يكون لعدد الفرق العسكرية، قبل أن يكون لوفرة العدد أو سعة الرقعة، ورأيت أن أورد هذا الحديث لما فيه من عبرة بالغة للأمة العربية، التي لا ينقصها وفرة العدد، ولا سعة الأرض، ولا الثروة العظيمة، ولا المواقع الجغرافية، وإنما تنقصها العزيمة والتنظيم واستغلال تلك الثروة والطاقة، وإنشاء الجيوش المحاربة، والمصانع الحربية، ونحوها من وسائل القوة والمنعة.
وقد قدر لي بعد ذلك أن أنقل حديث فون وايسزيكر، بشأن الحساب الصحيح الذي تقيم له الأمم الواعية وزناً - وهو عدد الفرق المحاربة وقيمتها الحربية - إلى كثير من رجال الأمة العربية المسؤولين، لأسترعي أنظارهم إلى أن كثرة عدد العرب وسعة بلادهم لا قيمة لها، إلا بنسبة ما تملك من قوى عسكرية محاربة حقاً.
كانت مقابلتي لأدولف هتلر، فوهرر ألمانيا، وزعيم الرايخ الثالث، في الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر يوم الجمعة ٢١ نوفمبر ١٩٤١م، ولم أكن أتوقع أن يكون استقبالي في دار المستشارية الشهيرة استقبالاً رسمياً، بل كنت أتوقع مقابلة خاصة مع الفوهرر، ولكنني لم أكد أصل إلى الساحة الواسعة أمام دار المستشارية، وأترجل من السيارة أمام مدخل الدار الفخم، حتى فوجئت بعزف الموسيقى العسكرية، وبحرس شرف مؤلف من نحو مائتي جندي ألماني، مصطفين في الساحة، وطلب إلي مرافقي من رجال وزارة الخارجية أن أستعرض الحرس، ففعلت، ثم دخلنا دار المستشارية، وسرنا في أروقتها الطويلة بأبهائها الفخمة، إلى أن انتهينا إلى قاعة الاستقبال الكبرى، كان هناك رئيس تشريفات رئاسة الدولة، فاستقبلني، وبعد نحو دقيقة أدخلني إلى غرفة الفوهرر الخاصة، استقبلني هتلر استقبالاً حاراً، بوجه طلق وعينين معبرتين، وبسرور ظاهر، ودعاني إلى الجلوس تجاهه، وكان يحيط به عدد من كبار رجال حاشيته، وفي مقدمتهم ترجمانه الدكتور شميدت، كان هتلر يتكلم بالألمانية، وكان الدكتور شميدت يترجم لي كلامه إلى اللغة الفرنسية.
استهل هتلر حديثه مرحباً وقائلاً: إنني سعيد لسلامتكم ولوجودكم في بلاد المحور، ولقد تلقيت بسرور عظيم خبر نجاتك من أيدي عدونا المشترك، وبعد تلك الرحلة الخطيرة الطويلة من طهران إلى برلين، ولقد كنت في قلق عليك، واعتبرت نجاتك نصراً وبشرى، وإني مطلع على تاريخ حياتك، ومقدر لكفاحك في سبيل وطنك وأمتك، ولقدومك لإبداء رغبة الأمة العربية في التعاون معنا، في الكفاح ضد الأعداء المشتركين، كما أنني مقدر كل التقدير لكفاح عرب فلسطين، ذلك الكفاح الشعبي