شدتها وتكررها، أخفقت فقد ظل البوغوميلي صابرين على المحنة طيلة ٢٥٠ سنة إلى أن فتح الأتراك العثمانيون صربيا، فلبى إليهم البوغوميلي طالبين حمايتهم وتحريرهم من شقائهم، لكن حملة تيمورلنك على تركيا الآسيوية أخرت إجابة هذا الرجاء إلى سنة ١٤٦٣ عندما استولى السلطان محمد الفاتح على بوسنة واعتنق أهلها البوغوميلي الإسلام، وظروفهم المذكورة وما اشتهر به هذا السلطان العظيم من تسامح ديني تعتبر قرائن واضحة على إسلامهم بدون إكراه.
كانت ولاية بوسنة وهرسك خلال العهد العثماني كجمهورية ذات استقلال ذاتي في الدولة شأنها شأن الأقطار العربية في ذلك العهد من تاريخها من حيث مشاركة أهلها في إدارة شؤونها مشاركة فعالة، وكان المسلمون البوشناق من أشد رعايا الدولة العثمانية إخلاصاً لها وتفانياً في خدمتها، ونبغ كثير منهم في الفنون العسكرية والإدارية فنالوا أعلى الرتب وأسمى المناصب، وتقلد ٢٤ منهم منصب الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في الدولة العثمانية، وبرز كثير منهم في قيادة الجيش والأسطول فكان السلاطين يقدرونهم حتى زوجوا بعضهم بناتهم، ومما يدل على اعتزازهم بهم كلمة السلطان سليم الأول حين بلغه خبر مقتل الصدر الأعظم سنان باشا البوشناقي قائد الحملة التركية على مصر سنة ١٥١٧: (كسرنا سناناً).
إن المسلمين البوشناق في إخلاصهم للدولة العثمانية وطاعتهم لأولي الأمر فيها لم يكونوا يعرفون حداً يقفون عنده إلا إذا تبين لهم أن الدولة ترى، لسبب من الأسباب، التفريط في حماية وطنهم، مثال ذلك ما حدث في سنة ١٧٣٧ فقد علم والي بوسنة من مصادر موثوقة أن دولة النمسا عازمة على الاعتداء على بوسنة بقوات عظيمة، فلما أبلغ الوالي الصدر الأعظم ذلك رأى الصدر الأعظم عدم مقاومة ذلك العدوان لأن تركيا كانت مشتبكة في الحرب مع روسيا فلا تطيق الحرب في جبهة أخرى، فاجتمع أعيان بوسنة بدعوة من الوالي للتشاور في هذا الأمر الخطير فاجتمعت كلمتهم على استنكار تفريط الصدر الأعظم، ولو مضطراً، في حق وطنهم وقرروا مخالفة أمره وأعلنوا النفير العام والاستعداد لصد العدوان، فلما اجتاز الجيش النمساوي العتيد حدود بوسنة في عدة نقاط تصدى له البوشناق فدارت معارك دامية اشتركت في بعضها النساء البوشناق فكان النصر حليفهم وكافأ السلطان زعماء بوسنة وقادة الدفاع عنها بأعلى الرتب والأوسمة، ونال أحدهم وهو محمد بك قبادي لقب (الغازي) الذي كان أشرف الألقاب وأعلاها وأندرها في الدولة العثمانية.
وتكررت مثل هذه البطولة سنة ١٨٧٨ حين قرر البوشناق بطلان قرار الدول