ثم في إيران، لتحقيق استقلال الأقطار العربية الواقعة تحت الاحتلال أو السيطرة الاستعمارية، فلما وصلت روما وعرفت الدولة الإيطالية بقدومي، اتصل بي بعض رجال وزارة الخارجية الإيطالية والسفارة الألمانية بروما، وزارني الكونت بيسمارك مستشار هذه السفارة وهو حفيد بيسمارك السياسي الألماني الشهير، ولما أعلمته برغبتي في السفر إلى ألمانيا أبلغ حكومته هذه الرغبة فرحبت بها.
وبعد بضعة أيام من وصولي روما قابلت الدوتشي موسوليني في قصر فينيسيا الشهير الذي كان موسوليني يلقي خطبه المثيرة من شرفته المطلة على ساحة فينيسيا، التي كانت تغص بمئات الألوف من الإيطاليين، وقد جاء بعض رجال الخارجية إلى فندق «أكسلسيور» وصحبوني إلى القصر، وهناك استقبلني البارون «أنفوزو» وزير الخارجية بالنيابة، لأن الكونت شيانو وزير الخارجية كان غائباً في زيارة لبرلين، وصحبني إلى الغرفة الفسيحة التي اتخذها موسوليني مكتباً له، وهي في سعتها أشبه بقاعة محاضرات، استقبلني موسوليني على باب غرفته الفسيحة وقال: إنني أرحب بكم باسمي وباسم الشعب الإيطالي والدولة، وأهنئكم لنجاتكم من براثن أعدائكم في هذه الرحلة الشاقة الطويلة، ثم سار معي إلى كرسيين متقابلين أمام مكتبه فأجلسني على أحدهما وجلس على الآخر، وظل السنيور أنفوزو وكيل الخارجية واقفاً على قدميه طول مدة المقابلة، وكان من عادة موسوليني ألا يجلس الوزراء في حضرته أثناء المقابلات الرسمية، ومع أن الكونت شيانو وزير الخارجية كان أقرب المقربين إلى الدوتشي وكان أيضاً زوج ابنته فقد ظل واقفاً على قدميه في إحدى مقابلاتي لموسوليني مدة ساعتين كاملتين..
وكان ذلك خلال مقابلة أخرى لموسوليني حين فتكت العصابات الصربية التي كان يقودها الجنرال ميخايلوفيتش بمسلمي البوشناق (سكان البوسنة والهرسك ويني بازار) وقتل منهم نحو مئتي ألف نفس، وسيأتي تفصيل هذا في فصل قادم من هذه المذكرات.
افتتح موسوليني الحديث بعد تهنئته لي بالنجاة، بسؤالي عن الطريق الذي سلكته حتى وصلت البلقان، وأصغى باهتمام بالغ إلى حديثي عن القضية العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة، وكان موسوليني يتكلم الفرنسية بطلاقة كما كان يتكلم عدة لغات أجنبية، وقد أسترعى نظري في هذه المقابلة لموسوليني قوة شخصيته وطموحه البعيد، وكان يخفيهما بلباقته ودهائه وسعة ثقافته، واطلاعه على سياسة الشرق الأدنى، وبعد نظره في تجنب الاشتباك مع روسيا، كما سيأتي ذكره، وكان