ساعة ونصف ساعة، كان روبنتروب خلالها بادي الابتهاج، شديد الترحيب، واستهل حديثه معي بقوله: لقد كنا نسمع منذ عهد بعيد بكفاحكم، وكنا دائماً نعجب بكم، وننظر إلى «مغامراتكم»، كما ننظر إلى أساطير التاريخ.
ولما دار البحث حول القضية الفلسطينية، قال روبنتروب إن هذه القضية على جانب عظيم من الأهمية، فهي قضية عالمية خطيرة ذات أثر كبير على أمن العالم ومستقبله، وتجب معالجتها بكل عناية وحلها بالعدل الذي لا يقيم الإنكليز وزناً له، فإن هذه البلاد «فلسطين» عربية محضة، ولا يجوز أن يكون حل مشكلتها إلا على هذا الأساس مهما كانت الظروف.
ثم تناول حديثنا حركة العراق، فأبدى الوزير إعجابه الكبير وتقديره العظيم لهذه الحركة العربية الباسلة، ثم قال: «كنا نتمنى لو أن هذه الحركة تأخرت إلى ظرف آخر أكثر ملاءمة، إذن لأمكننا أن نساعدها مساعدة عسكرية فعالة، لأن بعد المسافة كان عائقاً كبيراً حال دون الإمداد، ورغم ذلك ورغم انشغالنا بتوطيد احتلالنا لجزيرة كريت، وغيرها من بلاد شرق أوروبا، فإن الفوهرر أمر بإرسال أقصى ما يمكننا من الطائرات الحربية والمساعدات العسكرية، وقد كنا أعددنا كمية من الأسلحة الفرنسية الخفيفة من رشاشات وبنادق وذخائر لإرسالها إلى العراق، وكنا نعلم أن كل ذلك لا يفي بالحاجة بالنسبة لقوات الأعداء ومعداتهم في الشرق، وقد تألمنا كثيراً لما وقع لأولئك الأصدقاء الشجعان في العراق، الذين كنا نود ادخار قواهم إلى أن يأزف الوقت الملائم».
وقد فهمت من حديثه، ثم أيد لي ذلك بعدئذ أحد المطلعين، أنه كان حانقاً على الدكتور غروبا وبعض مساعديه، لما بلغه من أنهم حرضوا القائمين بحركة العراق على الاستعجال بها، فأكدت للوزير أن الاستعجال بالحركة لم يكن من العراقيين، وعلى العكس فإن الوزارة العراقية الكيلانية وقادة الجيش كانوا راغبين في الابتعاد عن كل احتكاك بالإنكليز إلى أن يأزف الوقت الملائم، وبعد أن يتم مع دول المحور اعتراف باستقلال البلاد العربية، واتفاق كامل على الأسس السياسية والعسكرية، ولكن الإنكليز كانوا يرون في هذه الوزارة وفي قادة الجيش عقبات، تحول دون تنفيذ رغباتهم في تسخير العراق وجيشه وكل ما فيه من ثروة ووسائل مواصلات، لمصالحهم الاستعمارية، واتخاذ البلاد العراقية قواعد لحشد الجيوش البريطانية، خلافاً لنصوص المعاهدة العراقية - البريطانية، وهم الذين دبروا هذه الفتنة وقاموا بالعدوان الغادر على العراق، وقد استرعيت نظره إلى التصريح الذي أدلى به مستر تشرشل عقب العدوان