the Palestinian cause in particular. Mussolini spoke French fluently, as well as several other foreign languages. What struck me in this meeting was the force of his personality and his far-reaching ambition, which he concealed with his tact, cunning, broad learning, knowledge of Near Eastern politics and foresight in avoiding conflict with Russia, as will be mentioned later. He was

Analysis

This page continues the narrator’s journey from Iraq and Iran into Rome and records his meetings with Italian and German officials, including Mussolini. It is especially significant for the memoir’s direct account of a meeting with Mussolini, the presentation of Arab independence and Palestine demands, and the narrator’s favorable description of Mussolini’s personality and strategic outlook. The page also includes a reported claim that Serbian forces under Mihailovic killed about two hundred thousand Bosniak Muslims. These political meetings, characterizations, casualty figures, and historical claims remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

ثم في إيران، لتحقيق استقلال الأقطار العربية الواقعة تحت الاحتلال أو السيطرة الاستعمارية، فلما وصلت روما وعرفت الدولة الإيطالية بقدومي، اتصل بي بعض رجال وزارة الخارجية الإيطالية والسفارة الألمانية بروما، وزارني الكونت بيسمارك مستشار هذه السفارة وهو حفيد بيسمارك السياسي الألماني الشهير، ولما أعلمته برغبتي في السفر إلى ألمانيا أبلغ حكومته هذه الرغبة فرحبت بها.

وبعد بضعة أيام من وصولي روما قابلت الدوتشي موسوليني في قصر فينيسيا الشهير الذي كان موسوليني يلقي خطبه المثيرة من شرفته المطلة على ساحة فينيسيا، التي كانت تغص بمئات الألوف من الإيطاليين، وقد جاء بعض رجال الخارجية إلى فندق «أكسلسيور» وصحبوني إلى القصر، وهناك استقبلني البارون «أنفوزو» وزير الخارجية بالنيابة، لأن الكونت شيانو وزير الخارجية كان غائباً في زيارة لبرلين، وصحبني إلى الغرفة الفسيحة التي اتخذها موسوليني مكتباً له، وهي في سعتها أشبه بقاعة محاضرات، استقبلني موسوليني على باب غرفته الفسيحة وقال: إنني أرحب بكم باسمي وباسم الشعب الإيطالي والدولة، وأهنئكم لنجاتكم من براثن أعدائكم في هذه الرحلة الشاقة الطويلة، ثم سار معي إلى كرسيين متقابلين أمام مكتبه فأجلسني على أحدهما وجلس على الآخر، وظل السنيور أنفوزو وكيل الخارجية واقفاً على قدميه طول مدة المقابلة، وكان من عادة موسوليني ألا يجلس الوزراء في حضرته أثناء المقابلات الرسمية، ومع أن الكونت شيانو وزير الخارجية كان أقرب المقربين إلى الدوتشي وكان أيضاً زوج ابنته فقد ظل واقفاً على قدميه في إحدى مقابلاتي لموسوليني مدة ساعتين كاملتين..

وكان ذلك خلال مقابلة أخرى لموسوليني حين فتكت العصابات الصربية التي كان يقودها الجنرال ميخايلوفيتش بمسلمي البوشناق (سكان البوسنة والهرسك ويني بازار) وقتل منهم نحو مئتي ألف نفس، وسيأتي تفصيل هذا في فصل قادم من هذه المذكرات.

افتتح موسوليني الحديث بعد تهنئته لي بالنجاة، بسؤالي عن الطريق الذي سلكته حتى وصلت البلقان، وأصغى باهتمام بالغ إلى حديثي عن القضية العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة، وكان موسوليني يتكلم الفرنسية بطلاقة كما كان يتكلم عدة لغات أجنبية، وقد أسترعى نظري في هذه المقابلة لموسوليني قوة شخصيته وطموحه البعيد، وكان يخفيهما بلباقته ودهائه وسعة ثقافته، واطلاعه على سياسة الشرق الأدنى، وبعد نظره في تجنب الاشتباك مع روسيا، كما سيأتي ذكره، وكان