العالية، وكانت تعمل لصالح الحلفاء ففتحت قصرها الفخم في روما للأمراء والنبلاء والوزراء والأثرياء من أصحاب المراكز الرفيعة، وكان الكونت شيانو وزير الخارجية من بين الذين يحضرون موائدها الشهية وحفلاتها الأنيقة فكانت تبالغ في الحفاوة به وتحيطه بهالة من الأصدقاء والصديقات وتروي له من أنباء الحلفاء ما يدل على وفرة الإنتاج والتفوق في وسائل الحرب التي يتوقف على نتائجها مصير العالم ومصير إيطاليا بصورة خاصة وتصور له أنه هو (شيانو) الرجل المرتقب للمستقبل والشخص المرجى لخير إيطاليا لما يمتاز به من صفات، ويتبوأ من مكانة.
وقد استطاعت هذه السيدة اللبنانية أن تبلغ بتأثيرها على شيانو حداً جعله وهو صهر موسوليني وأقرب المقربين إليه، يقف في طليعة أكثرية أعضاء المجلس الأعلى الفاشيستي الذين خذلوا موسوليني في اجتماع المجلس المذكور يوم ٢٥ يوليو ١٩٤٣، ففي ذلك اليوم عندما ذهب موسوليني إلى مقابلة الملك عمانوئيل قبض عليه كما هو معروف وظل معتقلاً في أماكن سرية إلى أن استطاع الضابط الألماني الشهير «سكورزيني» إنقاذه من الحصن الواقع على قمة جبل ساسو يوم ١٢ سبتمبر ١٩٤٣.
ولما أعلن موسوليني بعد ذلك الجمهورية الإيطالية الفاشية في شمال إيطاليا، حاكمت هذه الجمهورية، الذين تمكنت من القبض عليهم من المشتركين في تلك المؤامرة على الدوتشي وعلى نظام الفاشيست، أمام محكمة عسكرية حكمت عليهم بالإعدام، وكان من بينهم الكونت شيانو صهر موسوليني، وقد حاولت زوجته «إيدا» ابنة موسوليني جهدها أن تنقذه من هذا المصير فباءت بالفشل.
وأعود إلى مقابلتي الأولى لموسوليني فقد بعث في نفسي الارتياح أنه أجاب بسرعة ودون أي تردد على مطالبتنا للأمة العربية بالاستقلال والسيادة الكاملة قائلاً: إني والحكومة الإيطالية على أتم استعداد لتلبية رغبتكم والاعتراف بهذه المطالب والتعاون على تحقيقها مع الحكومة الألمانية التي أعتقد أنها على استعداد لذلك أيضاً، وقد تم لنا فعلاً، بعد المحادثات التي جرت مع الحكومتين الألمانية والإيطالية، الحصول على تصريح رسمي خطي بهذا الشأن موقع عليه من وزيري خارجية دولتي المحور المذكورتين (كما سيأتي تفصيله مع نص الكتابين في هذه المذكرات).
*
استرعى نظري خلال زياراتي لروما ثم في تجوالي في كثير من البلاد الإيطالية، النفوذ العظيم الذي تتمتع به الكنيسة الكاثوليكية، وما لها من التأثير الكبير على الرعايا