مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 100

Normalized
transcript

الفاتيكان، أي في داخل العاصمة الإيطالية، من أكبر أسباب فشل حملة رومل وما تلاها من هزائم المحور في الشرق الأدنى، ورغم كل ذلك لم يستطع موسوليني أن يقوم بأي عمل حازم حيال دولة الفاتيكان التي كانت تعمل جاهدة في مكافحة دول المحور ولاسيما ألمانيا لأنها كانت تعتبر انتصارها خطراً على الكنيسة الكاثوليكية.

ذلك لأن قداسة البابا بيوس الثاني عشر كان قاصداً رسولياً في برلين، في أول عهد الحكم الهتلري لألمانيا عام ١٩٣٣، واطلع على مبادئ هتلر النازية، وجرت بينه وبين هتلر بشأنها مناقشات عديدة، واعتقد بخطر هذه المبادئ على العقيدة الكاثوليكية، فكان من أشد أعداء النازية، وألد خصومها ووجه جميع منظمات الكنيسة الكاثوليكية في العالم لمقاومة ألمانيا والدول المتفقة معها.

فمن ذلك أني استغربت كثيراً عندما زرت عام ١٩٤٣ «كرواتيا» التي حررتها دولتا المحور من حكم يوغوسلافيا ومنحتاها الاستقلال الكامل، وساعدتاها على إنشاء ١١ فرقة عسكرية كاملة خلال بضع سنين، بينما لم تمكن إنكلترا مصر أو العراق خلال عشرات السنين من إنشاء ثلث هذه القوة العسكرية - استغربت ما رأيته من مظاهر عداوة الشعب الكرواتي لألمانيا ودول المحور، ولما سألت عن أسباب ذلك، علمت أن السبب الرئيسي، هو تأثير الفاتيكان الديني على الشعب الكرواتي الكاثوليكي المذهب.

وليست هذه القوة، قوة الكتلة الكاثوليكية بالشيء اليسير، بل إنها منظمة عالمية ضخمة جداً، فهي تنتظم نحو ٢٦ دولة، بعضها في أوروبا وأكثرها في أمريكا الجنوبية، كما تشمل سائر المنظمات الكاثوليكية ذات الشأن في سائر أطراف العالم كاليسوعية «الجزويت» التي اشتهرت بقوتها ودقة نظامها، وعرفت بأنها المنظمة الوحيدة التي استطاعت أن تضاهي الماسونية وتتغلب على المنظمات اليهودية السرية التي لا تطمئن إليها الكثلكة؛ ولهذه المناسبة أذكر أني قرأت كتاباً فرنسياً عن اليسوعية وتشكيلاتها، وما جاء فيه أن مؤسس اليسوعية إغناس دي لويولا اقتبس نظامها من بعض الطرق الصوفية الإسلامية.

ولقد زرت الفاتيكان مراراً بصورة غير رسمية، وتجولت في أنحاء هذه الدولة التي تقل مساحتها عن نصف كيلومتر مربع، وشعرت بأن لها رغم ضآلة حجمها وصغر رقعتها، أثراً عظيماً ووزناً ثقيلاً في الميزان الدولي، وفي ذلك عبرة لمن يريد أن يفيد من التنظيم والتكتل فائدة لا يحققها الارتجال، ولا تعززها الفوضى.

English
translation

the Vatican, that is, inside the Italian capital, was one of the greatest causes of the failure of Rommel’s expedition and the subsequent Axis defeats in the Near East, yet despite all this Mussolini could not take any firm action against the Vatican state, which was working strenuously to combat the Axis states, especially Germany, because it considered its victory a danger to the Catholic Church.

This was because His Holiness Pope Pius XII had been an apostolic nuncio in Berlin at the beginning of Hitler’s rule over Germany in 1933, had learned of Hitler’s Nazi principles and held numerous discussions with him about them, and had come to believe that these principles endangered the Catholic faith, becoming one of Nazism’s fiercest enemies and most implacable opponents and directing all the Catholic Church’s organizations throughout the world to resist Germany and the states allied with it.

One example was my great surprise when I visited ‘Croatia’ in 1943, which the two Axis states had liberated from Yugoslav rule and granted full independence, helping it establish eleven complete military divisions within a few years, whereas England had not enabled Egypt or Iraq to establish even a third of this military force over several decades: I was surprised by the manifestations I saw of the Croatian people’s hostility toward Germany and the Axis states, and when I asked about the reasons, I learned that the principal cause was the Vatican’s religious influence over the Catholic Croatian people.

This power, the power of the Catholic bloc, is no small thing; it is an immense worldwide organization encompassing some twenty-six states, some in Europe and most in South America, as well as all the important Catholic organizations throughout the world, such as the Society of Jesus, the ‘Jesuits,’ renowned for its strength and the precision of its organization and known as the only organization that had been able to rival Freemasonry and overcome the secret Jewish organizations that Catholicism does not trust; in this connection I recall reading a French book on the Jesuits and their organizational structure, which stated that the founder of the Jesuits, Ignatius de Loyola, had borrowed their system from certain Islamic Sufi orders.

I visited the Vatican several times unofficially and walked through this state, whose area is less than half a square kilometer, and felt that despite its tiny size and small territory it had immense influence and great weight in the international balance, a lesson for anyone who wishes to gain from organization and collective action a benefit that improvisation cannot achieve and disorder cannot reinforce.

Analysis

This page completes the account of Vatican influence and attributes Axis defeat in the Near East to Vatican and Allied activity, then presents Pope Pius XII, Catholic organizations, Croatia, the Jesuits, Freemasonry, and alleged Jewish secret organizations within a global power structure. It is especially significant for its use of religious and organizational language to explain wartime politics and for the narrator’s claim that Catholic organization offers a lesson in collective action. The translation preserves the antisemitic allegation about secret Jewish organizations as source language and does not endorse it. The historical claims, numbers, institutional relationships, and causal explanations remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

الفاتيكان، أي في داخل العاصمة الإيطالية، من أكبر أسباب فشل حملة رومل وما تلاها من هزائم المحور في الشرق الأدنى، ورغم كل ذلك لم يستطع موسوليني أن يقوم بأي عمل حازم حيال دولة الفاتيكان التي كانت تعمل جاهدة في مكافحة دول المحور ولاسيما ألمانيا لأنها كانت تعتبر انتصارها خطراً على الكنيسة الكاثوليكية.

ذلك لأن قداسة البابا بيوس الثاني عشر كان قاصداً رسولياً في برلين، في أول عهد الحكم الهتلري لألمانيا عام ١٩٣٣، واطلع على مبادئ هتلر النازية، وجرت بينه وبين هتلر بشأنها مناقشات عديدة، واعتقد بخطر هذه المبادئ على العقيدة الكاثوليكية، فكان من أشد أعداء النازية، وألد خصومها ووجه جميع منظمات الكنيسة الكاثوليكية في العالم لمقاومة ألمانيا والدول المتفقة معها.

فمن ذلك أني استغربت كثيراً عندما زرت عام ١٩٤٣ «كرواتيا» التي حررتها دولتا المحور من حكم يوغوسلافيا ومنحتاها الاستقلال الكامل، وساعدتاها على إنشاء ١١ فرقة عسكرية كاملة خلال بضع سنين، بينما لم تمكن إنكلترا مصر أو العراق خلال عشرات السنين من إنشاء ثلث هذه القوة العسكرية - استغربت ما رأيته من مظاهر عداوة الشعب الكرواتي لألمانيا ودول المحور، ولما سألت عن أسباب ذلك، علمت أن السبب الرئيسي، هو تأثير الفاتيكان الديني على الشعب الكرواتي الكاثوليكي المذهب.

وليست هذه القوة، قوة الكتلة الكاثوليكية بالشيء اليسير، بل إنها منظمة عالمية ضخمة جداً، فهي تنتظم نحو ٢٦ دولة، بعضها في أوروبا وأكثرها في أمريكا الجنوبية، كما تشمل سائر المنظمات الكاثوليكية ذات الشأن في سائر أطراف العالم كاليسوعية «الجزويت» التي اشتهرت بقوتها ودقة نظامها، وعرفت بأنها المنظمة الوحيدة التي استطاعت أن تضاهي الماسونية وتتغلب على المنظمات اليهودية السرية التي لا تطمئن إليها الكثلكة؛ ولهذه المناسبة أذكر أني قرأت كتاباً فرنسياً عن اليسوعية وتشكيلاتها، وما جاء فيه أن مؤسس اليسوعية إغناس دي لويولا اقتبس نظامها من بعض الطرق الصوفية الإسلامية.

ولقد زرت الفاتيكان مراراً بصورة غير رسمية، وتجولت في أنحاء هذه الدولة التي تقل مساحتها عن نصف كيلومتر مربع، وشعرت بأن لها رغم ضآلة حجمها وصغر رقعتها، أثراً عظيماً ووزناً ثقيلاً في الميزان الدولي، وفي ذلك عبرة لمن يريد أن يفيد من التنظيم والتكتل فائدة لا يحققها الارتجال، ولا تعززها الفوضى.