مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 120

Normalized
transcript

ولما ذكرت للدكتور بروفر، أن المغرب العربي مصمم على نيل استقلاله على كل حال، وإنه لا يبالي في سبيل هذه الغاية أن يبذل كل ما في وسعه، وأن يركب أي مركب صعب، وقد تتطور الأمور فيتعاون في سبيل استقلاله مع الشيوعية، أجابني قائلاً: أن هذه الدول الأوروبية ترى أن الإسلام أشد خطراً عليها من الشيوعية، لأن الشيوعية يمكن معالجتها وصد خطرها برفع مستوى المعيشة في الشعوب وتوزيع العدل الاجتماعي، وغير ذلك من الوسائل، بينما ترى هذه الدول في الإسلام عقيدة زاحفة يخشى خطرها على أوروبا التي نخرت المدنية الفاسدة عظامها، وأضعفت نواحيها الخلقية والروحية والعسكرية، فهم يخشون إذا تألفت هذه الدولة المغربية المتحدة أن يكون لها شأن عظيم، ويتوهمون أنها لا تلبث أن تثب على أوروبا مرة أخرى ويعيد التاريخ نفسه.

وقد حدث خلال فترة مشاورة ألمانيا للدول الأوروبية بشأن مشروع الدولة المغربية الموحدة أن زارني الأميرال «كاناريس» الرئيس العام للمخابرات في الجيش الألماني، في بيتي في برلين، واقترح علي أن نسافر معاً إلى تونس ثم إلى غيرها من أقطار المغرب العربي لمقابلة زعمائها، فقلت له لا أستطيع ذلك إلا بعد أن توافق الحكومة الألمانية على مشروع تأليف الدولة المغربية بصورة رسمية، فنذهب عندئذ معاً للعمل على عقد المعاهدة الألمانية المغربية، كما حدث في تعهدكم الرسمي لنا بشأن الأقطار العربية الشرقية.

وحدث بعد ذلك أن زارني الأميرال «كاناريس» مرة أخرى ولكنه جاء هذه المرة إلى روما ومعه الجنرال «لاهوزن» والأميرالاي مايار ريكز، وجنرالان من الجيش الإيطالي، وجلسوا معي جلسة طويلة في «فيلا كولونا» وحاولوا حملي على توقيع رسالة بالموافقة على إرسال القوات العربية التي دربها الجيشان الألماني والإيطالي إلى تونس للاشتراك في الحرب، فلم أوافق على طلبهم رغم الإلحاح والضغط الشديد، وبينت لهم أن دول المحور لم تقطع عهداً للمغرب العربي بالاستقلال، فلا نستطيع أن نخدع إخواننا هناك. أما إرسال هذه القوات إلى الشرق العربي فإني أوافق عليه بعد أن قطعتم لنا عهداً رسمياً باستقلال تلك الأقطار.

ولمناسبة الحديث عن كاناريس، فقد سبق له أن دعانا إلى منزله في أواخر عام ١٩٤٢، ودعا أيضاً السيد رشيد عالي الكيلاني وكثيرين من رجال الحكومة الألمانية، وكان كاناريس لطيفاً رقيقاً في دعوته وأحاديثه.

English
translation

When I told Dr. Profer that the Maghreb was determined to win its independence in any event, that it did not care, for the sake of this goal, about exerting all its strength and taking any difficult course, and that circumstances might develop so that it would cooperate with communism for the sake of its independence, he replied: These European states regard Islam as more dangerous to them than communism, because communism can be treated and its danger resisted by raising the standard of living among peoples, distributing social justice and using other means. These states, however, see Islam as a spreading creed whose danger they fear for Europe, whose corrupt civilization has eaten away at its bones and weakened its moral, spiritual and military dimensions. They fear that, if this united Moroccan state were formed, it would acquire great importance, and they imagine that it would soon leap upon Europe again and that history would repeat itself.

During the period when Germany was consulting the European states about the project of a united Moroccan state, Admiral Canaris, the chief of military intelligence in the German army, visited me at my home in Berlin. He proposed that we travel together to Tunisia and then to other countries of the Maghreb to meet their leaders. I told him that I could do so only after the German government officially approved the project to form the Moroccan state. We would then go together to work toward concluding a German-Moroccan treaty, as had occurred with your formal pledge to us concerning the eastern Arab countries.

Afterward Admiral Canaris visited me again, but this time he came to Rome with General Lahousen, Admiral Mayer-Rickz, and two generals from the Italian army. They held a long meeting with me at the Villa Colonna and tried to make me sign a letter agreeing to send the Arab forces trained by the German and Italian armies to Tunisia to participate in the war. I did not agree to their request despite their insistence and severe pressure. I explained to them that the Axis powers had not given the Maghreb a pledge of independence, and that we could not deceive our brothers there. As for sending these forces to the eastern Arab countries, I would agree after they had given us a formal pledge of independence for those countries.

Since Canaris has been mentioned, he had previously invited us to his home in late 1942. He also invited Rashid Ali al-Gaylani and many members of the German government. Canaris was courteous and gentle in his invitation and conversation.

Analysis

This page presents the memoirist’s account of European fears of a united Moroccan state and his refusal to send Axis-trained Arab forces to Tunisia without a formal independence pledge. It attributes an explicitly anti-Islamic fear to unnamed European states and records meetings with Canaris, Lahousen, Mayer-Rickz and Italian officers. The page is especially significant because it shows the narrator using independence promises as a condition for military cooperation while preserving an Axis-linked operational context. The claims about European motives, personnel, training and proposed troop movements are source-owned and not independently verified.

Raw transcript

ولما ذكرت للدكتور بروفر، أن المغرب العربي مصمم على نيل استقلاله على كل حال، وإنه لا يبالي في سبيل هذه الغاية أن يبذل كل ما في وسعه، وأن يركب أي مركب صعب، وقد تتطور الأمور فيتعاون في سبيل استقلاله مع الشيوعية، أجابني قائلاً: أن هذه الدول الأوروبية ترى أن الإسلام أشد خطراً عليها من الشيوعية، لأن الشيوعية يمكن معالجتها وصد خطرها برفع مستوى المعيشة في الشعوب وتوزيع العدل الاجتماعي، وغير ذلك من الوسائل، بينما ترى هذه الدول في الإسلام عقيدة زاحفة يخشى خطرها على أوروبا التي نخرت المدنية الفاسدة عظامها، وأضعفت نواحيها الخلقية والروحية والعسكرية، فهم يخشون إذا تألفت هذه الدولة المغربية المتحدة أن يكون لها شأن عظيم، ويتوهمون أنها لا تلبث أن تثب على أوروبا مرة أخرى ويعيد التاريخ نفسه.

وقد حدث خلال فترة مشاورة ألمانيا للدول الأوروبية بشأن مشروع الدولة المغربية الموحدة أن زارني الأميرال «كاناريس» الرئيس العام للمخابرات في الجيش الألماني، في بيتي في برلين، واقترح علي أن نسافر معاً إلى تونس ثم إلى غيرها من أقطار المغرب العربي لمقابلة زعمائها، فقلت له لا أستطيع ذلك إلا بعد أن توافق الحكومة الألمانية على مشروع تأليف الدولة المغربية بصورة رسمية، فنذهب عندئذ معاً للعمل على عقد المعاهدة الألمانية المغربية، كما حدث في تعهدكم الرسمي لنا بشأن الأقطار العربية الشرقية.

وحدث بعد ذلك أن زارني الأميرال «كاناريس» مرة أخرى ولكنه جاء هذه المرة إلى روما ومعه الجنرال «لاهوزن» والأميرالاي مايار ريكز، وجنرالان من الجيش الإيطالي، وجلسوا معي جلسة طويلة في «فيلا كولونا» وحاولوا حملي على توقيع رسالة بالموافقة على إرسال القوات العربية التي دربها الجيشان الألماني والإيطالي إلى تونس للاشتراك في الحرب، فلم أوافق على طلبهم رغم الإلحاح والضغط الشديد، وبينت لهم أن دول المحور لم تقطع عهداً للمغرب العربي بالاستقلال، فلا نستطيع أن نخدع إخواننا هناك. أما إرسال هذه القوات إلى الشرق العربي فإني أوافق عليه بعد أن قطعتم لنا عهداً رسمياً باستقلال تلك الأقطار.

ولمناسبة الحديث عن كاناريس، فقد سبق له أن دعانا إلى منزله في أواخر عام ١٩٤٢، ودعا أيضاً السيد رشيد عالي الكيلاني وكثيرين من رجال الحكومة الألمانية، وكان كاناريس لطيفاً رقيقاً في دعوته وأحاديثه.