مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 97

Normalized
transcript

الامبراطورية البريطانية فمنها نستطيع أن نخنقها ونخمد أنفاسها، إنها أهم من كل جبهة.

وكان موسوليني كما علمت فيما بعد معارضاً في فتح الجبهة الروسية، وكان ينصح باجتناب الدخول في قتال مع روسيا الواسعة الأرجاء التي تسحب جيوشها أمام الأعداء حتى تورطهم في ثلوجها ووحولها ثم تردهم على أعقابهم كما فعلت بجيش نابليون وغيره من الغزاة.

ولما انتهت المقابلة وقمت مودعاً، سار معي موسوليني إلى نهاية القاعة الواسعة وهو يكرر عبارات المجاملة والترحيب ويوصي البارون أنفوزو بالعناية بي وتحقيق رغباتي، وفيما نحن خارجون أبدي لي أنفوزو استعداده الكامل لتنفيذ أوامر الدوتشي بشأن تحقيق رغباتي فوراً فلما سمعت كلامه أجبته شاكراً حفاوة الدوتشي وعنايته الفائقة، وأن ما أطلبه هو تسهيل سفري إلى برلين حالاً، فنظر إلي أنفوزو باستغراب وقال: بهذه السرعة؟ لماذا لا تقيم لدينا؟ فأجبته أن لا بد من سفري الآن وأنني سأعود إلى روما عندما تسنح الظروف.

وقد وجدت أنهم أعدوا لي منزلاً في إحدى ضواحي روما هو فيلا «سكارلاتي» وأنهم نقلوا إليها حقائبي من الفندق الذي نزلت فيه، وفي اليوم التالي زارني في هذه الدار الكونت بيسمارك مستشار السفارة الألمانية آنف الذكر والهر دورتنباخ من كبار موظفي السفارة، ورحب الكونت بيسمارك باسم السفير ماكنزن حفيد المارشال ماكنزن الشهير.

مكثت في تلك الفيلا يومين فقط قبل سفري إلى برلين ولم أعد إليها إذ خصص لإقامتنا في روما قصر آخر هو «فيلا كولونا» الشهيرة القائمة على جبل مونتي ماريو المشرف على مدينة روما، ولهذا القصر قصة لها علاقة تاريخية بفلسطين والقدس، فإن رأس أسرة «كولونا» كان من كبار قواد الحروب الصليبية وقد حمل معه عندما عاد من القدس إلى روما العمود، الذي يقال أن السيد المسيح عليه السلام جلد عليه، وقدمه هدية إلى البابا فمنحه البابا لقب «برنس كولونا»، وتوارثت الأسرة هذا اللقب مع الثراء العريض والنفوذ الكبير منذ ذلك التاريخ.

وأخيراً اقترن أحد أفراد أسرة كولونا بسيدة لبنانية من أسرة سرسق الشهيرة في بيروت، فلعبت هذه السيدة «سنيورة كولونا» دوراً خطيراً في سياسة إيطاليا خلال الحرب العالمية الأخيرة، فقد كانت شديدة الذكاء والدهاء واللياقة بالإضافة إلى ثقافتها

English
translation

British Empire; from there we can strangle it and stifle its breath. It is more important than any front.’

Mussolini, as I later learned, opposed opening the Russian front. He advised against entering into combat with the vast country of Russia, which withdraws its armies before its enemies until it entangles them in its snow and mud, then drives them back, as it did Napoleon’s army and other invaders.

When the meeting ended and I rose to take my leave, Mussolini walked with me to the end of the large hall, repeating expressions of courtesy and welcome and instructing Baron Anfuso to look after me and fulfill my wishes. As we were leaving, Anfuso expressed his complete readiness to carry out the Duce’s orders and fulfill my wishes immediately. I thanked him for the Duce’s warm reception and exceptional attention, and said that what I wanted was help in traveling to Berlin at once. Anfuso looked at me in surprise and said: ‘So soon? Why not stay with us?’ I replied that I had to travel now and would return to Rome when circumstances permitted.

I found that they had prepared a house for me in a suburb of Rome, Villa ‘Scarlatti,’ and had moved my luggage there from the hotel where I had been staying. The next day, Count Bismarck, the German embassy counselor mentioned above, and Herr Dortenbach, a senior embassy official, visited me there. Count Bismarck welcomed me on behalf of Ambassador Mackensen, grandson of the famous Marshal Mackensen.

I stayed in that villa for only two days before traveling to Berlin and did not return to it, as another palace was assigned for our residence in Rome: the famous ‘Villa Colonna,’ on Monte Mario overlooking the city. This palace has a story historically connected with Palestine and Jerusalem. The head of the Colonna family had been one of the leading commanders in the Crusades. When he returned from Jerusalem to Rome, he brought with him the column on which it is said that the Lord Christ, peace be upon him, was scourged, and presented it to the Pope. The Pope granted him the title ‘Prince Colonna.’ The family has passed down that title, along with great wealth and considerable influence, ever since.

More recently, a member of the Colonna family married a Lebanese woman from Beirut’s famous Sursuq family. This woman, ‘Signora Colonna,’ played a consequential role in Italian politics during the last world war. She was highly intelligent, cunning and tactful, in addition to her

Analysis

This page completes Mussolini’s Suez metaphor and records his reported opposition to opening the Russian front, then follows the narrator’s arrangements for travel to Berlin and his movement between villas in Rome. It is especially significant for the memoir’s favorable portrayal of Mussolini’s strategic judgment and for the historical and religious story attached to Villa Colonna, including the Colonna family’s claimed connection to Jerusalem and the Crusades. The page also introduces the Lebanese Sursock family member whom the narrator credits with a major political role in Italy. These reports, family histories, motives, and political judgments remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

الامبراطورية البريطانية فمنها نستطيع أن نخنقها ونخمد أنفاسها، إنها أهم من كل جبهة.

وكان موسوليني كما علمت فيما بعد معارضاً في فتح الجبهة الروسية، وكان ينصح باجتناب الدخول في قتال مع روسيا الواسعة الأرجاء التي تسحب جيوشها أمام الأعداء حتى تورطهم في ثلوجها ووحولها ثم تردهم على أعقابهم كما فعلت بجيش نابليون وغيره من الغزاة.

ولما انتهت المقابلة وقمت مودعاً، سار معي موسوليني إلى نهاية القاعة الواسعة وهو يكرر عبارات المجاملة والترحيب ويوصي البارون أنفوزو بالعناية بي وتحقيق رغباتي، وفيما نحن خارجون أبدي لي أنفوزو استعداده الكامل لتنفيذ أوامر الدوتشي بشأن تحقيق رغباتي فوراً فلما سمعت كلامه أجبته شاكراً حفاوة الدوتشي وعنايته الفائقة، وأن ما أطلبه هو تسهيل سفري إلى برلين حالاً، فنظر إلي أنفوزو باستغراب وقال: بهذه السرعة؟ لماذا لا تقيم لدينا؟ فأجبته أن لا بد من سفري الآن وأنني سأعود إلى روما عندما تسنح الظروف.

وقد وجدت أنهم أعدوا لي منزلاً في إحدى ضواحي روما هو فيلا «سكارلاتي» وأنهم نقلوا إليها حقائبي من الفندق الذي نزلت فيه، وفي اليوم التالي زارني في هذه الدار الكونت بيسمارك مستشار السفارة الألمانية آنف الذكر والهر دورتنباخ من كبار موظفي السفارة، ورحب الكونت بيسمارك باسم السفير ماكنزن حفيد المارشال ماكنزن الشهير.

مكثت في تلك الفيلا يومين فقط قبل سفري إلى برلين ولم أعد إليها إذ خصص لإقامتنا في روما قصر آخر هو «فيلا كولونا» الشهيرة القائمة على جبل مونتي ماريو المشرف على مدينة روما، ولهذا القصر قصة لها علاقة تاريخية بفلسطين والقدس، فإن رأس أسرة «كولونا» كان من كبار قواد الحروب الصليبية وقد حمل معه عندما عاد من القدس إلى روما العمود، الذي يقال أن السيد المسيح عليه السلام جلد عليه، وقدمه هدية إلى البابا فمنحه البابا لقب «برنس كولونا»، وتوارثت الأسرة هذا اللقب مع الثراء العريض والنفوذ الكبير منذ ذلك التاريخ.

وأخيراً اقترن أحد أفراد أسرة كولونا بسيدة لبنانية من أسرة سرسق الشهيرة في بيروت، فلعبت هذه السيدة «سنيورة كولونا» دوراً خطيراً في سياسة إيطاليا خلال الحرب العالمية الأخيرة، فقد كانت شديدة الذكاء والدهاء واللياقة بالإضافة إلى ثقافتها