في زياراتي الأولى لروما وفيما تلاها، اتصلت بعدد من زعماء ليبيا الباسلة التي جاهدت أشرف جهاد وأطوله، وضحت في سبيل استقلالها وكرامتها بنحو نصف سكانها الأبطال، بين شهيد وشريد وكان من أبرزهم الشهيد عمر المختار والتي صبرت صبر الكرام حقبة من الدهر تزيد على ثلث قرن، فكانت بجهادها الرائع الطويل المدى، أول قطر عربي أثار اهتمام الأوروبيين وأسترعى أنظارهم إلى كفاح العرب ونهضتهم.
فكان ممن اتصلت بهم من الليبيين في روما المرحوم الأمير سليمان القرمانلي (أمير ليبيا)، والسيد محمود المنتصر رئيس وزرائها السابق، والدكتور وهبي البوري وزير خارجيتها الحالي وغيرهم، وجرت بيننا في «فيلا كولونا» وفي بيت الأمير سليمان القرمانلي أحاديث كثيرة حول جهاد ليبيا ومستقبلها، وكانت أحاديثهم مشوبة بحزن عميق لما أصاب بلادهم وأهلهم من بلاء وشقاء، وأذكر أن الدكتور وهبي البوري زارني مع عدد من شبان ليبيا عام ١٩٤٢ للتهنئة بعيد الأضحى، فلما رأى استبشارنا ومن معنا من فلسطينيين ومصريين وعراقيين وغيرهم، بانتصارات المارشال رومل، وهزائم البريطانيين في طبرق وغيرها، ووصول رومل إلى العلمين قال: «إننا نتقدم إليكم بالتهنئة لما تنتظره بلادكم العربية من فرج وفوز، أما نحن الليبيين فإننا نشارككم في الابتهاج رغم أنه ليس لنا في هذا النصر أي أمل أو رجاء»، فتأثرت جداً من كلماته وأجبته: لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وإني أؤكد لكم أن جهاد ليبيا وتضحياتها العظيمة لن تذهب سدى، وستجدونها في المستقبل رصيداً محفوظاً لكم كالمال المودع في المصرف لحسابكم الخاص، فلا بد لكم من الفوز في النهاية، فتستقل بلادكم، وتنالون أجر جهادكم.
ولم ينقض على حديثي بضع سنوات حتى حقق الله لليبيا استقلالها، فكان لنا باستقلالها عزاء عن الكارثة الأليمة التي حلت بفلسطين، وكنت على أثر هذه الكارثة مريضاً في مشفى المواساة بالإسكندرية، في صيف عام ١٩٥٠، فوصلني كتاب من الدكتور البوري مهنئاً بعيد الأضحى أيضاً ومذكراً بما قلته له في مثل هذا العيد قبل بضع سنوات في روما، وقد جاء فيه: «ولا أراني في حاجة إلى التذكير بما وعظتمونا به حينئذ من البعد عن اليأس والاطمئنان إلى وعد الله بنصرة المجاهدين»، فأجبته شاكراً ومؤكداً بأني أبعد الناس عن اليأس، وأني واثق كل الثقة بوعد الله ونصره، وأنا أكرر اليوم للمجاهد السيد البوري الذي أصبح وزير خارجية ليبيا ثم هو اليوم رئيس الوفد الدائم للمملكة الليبية في الأمم المتحدة، إني الآن أعظم ثقة وأكبر رجاء مني في أي وقت مضى بنصر الله، وبأن الصهيونيين والمستعمرين جميعاً سيخرجون قريباً مذمومين