مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 103

Normalized
transcript

مدحورين من فلسطين وسائر بلاد العرب والمسلمين «إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً».

وأذكر لهذه المناسبة، أن وفداً ليبياً برئاسة مفتي طرابلس الغرب المرحوم الشيخ (أبو الإسعاد) قدم مصر عام ١٩٥١، لمحادثة جامعة الدول العربية بشأن استقلال ليبيا، وقد دعوت هذا الوفد إلى وليمة في بيتي في مصر الجديدة، فلما دار البحث عن القضية الليبية عرفت أن الوفد قد انقسم إلى رأيين، كان أحدهما يرى أن يناط أمر القضية الليبية بجامعة الدول العربية، والآخر كان يميل إلى إبعاد القضية عن الجامعة، فلم أشارك في الحديث إلى أن احتدم النقاش بين الفريقين، وحينئذ طلب بعضهم رأيي في هذا الموضوع وتحكيمي فيه، فأجبتهم بقولي: (على الخبير سقطتم) وبينت لهم بعض تجاربنا المرة الأليمة مع الجامعة في قضية فلسطين، وما أصابها من أذى كبير بسبب وضع الجامعة واختلاف كلمة أعضائها، وضعف بعضها أمام الضغوط الأجنبية وغير ذلك مما أضر بقضيتنا كثيراً، بعد انتزاعها منا رغم إرادتنا وإبعادنا عن معركتها الحاسمة عام ١٩٤٨، وتسليم شؤونها إلى خصوم القضية الألداء كالجنرال كلوب في الشؤون العسكرية، والجنرال كلايتون في الشؤون السياسية، ولم تكتف الجامعة بذلك فأصدرت قراراً في شهر نيسان سنة ١٩٤٨، أي قبيل انتهاء الانتداب البريطاني ودخول الجيوش العربية فلسطين، عهدت فيه إلى الجنرال سبيرز بشؤون الدعاية لقضية فلسطين وحولت إليه اثنين وخمسين ألف جنيه، وبذلك أسلمت مقاليد القضية الفلسطينية في آخر أدوارها إلى أشد أعدائها، وأخيراً نصحت لهم بأن يتولوا قضيتهم بأنفسهم، ولا يسمحوا لغيرهم بالتدخل فيها، مع الاستعانة بالدول العربية وجامعتها دون أن تكون لها السيطرة عليها، فلما سمعوا هذا الرأي استحسنوه واتفقوا عليه، وخرجوا وهم على كلمة سواء ورأي واحد.

*

غادرت روما يوم ٨ نوفمبر ١٩٤١، متوجهاً إلى برلين بالقطار، ومررت من ممر «برينر» الشهير الذي كان يجتمع فيه هتلر وموسوليني، فوصلت إليها في ٩ منه، وألفيت في محطتها رئيس التشريفات وزير الدولة الدكتور «أوتو مايسنر» الذي رحب بي باسم الفوهرر هتلر والحكومة، والدكتور «ملتشرز» مدير القسم الشرقي في وزارة الخارجية، والدكتور «غروبا» وزير ألمانيا المفوض في العراق، وغيرهم من رجال وزارة الخارجية، فاستقبلوني مرحبين، وصحبوني إلى قصر «شلوس بيلفوه» التاريخي الذي بني عام ١٧٨٥ والقائم في حي «تيرغارتن».

English
translation

and driven out of Palestine and all the lands of the Arabs and Muslims: ‘They see it as far off, but we see it as near.’

In this connection, I recall that a Libyan delegation headed by the late Sheikh Abu al-Is‘ad, Mufti of Tripoli in the West, came to Egypt in 1951 for talks with the League of Arab States concerning Libya’s independence, and I invited the delegation to a banquet at my house in Heliopolis; when the Libyan question came up, I learned that the delegation was divided between two views, one holding that the Libyan question should be entrusted to the League of Arab States and the other favoring keeping it outside the League, and I did not join the conversation until the discussion between the two sides grew heated, when some of them asked for my opinion and arbitration, and I replied, ‘You have come to someone who knows,’ explaining some of our bitter and painful experiences with the League over the Palestine question and the great harm it had suffered because of the League’s condition, the disagreements among its members, the weakness of some of them in the face of foreign pressure and other factors that had badly damaged our cause after it was wrested from us against our will and we were excluded from its decisive battle in 1948, its affairs being handed to the cause’s bitterest adversaries, such as General Glubb for military affairs and General Clayton for political affairs; the League did not stop there, but passed a resolution in April 1948, just before the end of the British Mandate and the Arab armies’ entry into Palestine, entrusting General Spears with publicity for the Palestine cause and transferring fifty-two thousand pounds to him, thus handing control of the Palestine question in its final stages to its fiercest enemies, and finally I advised them to handle their cause themselves and not allow others to interfere, while seeking assistance from the Arab states and their League without letting it control the matter, and when they heard this opinion they approved of it, agreed on it and left united in word and view.

*

I left Rome on 8 November 1941 for Berlin by train, passing through the famous ‘Brenner’ Pass where Hitler and Mussolini used to meet, and arrived on the ninth of that month, finding at the station the Chief of Protocol and Minister of State, Dr. Otto Meissner, who welcomed me on behalf of the Führer Hitler and the government, Dr. Melchers, head of the Eastern Department at the Foreign Ministry, Dr. Grobba, Germany’s Minister Plenipotentiary in Iraq, and other Foreign Ministry officials, who received me warmly and accompanied me to the historic ‘Schloss Bellevue,’ built in 1785 and situated in the ‘Tiergarten’ district.

Analysis

This page completes the narrator’s prediction about Zionists and colonialists, then recounts his advice to a 1951 Libyan delegation about whether to place Libya’s independence question under the League of Arab States. It is especially significant for its direct criticism of League control over the Palestine question, its naming of Glubb, Clayton, and Spears as hostile or unsuitable authorities, and its claim that fifty-two thousand pounds were transferred for Palestine publicity in April 1948. The page then records the narrator’s arrival in Berlin and reception by senior German officials. These accusations, dates, sums, political judgments, and diplomatic descriptions remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

مدحورين من فلسطين وسائر بلاد العرب والمسلمين «إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً».

وأذكر لهذه المناسبة، أن وفداً ليبياً برئاسة مفتي طرابلس الغرب المرحوم الشيخ (أبو الإسعاد) قدم مصر عام ١٩٥١، لمحادثة جامعة الدول العربية بشأن استقلال ليبيا، وقد دعوت هذا الوفد إلى وليمة في بيتي في مصر الجديدة، فلما دار البحث عن القضية الليبية عرفت أن الوفد قد انقسم إلى رأيين، كان أحدهما يرى أن يناط أمر القضية الليبية بجامعة الدول العربية، والآخر كان يميل إلى إبعاد القضية عن الجامعة، فلم أشارك في الحديث إلى أن احتدم النقاش بين الفريقين، وحينئذ طلب بعضهم رأيي في هذا الموضوع وتحكيمي فيه، فأجبتهم بقولي: (على الخبير سقطتم) وبينت لهم بعض تجاربنا المرة الأليمة مع الجامعة في قضية فلسطين، وما أصابها من أذى كبير بسبب وضع الجامعة واختلاف كلمة أعضائها، وضعف بعضها أمام الضغوط الأجنبية وغير ذلك مما أضر بقضيتنا كثيراً، بعد انتزاعها منا رغم إرادتنا وإبعادنا عن معركتها الحاسمة عام ١٩٤٨، وتسليم شؤونها إلى خصوم القضية الألداء كالجنرال كلوب في الشؤون العسكرية، والجنرال كلايتون في الشؤون السياسية، ولم تكتف الجامعة بذلك فأصدرت قراراً في شهر نيسان سنة ١٩٤٨، أي قبيل انتهاء الانتداب البريطاني ودخول الجيوش العربية فلسطين، عهدت فيه إلى الجنرال سبيرز بشؤون الدعاية لقضية فلسطين وحولت إليه اثنين وخمسين ألف جنيه، وبذلك أسلمت مقاليد القضية الفلسطينية في آخر أدوارها إلى أشد أعدائها، وأخيراً نصحت لهم بأن يتولوا قضيتهم بأنفسهم، ولا يسمحوا لغيرهم بالتدخل فيها، مع الاستعانة بالدول العربية وجامعتها دون أن تكون لها السيطرة عليها، فلما سمعوا هذا الرأي استحسنوه واتفقوا عليه، وخرجوا وهم على كلمة سواء ورأي واحد.

*

غادرت روما يوم ٨ نوفمبر ١٩٤١، متوجهاً إلى برلين بالقطار، ومررت من ممر «برينر» الشهير الذي كان يجتمع فيه هتلر وموسوليني، فوصلت إليها في ٩ منه، وألفيت في محطتها رئيس التشريفات وزير الدولة الدكتور «أوتو مايسنر» الذي رحب بي باسم الفوهرر هتلر والحكومة، والدكتور «ملتشرز» مدير القسم الشرقي في وزارة الخارجية، والدكتور «غروبا» وزير ألمانيا المفوض في العراق، وغيرهم من رجال وزارة الخارجية، فاستقبلوني مرحبين، وصحبوني إلى قصر «شلوس بيلفوه» التاريخي الذي بني عام ١٧٨٥ والقائم في حي «تيرغارتن».