مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 108

Normalized
transcript

يكون لعدد الفرق العسكرية، قبل أن يكون لوفرة العدد أو سعة الرقعة، ورأيت أن أورد هذا الحديث لما فيه من عبرة بالغة للأمة العربية، التي لا ينقصها وفرة العدد، ولا سعة الأرض، ولا الثروة العظيمة، ولا المواقع الجغرافية، وإنما تنقصها العزيمة والتنظيم واستغلال تلك الثروة والطاقة، وإنشاء الجيوش المحاربة، والمصانع الحربية، ونحوها من وسائل القوة والمنعة.

وقد قدر لي بعد ذلك أن أنقل حديث فون وايسزيكر، بشأن الحساب الصحيح الذي تقيم له الأمم الواعية وزناً - وهو عدد الفرق المحاربة وقيمتها الحربية - إلى كثير من رجال الأمة العربية المسؤولين، لأسترعي أنظارهم إلى أن كثرة عدد العرب وسعة بلادهم لا قيمة لها، إلا بنسبة ما تملك من قوى عسكرية محاربة حقاً.

كانت مقابلتي لأدولف هتلر، فوهرر ألمانيا، وزعيم الرايخ الثالث، في الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر يوم الجمعة ٢١ نوفمبر ١٩٤١م، ولم أكن أتوقع أن يكون استقبالي في دار المستشارية الشهيرة استقبالاً رسمياً، بل كنت أتوقع مقابلة خاصة مع الفوهرر، ولكنني لم أكد أصل إلى الساحة الواسعة أمام دار المستشارية، وأترجل من السيارة أمام مدخل الدار الفخم، حتى فوجئت بعزف الموسيقى العسكرية، وبحرس شرف مؤلف من نحو مائتي جندي ألماني، مصطفين في الساحة، وطلب إلي مرافقي من رجال وزارة الخارجية أن أستعرض الحرس، ففعلت، ثم دخلنا دار المستشارية، وسرنا في أروقتها الطويلة بأبهائها الفخمة، إلى أن انتهينا إلى قاعة الاستقبال الكبرى، كان هناك رئيس تشريفات رئاسة الدولة، فاستقبلني، وبعد نحو دقيقة أدخلني إلى غرفة الفوهرر الخاصة، استقبلني هتلر استقبالاً حاراً، بوجه طلق وعينين معبرتين، وبسرور ظاهر، ودعاني إلى الجلوس تجاهه، وكان يحيط به عدد من كبار رجال حاشيته، وفي مقدمتهم ترجمانه الدكتور شميدت، كان هتلر يتكلم بالألمانية، وكان الدكتور شميدت يترجم لي كلامه إلى اللغة الفرنسية.

استهل هتلر حديثه مرحباً وقائلاً: إنني سعيد لسلامتكم ولوجودكم في بلاد المحور، ولقد تلقيت بسرور عظيم خبر نجاتك من أيدي عدونا المشترك، وبعد تلك الرحلة الخطيرة الطويلة من طهران إلى برلين، ولقد كنت في قلق عليك، واعتبرت نجاتك نصراً وبشرى، وإني مطلع على تاريخ حياتك، ومقدر لكفاحك في سبيل وطنك وأمتك، ولقدومك لإبداء رغبة الأمة العربية في التعاون معنا، في الكفاح ضد الأعداء المشتركين، كما أنني مقدر كل التقدير لكفاح عرب فلسطين، ذلك الكفاح الشعبي

English
translation

is the number of military divisions before the size of population or extent of territory, and I thought I should recount this conversation because of its profound lesson for the Arab nation, which lacks neither a large population, extensive land, great wealth nor geographical positions, but lacks resolve, organization, the use of that wealth and potential, and the establishment of fighting armies, arms factories and other means of strength and defense.

I later had occasion to convey von Weizsäcker’s remarks about the true calculation to which discerning nations attach weight—the number of fighting divisions and their combat value—to many responsible figures in the Arab nation, drawing their attention to the fact that the Arabs’ large numbers and the vast extent of their countries have value only in proportion to the military forces they possess that can truly fight.

My meeting with Adolf Hitler, Germany’s Führer and leader of the Third Reich, took place at half past four on the afternoon of Friday, 21 November 1941, and I had not expected a formal reception at the famous Chancellery, but rather a private meeting with the Führer; yet scarcely had I reached the broad square in front of the Chancellery and stepped out of the car at its grand entrance when I was surprised by military music and a guard of honor of about two hundred German soldiers drawn up in the square, and the Foreign Ministry officials accompanying me asked me to inspect the guard, which I did, after which we entered the Chancellery and walked along its long corridors with their magnificent halls until we reached the great reception room, where the head of the presidential protocol office received me and, after about a minute, ushered me into the Führer’s private room; Hitler greeted me warmly, with a cheerful face, expressive eyes and evident pleasure, and invited me to sit opposite him, surrounded by several senior members of his entourage, foremost among them his interpreter, Dr. Schmidt, and Hitler spoke German while Dr. Schmidt translated his words into French for me.

Hitler opened the conversation with a welcome, saying: ‘I am glad that you are safe and that you are here in the Axis countries, and I received with great pleasure the news of your escape from the hands of our common enemy after that long and dangerous journey from Tehran to Berlin; I had been worried about you and regarded your escape as a victory and good tidings, and I am familiar with the history of your life and appreciate your struggle for your homeland and nation and your coming to express the Arab nation’s desire to cooperate with us in the struggle against our common enemies, just as I have the greatest appreciation for the struggle of the Arabs of Palestine, that great popular struggle

Analysis

This page applies the military-capacity lesson to the narrator’s formal meeting with Adolf Hitler on November 21, 1941. It records the ceremonial reception at the Reich Chancellery, the German-to-French interpretation chain, and the opening of Hitler’s reported statement about the narrator’s escape, Arab cooperation, and the Palestinian struggle. It is especially significant as a direct memoir account of access to Hitler and the setting in which Arab political demands were presented to the German leadership. The descriptions of the ceremony, participants, date, and reported speech remain source-owned and are not independently verified here.

Raw transcript

يكون لعدد الفرق العسكرية، قبل أن يكون لوفرة العدد أو سعة الرقعة، ورأيت أن أورد هذا الحديث لما فيه من عبرة بالغة للأمة العربية، التي لا ينقصها وفرة العدد، ولا سعة الأرض، ولا الثروة العظيمة، ولا المواقع الجغرافية، وإنما تنقصها العزيمة والتنظيم واستغلال تلك الثروة والطاقة، وإنشاء الجيوش المحاربة، والمصانع الحربية، ونحوها من وسائل القوة والمنعة.

وقد قدر لي بعد ذلك أن أنقل حديث فون وايسزيكر، بشأن الحساب الصحيح الذي تقيم له الأمم الواعية وزناً - وهو عدد الفرق المحاربة وقيمتها الحربية - إلى كثير من رجال الأمة العربية المسؤولين، لأسترعي أنظارهم إلى أن كثرة عدد العرب وسعة بلادهم لا قيمة لها، إلا بنسبة ما تملك من قوى عسكرية محاربة حقاً.

كانت مقابلتي لأدولف هتلر، فوهرر ألمانيا، وزعيم الرايخ الثالث، في الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر يوم الجمعة ٢١ نوفمبر ١٩٤١م، ولم أكن أتوقع أن يكون استقبالي في دار المستشارية الشهيرة استقبالاً رسمياً، بل كنت أتوقع مقابلة خاصة مع الفوهرر، ولكنني لم أكد أصل إلى الساحة الواسعة أمام دار المستشارية، وأترجل من السيارة أمام مدخل الدار الفخم، حتى فوجئت بعزف الموسيقى العسكرية، وبحرس شرف مؤلف من نحو مائتي جندي ألماني، مصطفين في الساحة، وطلب إلي مرافقي من رجال وزارة الخارجية أن أستعرض الحرس، ففعلت، ثم دخلنا دار المستشارية، وسرنا في أروقتها الطويلة بأبهائها الفخمة، إلى أن انتهينا إلى قاعة الاستقبال الكبرى، كان هناك رئيس تشريفات رئاسة الدولة، فاستقبلني، وبعد نحو دقيقة أدخلني إلى غرفة الفوهرر الخاصة، استقبلني هتلر استقبالاً حاراً، بوجه طلق وعينين معبرتين، وبسرور ظاهر، ودعاني إلى الجلوس تجاهه، وكان يحيط به عدد من كبار رجال حاشيته، وفي مقدمتهم ترجمانه الدكتور شميدت، كان هتلر يتكلم بالألمانية، وكان الدكتور شميدت يترجم لي كلامه إلى اللغة الفرنسية.

استهل هتلر حديثه مرحباً وقائلاً: إنني سعيد لسلامتكم ولوجودكم في بلاد المحور، ولقد تلقيت بسرور عظيم خبر نجاتك من أيدي عدونا المشترك، وبعد تلك الرحلة الخطيرة الطويلة من طهران إلى برلين، ولقد كنت في قلق عليك، واعتبرت نجاتك نصراً وبشرى، وإني مطلع على تاريخ حياتك، ومقدر لكفاحك في سبيل وطنك وأمتك، ولقدومك لإبداء رغبة الأمة العربية في التعاون معنا، في الكفاح ضد الأعداء المشتركين، كما أنني مقدر كل التقدير لكفاح عرب فلسطين، ذلك الكفاح الشعبي