ولما ذكرت للدكتور بروفر، أن المغرب العربي مصمم على نيل استقلاله على كل حال، وإنه لا يبالي في سبيل هذه الغاية أن يبذل كل ما في وسعه، وأن يركب أي مركب صعب، وقد تتطور الأمور فيتعاون في سبيل استقلاله مع الشيوعية، أجابني قائلاً: أن هذه الدول الأوروبية ترى أن الإسلام أشد خطراً عليها من الشيوعية، لأن الشيوعية يمكن معالجتها وصد خطرها برفع مستوى المعيشة في الشعوب وتوزيع العدل الاجتماعي، وغير ذلك من الوسائل، بينما ترى هذه الدول في الإسلام عقيدة زاحفة يخشى خطرها على أوروبا التي نخرت المدنية الفاسدة عظامها، وأضعفت نواحيها الخلقية والروحية والعسكرية، فهم يخشون إذا تألفت هذه الدولة المغربية المتحدة أن يكون لها شأن عظيم، ويتوهمون أنها لا تلبث أن تثب على أوروبا مرة أخرى ويعيد التاريخ نفسه.
وقد حدث خلال فترة مشاورة ألمانيا للدول الأوروبية بشأن مشروع الدولة المغربية الموحدة أن زارني الأميرال «كاناريس» الرئيس العام للمخابرات في الجيش الألماني، في بيتي في برلين، واقترح علي أن نسافر معاً إلى تونس ثم إلى غيرها من أقطار المغرب العربي لمقابلة زعمائها، فقلت له لا أستطيع ذلك إلا بعد أن توافق الحكومة الألمانية على مشروع تأليف الدولة المغربية بصورة رسمية، فنذهب عندئذ معاً للعمل على عقد المعاهدة الألمانية المغربية، كما حدث في تعهدكم الرسمي لنا بشأن الأقطار العربية الشرقية.
وحدث بعد ذلك أن زارني الأميرال «كاناريس» مرة أخرى ولكنه جاء هذه المرة إلى روما ومعه الجنرال «لاهوزن» والأميرالاي مايار ريكز، وجنرالان من الجيش الإيطالي، وجلسوا معي جلسة طويلة في «فيلا كولونا» وحاولوا حملي على توقيع رسالة بالموافقة على إرسال القوات العربية التي دربها الجيشان الألماني والإيطالي إلى تونس للاشتراك في الحرب، فلم أوافق على طلبهم رغم الإلحاح والضغط الشديد، وبينت لهم أن دول المحور لم تقطع عهداً للمغرب العربي بالاستقلال، فلا نستطيع أن نخدع إخواننا هناك. أما إرسال هذه القوات إلى الشرق العربي فإني أوافق عليه بعد أن قطعتم لنا عهداً رسمياً باستقلال تلك الأقطار.
ولمناسبة الحديث عن كاناريس، فقد سبق له أن دعانا إلى منزله في أواخر عام ١٩٤٢، ودعا أيضاً السيد رشيد عالي الكيلاني وكثيرين من رجال الحكومة الألمانية، وكان كاناريس لطيفاً رقيقاً في دعوته وأحاديثه.