مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 101

Normalized
transcript

وصفوة القول أني لمست خلال الأعوام الخمسة التي قضيتها في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، إن الكتلة الكاثوليكية الملتفة حول الفاتيكان، هي قوة عالمية عظيمة ذات قيمة كبيرة في الميزان الدولي، وأنها ساهمت بسبب كبير في مقاومة ألمانيا ودول المحور، وبالتالي في نتيجة الحرب العالمية الثانية.

ومما يدل على مكانة هذه الكتلة وقوتها، أنها استطاعت إنقاذ أسبانيا ورئيسها فرانكو، حينما عزمت بعض دول الحلفاء، عقب الحرب العالمية الثانية، على اقتحامها، وتبديل نظام الحكم فيها، عقاباً لها على وقوفها محايدة ومنحازة لألمانيا أحياناً خلال الحرب، فهبت واضطرت الولايات المتحدة للاستجابة لها، وبذلك صينت الدولة الأسبانية من العدوان.

*

وقد كتبت من فرنسا حيث كنت معتقلاً عقب الحرب، إلى عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية حينئذ، أسترعي نظره لأهمية الفاتيكان، واقترحت عليه أن يحمل مصر وغيرها من الدول العربية على تبادل التمثيل السياسي معه، ولم يكن لأية دولة عربية حينئذ سوى لبنان من تمثيل سياسي مع «الفاتيكان»، وقد أطلع عزام باشا أنطون باشا الجميل رئيس تحرير الأهرام يومئذ على كتابي فنشره في الجريدة المذكورة.

لم تجد إيطاليا في ليبيا غير الرصاص والرمال على أن أعظم ما كان يريبنا ويقلقنا من إيطاليا، موقفها الغاشم من القطر العربي الليبي المجاهد، وقد صارحنا رجال إيطاليا المسؤولين مراراً بشعورنا هذا، وذكرت مرة للسنيور «فيتيتي» وكيل الخارجية الإيطالية، في المأدبة التي أقامها لنا، إن استمرار إيطاليا على احتلالها ليبيا واستعمارها لها سيظل أكبر حائل دون اطمئنان العرب خاصة والمسلمين عامة لها، فأجابني قائلاً: حقاً إن ما وقع في ليبيا سبب لنا متاعب كثيرة فعندما كانت السياسة الإيطالية تتأثر في الماضي كثيراً بالسياسة البريطانية قبل عهد الفاشيست، خدعتنا إنكلترا وفرنسا فاستولتا على أغنى وأغلى أقطار شمال افريقية وأغرتانا باقتحام ليبيا عام ١٩١١، فلم نجد فيها رغم الجهود المضنية والخسائر الفادحة في الأنفس والأموال، «غير الرصاص والرمال»، ولم نجن من ذلك إلا بغض العرب ومقت المسلمين لنا، ولابد لنا من تبديل الموقف بعد هذه الحرب بما يرضي الليبيين ويضمن لنا استعادة صلات الود والصداقة مع الأقطار العربية.

*

English
translation

The essence of the matter is that, during the five years I spent in Europe during the Second World War, I observed that the Catholic bloc gathered around the Vatican was a great world power of considerable weight in the international balance, and that it played a major part in resisting Germany and the Axis states and consequently in the outcome of the Second World War.

One indication of this bloc’s standing and power was its ability to save Spain and its president Franco when, after the Second World War, some Allied states resolved to invade it and change its system of government as punishment for remaining neutral and at times siding with Germany during the war; the bloc sprang into action and compelled the United States to respond to it, thereby protecting the Spanish state from aggression.

*

From France, where I was detained after the war, I wrote to Abd al-Rahman Azzam Pasha, then Secretary-General of the League of Arab States, drawing his attention to the Vatican’s importance and proposing that he persuade Egypt and other Arab states to exchange diplomatic representation with it; at that time no Arab state except Lebanon had diplomatic representation with the ‘Vatican,’ and Azzam Pasha showed my letter to Antun Pasha al-Jumayyil, then editor-in-chief of Al-Ahram, who published it in that newspaper.

Italy found nothing in Libya but bullets and sand. Yet what most aroused our suspicion and anxiety about Italy was its brutal attitude toward the embattled Arab country of Libya; we repeatedly spoke frankly to Italian officials about this feeling, and once, at a banquet he gave for us, I told Signor ‘Vitetti,’ the Italian Undersecretary for Foreign Affairs, that Italy’s continued occupation and colonization of Libya would remain the greatest obstacle to Arabs in particular and Muslims in general trusting it, and he replied: ‘Indeed, what happened in Libya caused us many difficulties, for in the past, before the Fascist era, when Italian policy was greatly influenced by British policy, England and France deceived us, seizing the richest and most valuable countries of North Africa and enticing us to invade Libya in 1911, where, despite exhausting efforts and heavy losses of life and money, we found “nothing but bullets and sand” and gained only the Arabs’ hatred and the Muslims’ loathing; we must change the situation after this war in a way that satisfies the Libyans and ensures that we regain cordial and friendly relations with the Arab countries.’

*

Analysis

This page summarizes the narrator’s assessment of the Catholic bloc as a major international force, attributes Spain’s survival after the Second World War to that bloc, and records a proposal for Arab states to exchange diplomatic representation with the Vatican. It then turns to Italian colonial rule in Libya and an Italian official’s reported admission that the occupation produced only ‘bullets and sand’ and Arab and Muslim hostility. It is especially significant for connecting the narrator’s institutional analysis of the Vatican with a direct critique of Italian colonialism. These political claims, diplomatic history, reported speech, and causal explanations remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

وصفوة القول أني لمست خلال الأعوام الخمسة التي قضيتها في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، إن الكتلة الكاثوليكية الملتفة حول الفاتيكان، هي قوة عالمية عظيمة ذات قيمة كبيرة في الميزان الدولي، وأنها ساهمت بسبب كبير في مقاومة ألمانيا ودول المحور، وبالتالي في نتيجة الحرب العالمية الثانية.

ومما يدل على مكانة هذه الكتلة وقوتها، أنها استطاعت إنقاذ أسبانيا ورئيسها فرانكو، حينما عزمت بعض دول الحلفاء، عقب الحرب العالمية الثانية، على اقتحامها، وتبديل نظام الحكم فيها، عقاباً لها على وقوفها محايدة ومنحازة لألمانيا أحياناً خلال الحرب، فهبت واضطرت الولايات المتحدة للاستجابة لها، وبذلك صينت الدولة الأسبانية من العدوان.

*

وقد كتبت من فرنسا حيث كنت معتقلاً عقب الحرب، إلى عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية حينئذ، أسترعي نظره لأهمية الفاتيكان، واقترحت عليه أن يحمل مصر وغيرها من الدول العربية على تبادل التمثيل السياسي معه، ولم يكن لأية دولة عربية حينئذ سوى لبنان من تمثيل سياسي مع «الفاتيكان»، وقد أطلع عزام باشا أنطون باشا الجميل رئيس تحرير الأهرام يومئذ على كتابي فنشره في الجريدة المذكورة.

لم تجد إيطاليا في ليبيا غير الرصاص والرمال على أن أعظم ما كان يريبنا ويقلقنا من إيطاليا، موقفها الغاشم من القطر العربي الليبي المجاهد، وقد صارحنا رجال إيطاليا المسؤولين مراراً بشعورنا هذا، وذكرت مرة للسنيور «فيتيتي» وكيل الخارجية الإيطالية، في المأدبة التي أقامها لنا، إن استمرار إيطاليا على احتلالها ليبيا واستعمارها لها سيظل أكبر حائل دون اطمئنان العرب خاصة والمسلمين عامة لها، فأجابني قائلاً: حقاً إن ما وقع في ليبيا سبب لنا متاعب كثيرة فعندما كانت السياسة الإيطالية تتأثر في الماضي كثيراً بالسياسة البريطانية قبل عهد الفاشيست، خدعتنا إنكلترا وفرنسا فاستولتا على أغنى وأغلى أقطار شمال افريقية وأغرتانا باقتحام ليبيا عام ١٩١١، فلم نجد فيها رغم الجهود المضنية والخسائر الفادحة في الأنفس والأموال، «غير الرصاص والرمال»، ولم نجن من ذلك إلا بغض العرب ومقت المسلمين لنا، ولابد لنا من تبديل الموقف بعد هذه الحرب بما يرضي الليبيين ويضمن لنا استعادة صلات الود والصداقة مع الأقطار العربية.

*