مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 102

Normalized
transcript

في زياراتي الأولى لروما وفيما تلاها، اتصلت بعدد من زعماء ليبيا الباسلة التي جاهدت أشرف جهاد وأطوله، وضحت في سبيل استقلالها وكرامتها بنحو نصف سكانها الأبطال، بين شهيد وشريد وكان من أبرزهم الشهيد عمر المختار والتي صبرت صبر الكرام حقبة من الدهر تزيد على ثلث قرن، فكانت بجهادها الرائع الطويل المدى، أول قطر عربي أثار اهتمام الأوروبيين وأسترعى أنظارهم إلى كفاح العرب ونهضتهم.

فكان ممن اتصلت بهم من الليبيين في روما المرحوم الأمير سليمان القرمانلي (أمير ليبيا)، والسيد محمود المنتصر رئيس وزرائها السابق، والدكتور وهبي البوري وزير خارجيتها الحالي وغيرهم، وجرت بيننا في «فيلا كولونا» وفي بيت الأمير سليمان القرمانلي أحاديث كثيرة حول جهاد ليبيا ومستقبلها، وكانت أحاديثهم مشوبة بحزن عميق لما أصاب بلادهم وأهلهم من بلاء وشقاء، وأذكر أن الدكتور وهبي البوري زارني مع عدد من شبان ليبيا عام ١٩٤٢ للتهنئة بعيد الأضحى، فلما رأى استبشارنا ومن معنا من فلسطينيين ومصريين وعراقيين وغيرهم، بانتصارات المارشال رومل، وهزائم البريطانيين في طبرق وغيرها، ووصول رومل إلى العلمين قال: «إننا نتقدم إليكم بالتهنئة لما تنتظره بلادكم العربية من فرج وفوز، أما نحن الليبيين فإننا نشارككم في الابتهاج رغم أنه ليس لنا في هذا النصر أي أمل أو رجاء»، فتأثرت جداً من كلماته وأجبته: لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وإني أؤكد لكم أن جهاد ليبيا وتضحياتها العظيمة لن تذهب سدى، وستجدونها في المستقبل رصيداً محفوظاً لكم كالمال المودع في المصرف لحسابكم الخاص، فلا بد لكم من الفوز في النهاية، فتستقل بلادكم، وتنالون أجر جهادكم.

ولم ينقض على حديثي بضع سنوات حتى حقق الله لليبيا استقلالها، فكان لنا باستقلالها عزاء عن الكارثة الأليمة التي حلت بفلسطين، وكنت على أثر هذه الكارثة مريضاً في مشفى المواساة بالإسكندرية، في صيف عام ١٩٥٠، فوصلني كتاب من الدكتور البوري مهنئاً بعيد الأضحى أيضاً ومذكراً بما قلته له في مثل هذا العيد قبل بضع سنوات في روما، وقد جاء فيه: «ولا أراني في حاجة إلى التذكير بما وعظتمونا به حينئذ من البعد عن اليأس والاطمئنان إلى وعد الله بنصرة المجاهدين»، فأجبته شاكراً ومؤكداً بأني أبعد الناس عن اليأس، وأني واثق كل الثقة بوعد الله ونصره، وأنا أكرر اليوم للمجاهد السيد البوري الذي أصبح وزير خارجية ليبيا ثم هو اليوم رئيس الوفد الدائم للمملكة الليبية في الأمم المتحدة، إني الآن أعظم ثقة وأكبر رجاء مني في أي وقت مضى بنصر الله، وبأن الصهيونيين والمستعمرين جميعاً سيخرجون قريباً مذمومين

English
translation

During my first visits to Rome and those that followed, I made contact with a number of leaders of valiant Libya, which had waged the noblest and longest jihad and sacrificed approximately half its heroic population, as martyrs or displaced people, for its independence and dignity, among the most prominent being the martyr Umar al-Mukhtar, and which had endured with noble patience for more than a third of a century, becoming, through its magnificent, prolonged jihad, the first Arab country to arouse European interest and draw European attention to the Arabs’ struggle and awakening.

Among the Libyans I met in Rome were the late Prince Sulayman al-Qaramanli (Prince of Libya), Sayyid Mahmud al-Muntasir, its former prime minister, Dr. Wahbi al-Bouri, its current foreign minister, and others; we had many conversations at ‘Villa Colonna’ and Prince Sulayman al-Qaramanli’s house about Libya’s jihad and its future, and their words were tinged with deep sorrow over the suffering and misery that had befallen their country and families, and I remember that Dr. Wahbi al-Bouri visited me with a number of young Libyans in 1942 to offer greetings for Eid al-Adha, and when he saw our joy, and that of the Palestinians, Egyptians, Iraqis and others with us, at Marshal Rommel’s victories, the British defeats at Tobruk and elsewhere and Rommel’s arrival at El Alamein, he said: ‘We offer you congratulations on the relief and victory that await your Arab countries; as for us Libyans, we share your joy even though this victory holds no hope or promise for us.’ I was deeply moved by his words and replied: ‘Do not despair of God’s relief; none despair of God’s relief except the unbelieving people,’ and I assure you that Libya’s jihad and its great sacrifices will not have been in vain, and in the future you will find them preserved to your credit like money deposited in a bank in your own account, for you must prevail in the end, your country will become independent and you will receive the reward for your jihad.

Only a few years after our conversation, God granted Libya its independence, which gave us consolation for the painful catastrophe that had befallen Palestine, and in the aftermath of that catastrophe, while I was ill at Al-Muwasat Hospital in Alexandria in the summer of 1950, I received a letter from Dr. al-Bouri again offering greetings for Eid al-Adha and recalling what I had told him on that same feast several years earlier in Rome, which included the following: ‘I do not think I need to recall your exhortation to us then to avoid despair and trust in God’s promise to give victory to those who wage jihad.’ I replied with thanks, stressing that I was the last person to despair and had complete confidence in God’s promise and victory, and today I repeat to the mujahid Sayyid al-Bouri, who became Libya’s foreign minister and is now head of the Kingdom of Libya’s permanent delegation to the United Nations, that I now have greater confidence and hope than ever in God’s victory and that the Zionists and colonialists will all soon leave, condemned

Analysis

This page develops the Libya section through meetings with Libyan leaders, the memory of Umar al-Mukhtar, and the narrator’s account of Libya’s sacrifices and later independence. It is especially significant for its use of religious language, martyrdom, and a Quranic quotation to frame Libyan anti-colonial struggle, and for the contrast between Libyan hopes and the narrator’s reference to the catastrophe that befell Palestine. The page preserves the 1942 conversation with Wahbi al-Bouri, the later 1950 correspondence, and the narrator’s prediction that Zionists and colonialists would leave Palestine. These figures, dates, religious claims, political judgments, and predictions remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

في زياراتي الأولى لروما وفيما تلاها، اتصلت بعدد من زعماء ليبيا الباسلة التي جاهدت أشرف جهاد وأطوله، وضحت في سبيل استقلالها وكرامتها بنحو نصف سكانها الأبطال، بين شهيد وشريد وكان من أبرزهم الشهيد عمر المختار والتي صبرت صبر الكرام حقبة من الدهر تزيد على ثلث قرن، فكانت بجهادها الرائع الطويل المدى، أول قطر عربي أثار اهتمام الأوروبيين وأسترعى أنظارهم إلى كفاح العرب ونهضتهم.

فكان ممن اتصلت بهم من الليبيين في روما المرحوم الأمير سليمان القرمانلي (أمير ليبيا)، والسيد محمود المنتصر رئيس وزرائها السابق، والدكتور وهبي البوري وزير خارجيتها الحالي وغيرهم، وجرت بيننا في «فيلا كولونا» وفي بيت الأمير سليمان القرمانلي أحاديث كثيرة حول جهاد ليبيا ومستقبلها، وكانت أحاديثهم مشوبة بحزن عميق لما أصاب بلادهم وأهلهم من بلاء وشقاء، وأذكر أن الدكتور وهبي البوري زارني مع عدد من شبان ليبيا عام ١٩٤٢ للتهنئة بعيد الأضحى، فلما رأى استبشارنا ومن معنا من فلسطينيين ومصريين وعراقيين وغيرهم، بانتصارات المارشال رومل، وهزائم البريطانيين في طبرق وغيرها، ووصول رومل إلى العلمين قال: «إننا نتقدم إليكم بالتهنئة لما تنتظره بلادكم العربية من فرج وفوز، أما نحن الليبيين فإننا نشارككم في الابتهاج رغم أنه ليس لنا في هذا النصر أي أمل أو رجاء»، فتأثرت جداً من كلماته وأجبته: لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وإني أؤكد لكم أن جهاد ليبيا وتضحياتها العظيمة لن تذهب سدى، وستجدونها في المستقبل رصيداً محفوظاً لكم كالمال المودع في المصرف لحسابكم الخاص، فلا بد لكم من الفوز في النهاية، فتستقل بلادكم، وتنالون أجر جهادكم.

ولم ينقض على حديثي بضع سنوات حتى حقق الله لليبيا استقلالها، فكان لنا باستقلالها عزاء عن الكارثة الأليمة التي حلت بفلسطين، وكنت على أثر هذه الكارثة مريضاً في مشفى المواساة بالإسكندرية، في صيف عام ١٩٥٠، فوصلني كتاب من الدكتور البوري مهنئاً بعيد الأضحى أيضاً ومذكراً بما قلته له في مثل هذا العيد قبل بضع سنوات في روما، وقد جاء فيه: «ولا أراني في حاجة إلى التذكير بما وعظتمونا به حينئذ من البعد عن اليأس والاطمئنان إلى وعد الله بنصرة المجاهدين»، فأجبته شاكراً ومؤكداً بأني أبعد الناس عن اليأس، وأني واثق كل الثقة بوعد الله ونصره، وأنا أكرر اليوم للمجاهد السيد البوري الذي أصبح وزير خارجية ليبيا ثم هو اليوم رئيس الوفد الدائم للمملكة الليبية في الأمم المتحدة، إني الآن أعظم ثقة وأكبر رجاء مني في أي وقت مضى بنصر الله، وبأن الصهيونيين والمستعمرين جميعاً سيخرجون قريباً مذمومين