مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 119

Normalized
transcript

وقدمت بعد ذلك بشهرين مذكرة أخرى مؤرخة في ١٦ يناير سنة ١٩٤٣ بشأن المغرب.

توالت بعد ذلك مذكراتنا للحكومة الألمانية بشأن قضية المغرب العربي، وعنيت الحكومة بدراستها، كما رحبت بها الدوائر العسكرية والحزب النازي بصورة خاصة، لكن وزارة الخارجية الألمانية رأت ضرورة مشاورة دول المحور خاصة، والدول الأخرى التي يعنيها الأمر عامة، وعهدت بذلك إلى الدكتور «بروفر» وكيل وزارة الخارجية للشؤون الشرقية وكان «بروفر» هذا من كبار الساسة الألمان المطلعين على شؤون الأقطار العربية والإسلامية، حتى أن حكومة الهند الحاضرة استعانت به عقب انتهاء الحرب، فظل يعمل لديها بضع سنين، وهو يتكلم اللغات العربية والتركية والفارسية وكان وزيراً مفوضاً لألمانيا في مصر.

ولقد التقيت بالدكتور بروفر كثيراً لبحث هذا الموضوع، واتفقنا على الاجتماع في يوم محدد كل أسبوع ليطلعني على نتائج مخابراته، وبعد ثلاثة أشهر كانت النتائج الآتية كما لخصها لي:

إن حكومة الرايخ الألماني الحاضرة ترحب بالفكرة لأنها تتفق ومبادئها وخططها ومصلحة الرايخ، فالسياسة الألمانية الراهنة لا ترمي إلى الاستعمار خارج أوروبا لأنها في دراستها العميقة لأسباب انهيار الإمبراطوريات الكبرى، أيقنت أنها إنما كانت بسبب ترامي أطرافها، وتباعد أجزائها عن مركزها، مما أدى إلى ضعف قلبها فانهيارها، ولذلك فإن السياسة الألمانية اليوم تستهدف التوسع في داخل أوروبا كبولونيا وأوكرانيا وبلاد البلطيق وليس في برنامجها قط الاستعمار في أفريقيا أو آسيا، بعكس الدول الأوروبية الاستعمارية التي ترى شمال أفريقيا أقرب مناطق الاستعمار إليها.

ولذلك فإن هذه الدول عارضت بشدة تأليف الدولة المغربية الكبرى المقترحة، ورغم أن ألمانيا ترى في ذلك مصلحة لها، وقوة عسكرية ذات شأن تعضدها في الحرب الحاضرة، فإنها لا ترى من صالحها أن تتحدى جميع هذه الدول، ومنها إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، والبرتغال وبلجيكا (ولم يذكر إنكلترا لأنها كانت في صفوف الأعداء) لأن لهذه الدول مستعمرات ومصالح كثيرة تدعيها في القارة الأفريقية، فهي تخشى من تأليف الدولة المغربية الموحدة أن يؤثر على مصالحها ويهدد استعمارها بالزوال.

English
translation

Two months later I submitted another memorandum concerning Morocco, dated 16 January 1943.

Our memoranda to the German government concerning the question of the Maghreb continued. The government took an interest in studying them, and the military circles and the Nazi Party in particular welcomed them. The German Foreign Ministry, however, considered it necessary to consult especially with the Axis powers and generally with the other states concerned. It entrusted this task to Dr. “Profer,” undersecretary of the Foreign Ministry for Eastern affairs. Profer was one of the leading German politicians familiar with the affairs of the Arab and Islamic countries. The present government of India even employed him after the end of the war, and he worked for it for several years. He spoke Arabic, Turkish and Persian, and was Germany’s minister plenipotentiary in Egypt.

I met Dr. Profer many times to discuss this matter, and we agreed to meet on a fixed day each week so that he could inform me of the results of his communications. After three months, the results were as follows, as he summarized them for me:

The present government of the German Reich welcomes the idea because it accords with its principles, plans and the interests of the Reich. Current German policy does not aim at colonization outside Europe. In its deep study of the causes of the collapse of the great empires, it has concluded that they fell because their boundaries spread too far and their parts became distant from their center, weakening their heart and leading to their collapse. German policy today therefore aims at expansion within Europe, such as Poland, Ukraine and the Baltic countries, and its program contains no colonization in Africa or Asia. This differs from the European colonial powers, which regard North Africa as the colonial region nearest to them.

For this reason these states strongly opposed the formation of the proposed greater Moroccan state. Although Germany saw this as serving its interests and as a significant military force that would strengthen it in the present war, it did not consider it in its interest to challenge all these states, including Italy, France, Spain, Portugal and Belgium. England was not mentioned because it was among the enemies. These states claimed many colonies and interests on the African continent, and they feared that forming a united Moroccan state would affect their interests and threaten their colonial rule with extinction.

Analysis

This page records the memoirist’s account of German deliberation over a proposed greater Moroccan state. It attributes to Dr. Profer a theory that German expansion should remain within Europe while European colonial powers protected their African interests, and it presents Germany’s support as limited by concern for Italy, France, Spain, Portugal and Belgium. The page is significant because it shows the proposed Maghreb project being weighed as both an anti-colonial claim and a military asset. These statements are source-owned and are not independently verified. The page ends with a complete sentence.

Raw transcript

وقدمت بعد ذلك بشهرين مذكرة أخرى مؤرخة في ١٦ يناير سنة ١٩٤٣ بشأن المغرب.

توالت بعد ذلك مذكراتنا للحكومة الألمانية بشأن قضية المغرب العربي، وعنيت الحكومة بدراستها، كما رحبت بها الدوائر العسكرية والحزب النازي بصورة خاصة، لكن وزارة الخارجية الألمانية رأت ضرورة مشاورة دول المحور خاصة، والدول الأخرى التي يعنيها الأمر عامة، وعهدت بذلك إلى الدكتور «بروفر» وكيل وزارة الخارجية للشؤون الشرقية وكان «بروفر» هذا من كبار الساسة الألمان المطلعين على شؤون الأقطار العربية والإسلامية، حتى أن حكومة الهند الحاضرة استعانت به عقب انتهاء الحرب، فظل يعمل لديها بضع سنين، وهو يتكلم اللغات العربية والتركية والفارسية وكان وزيراً مفوضاً لألمانيا في مصر.

ولقد التقيت بالدكتور بروفر كثيراً لبحث هذا الموضوع، واتفقنا على الاجتماع في يوم محدد كل أسبوع ليطلعني على نتائج مخابراته، وبعد ثلاثة أشهر كانت النتائج الآتية كما لخصها لي:

إن حكومة الرايخ الألماني الحاضرة ترحب بالفكرة لأنها تتفق ومبادئها وخططها ومصلحة الرايخ، فالسياسة الألمانية الراهنة لا ترمي إلى الاستعمار خارج أوروبا لأنها في دراستها العميقة لأسباب انهيار الإمبراطوريات الكبرى، أيقنت أنها إنما كانت بسبب ترامي أطرافها، وتباعد أجزائها عن مركزها، مما أدى إلى ضعف قلبها فانهيارها، ولذلك فإن السياسة الألمانية اليوم تستهدف التوسع في داخل أوروبا كبولونيا وأوكرانيا وبلاد البلطيق وليس في برنامجها قط الاستعمار في أفريقيا أو آسيا، بعكس الدول الأوروبية الاستعمارية التي ترى شمال أفريقيا أقرب مناطق الاستعمار إليها.

ولذلك فإن هذه الدول عارضت بشدة تأليف الدولة المغربية الكبرى المقترحة، ورغم أن ألمانيا ترى في ذلك مصلحة لها، وقوة عسكرية ذات شأن تعضدها في الحرب الحاضرة، فإنها لا ترى من صالحها أن تتحدى جميع هذه الدول، ومنها إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، والبرتغال وبلجيكا (ولم يذكر إنكلترا لأنها كانت في صفوف الأعداء) لأن لهذه الدول مستعمرات ومصالح كثيرة تدعيها في القارة الأفريقية، فهي تخشى من تأليف الدولة المغربية الموحدة أن يؤثر على مصالحها ويهدد استعمارها بالزوال.