مدحورين من فلسطين وسائر بلاد العرب والمسلمين «إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً».
وأذكر لهذه المناسبة، أن وفداً ليبياً برئاسة مفتي طرابلس الغرب المرحوم الشيخ (أبو الإسعاد) قدم مصر عام ١٩٥١، لمحادثة جامعة الدول العربية بشأن استقلال ليبيا، وقد دعوت هذا الوفد إلى وليمة في بيتي في مصر الجديدة، فلما دار البحث عن القضية الليبية عرفت أن الوفد قد انقسم إلى رأيين، كان أحدهما يرى أن يناط أمر القضية الليبية بجامعة الدول العربية، والآخر كان يميل إلى إبعاد القضية عن الجامعة، فلم أشارك في الحديث إلى أن احتدم النقاش بين الفريقين، وحينئذ طلب بعضهم رأيي في هذا الموضوع وتحكيمي فيه، فأجبتهم بقولي: (على الخبير سقطتم) وبينت لهم بعض تجاربنا المرة الأليمة مع الجامعة في قضية فلسطين، وما أصابها من أذى كبير بسبب وضع الجامعة واختلاف كلمة أعضائها، وضعف بعضها أمام الضغوط الأجنبية وغير ذلك مما أضر بقضيتنا كثيراً، بعد انتزاعها منا رغم إرادتنا وإبعادنا عن معركتها الحاسمة عام ١٩٤٨، وتسليم شؤونها إلى خصوم القضية الألداء كالجنرال كلوب في الشؤون العسكرية، والجنرال كلايتون في الشؤون السياسية، ولم تكتف الجامعة بذلك فأصدرت قراراً في شهر نيسان سنة ١٩٤٨، أي قبيل انتهاء الانتداب البريطاني ودخول الجيوش العربية فلسطين، عهدت فيه إلى الجنرال سبيرز بشؤون الدعاية لقضية فلسطين وحولت إليه اثنين وخمسين ألف جنيه، وبذلك أسلمت مقاليد القضية الفلسطينية في آخر أدوارها إلى أشد أعدائها، وأخيراً نصحت لهم بأن يتولوا قضيتهم بأنفسهم، ولا يسمحوا لغيرهم بالتدخل فيها، مع الاستعانة بالدول العربية وجامعتها دون أن تكون لها السيطرة عليها، فلما سمعوا هذا الرأي استحسنوه واتفقوا عليه، وخرجوا وهم على كلمة سواء ورأي واحد.
*
غادرت روما يوم ٨ نوفمبر ١٩٤١، متوجهاً إلى برلين بالقطار، ومررت من ممر «برينر» الشهير الذي كان يجتمع فيه هتلر وموسوليني، فوصلت إليها في ٩ منه، وألفيت في محطتها رئيس التشريفات وزير الدولة الدكتور «أوتو مايسنر» الذي رحب بي باسم الفوهرر هتلر والحكومة، والدكتور «ملتشرز» مدير القسم الشرقي في وزارة الخارجية، والدكتور «غروبا» وزير ألمانيا المفوض في العراق، وغيرهم من رجال وزارة الخارجية، فاستقبلوني مرحبين، وصحبوني إلى قصر «شلوس بيلفوه» التاريخي الذي بني عام ١٧٨٥ والقائم في حي «تيرغارتن».