مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 131

Normalized
transcript

شدتها وتكررها، أخفقت فقد ظل البوغوميلي صابرين على المحنة طيلة ٢٥٠ سنة إلى أن فتح الأتراك العثمانيون صربيا، فلبى إليهم البوغوميلي طالبين حمايتهم وتحريرهم من شقائهم، لكن حملة تيمورلنك على تركيا الآسيوية أخرت إجابة هذا الرجاء إلى سنة ١٤٦٣ عندما استولى السلطان محمد الفاتح على بوسنة واعتنق أهلها البوغوميلي الإسلام، وظروفهم المذكورة وما اشتهر به هذا السلطان العظيم من تسامح ديني تعتبر قرائن واضحة على إسلامهم بدون إكراه.

كانت ولاية بوسنة وهرسك خلال العهد العثماني كجمهورية ذات استقلال ذاتي في الدولة شأنها شأن الأقطار العربية في ذلك العهد من تاريخها من حيث مشاركة أهلها في إدارة شؤونها مشاركة فعالة، وكان المسلمون البوشناق من أشد رعايا الدولة العثمانية إخلاصاً لها وتفانياً في خدمتها، ونبغ كثير منهم في الفنون العسكرية والإدارية فنالوا أعلى الرتب وأسمى المناصب، وتقلد ٢٤ منهم منصب الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في الدولة العثمانية، وبرز كثير منهم في قيادة الجيش والأسطول فكان السلاطين يقدرونهم حتى زوجوا بعضهم بناتهم، ومما يدل على اعتزازهم بهم كلمة السلطان سليم الأول حين بلغه خبر مقتل الصدر الأعظم سنان باشا البوشناقي قائد الحملة التركية على مصر سنة ١٥١٧: (كسرنا سناناً).

إن المسلمين البوشناق في إخلاصهم للدولة العثمانية وطاعتهم لأولي الأمر فيها لم يكونوا يعرفون حداً يقفون عنده إلا إذا تبين لهم أن الدولة ترى، لسبب من الأسباب، التفريط في حماية وطنهم، مثال ذلك ما حدث في سنة ١٧٣٧ فقد علم والي بوسنة من مصادر موثوقة أن دولة النمسا عازمة على الاعتداء على بوسنة بقوات عظيمة، فلما أبلغ الوالي الصدر الأعظم ذلك رأى الصدر الأعظم عدم مقاومة ذلك العدوان لأن تركيا كانت مشتبكة في الحرب مع روسيا فلا تطيق الحرب في جبهة أخرى، فاجتمع أعيان بوسنة بدعوة من الوالي للتشاور في هذا الأمر الخطير فاجتمعت كلمتهم على استنكار تفريط الصدر الأعظم، ولو مضطراً، في حق وطنهم وقرروا مخالفة أمره وأعلنوا النفير العام والاستعداد لصد العدوان، فلما اجتاز الجيش النمساوي العتيد حدود بوسنة في عدة نقاط تصدى له البوشناق فدارت معارك دامية اشتركت في بعضها النساء البوشناق فكان النصر حليفهم وكافأ السلطان زعماء بوسنة وقادة الدفاع عنها بأعلى الرتب والأوسمة، ونال أحدهم وهو محمد بك قبادي لقب (الغازي) الذي كان أشرف الألقاب وأعلاها وأندرها في الدولة العثمانية.

وتكررت مثل هذه البطولة سنة ١٨٧٨ حين قرر البوشناق بطلان قرار الدول

English
translation

Despite the severity and repetition of these campaigns, they failed. The Bogomils remained patient through the ordeal for 250 years, until the Ottoman Turks opened Serbia. The Bogomils then appealed to them for protection and liberation from their misery, but Timur’s campaign in Asian Turkey delayed the response to this appeal until 1463, when Sultan Mehmed the Conqueror took control of Bosnia and its people, the Bogomils, embraced Islam. Their circumstances, together with the religious tolerance for which this great sultan was known, are clear indications that they became Muslims without coercion.

During the Ottoman period, the province of Bosnia and Herzegovina was like an autonomous republic within the state, as were the Arab countries in that period of their history, in that its people took an active part in managing its affairs. The Bosnian Muslims were among the Ottoman state’s most loyal subjects and devoted servants. Many distinguished themselves in military and administrative arts, attained the highest ranks and offices, and twenty-four of them held the office of grand vizier, the prime minister, in the Ottoman state. Many became prominent in command of the army and navy. The sultans valued them so highly that they married some of them to their daughters. An indication of their esteem is the statement of Sultan Selim I when he learned of the death of the Bosnian grand vizier Sinan Pasha, commander of the Turkish campaign in Egypt in 1517: “We have broken a Sinan.”

In their loyalty to the Ottoman state and obedience to its authorities, the Bosnian Muslims recognized no limit at which they would stop except when it became clear to them that the state, for one reason or another, was abandoning the protection of their homeland. An example occurred in 1737. The governor of Bosnia learned from reliable sources that Austria intended to attack Bosnia with a great force. When the governor informed the grand vizier, the grand vizier believed that the aggression should not be resisted because Turkey was engaged in war with Russia and could not fight on another front. The notables of Bosnia therefore gathered at the governor’s invitation to discuss this grave matter. They unanimously condemned the grand vizier’s abandonment, even under compulsion, of their homeland’s rights, decided to disobey his order, declared a general mobilization and prepared to repel the aggression. When the Austrian army crossed Bosnia’s borders at several points, the Bosnians confronted it. Bloody battles took place, some of them involving Bosnian women, and victory was theirs. The sultan rewarded Bosnia’s leaders and the commanders of its defense with the highest ranks and decorations. One of them, Muhammad Bey Qabadi, received the title Ghazi, one of the most honored, highest and rarest titles in the Ottoman state.

The same heroism was repeated in 1878, when the Bosnians decided to reject the decision of the great powers

Analysis

This page continues the historical account of Bogomil survival and conversion and presents Bosnian Muslims as autonomous, loyal and militarily capable within the Ottoman state. It highlights resistance to Austrian aggression in 1737 and 1878, including women’s participation and the award of the Ghazi title. The page is significant because it frames Bosnian Muslim political agency as a long-standing defense of homeland and sovereignty. The historical claims are source-owned and not independently verified. The final sentence continues on printed page 132.

Raw transcript

شدتها وتكررها، أخفقت فقد ظل البوغوميلي صابرين على المحنة طيلة ٢٥٠ سنة إلى أن فتح الأتراك العثمانيون صربيا، فلبى إليهم البوغوميلي طالبين حمايتهم وتحريرهم من شقائهم، لكن حملة تيمورلنك على تركيا الآسيوية أخرت إجابة هذا الرجاء إلى سنة ١٤٦٣ عندما استولى السلطان محمد الفاتح على بوسنة واعتنق أهلها البوغوميلي الإسلام، وظروفهم المذكورة وما اشتهر به هذا السلطان العظيم من تسامح ديني تعتبر قرائن واضحة على إسلامهم بدون إكراه.

كانت ولاية بوسنة وهرسك خلال العهد العثماني كجمهورية ذات استقلال ذاتي في الدولة شأنها شأن الأقطار العربية في ذلك العهد من تاريخها من حيث مشاركة أهلها في إدارة شؤونها مشاركة فعالة، وكان المسلمون البوشناق من أشد رعايا الدولة العثمانية إخلاصاً لها وتفانياً في خدمتها، ونبغ كثير منهم في الفنون العسكرية والإدارية فنالوا أعلى الرتب وأسمى المناصب، وتقلد ٢٤ منهم منصب الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في الدولة العثمانية، وبرز كثير منهم في قيادة الجيش والأسطول فكان السلاطين يقدرونهم حتى زوجوا بعضهم بناتهم، ومما يدل على اعتزازهم بهم كلمة السلطان سليم الأول حين بلغه خبر مقتل الصدر الأعظم سنان باشا البوشناقي قائد الحملة التركية على مصر سنة ١٥١٧: (كسرنا سناناً).

إن المسلمين البوشناق في إخلاصهم للدولة العثمانية وطاعتهم لأولي الأمر فيها لم يكونوا يعرفون حداً يقفون عنده إلا إذا تبين لهم أن الدولة ترى، لسبب من الأسباب، التفريط في حماية وطنهم، مثال ذلك ما حدث في سنة ١٧٣٧ فقد علم والي بوسنة من مصادر موثوقة أن دولة النمسا عازمة على الاعتداء على بوسنة بقوات عظيمة، فلما أبلغ الوالي الصدر الأعظم ذلك رأى الصدر الأعظم عدم مقاومة ذلك العدوان لأن تركيا كانت مشتبكة في الحرب مع روسيا فلا تطيق الحرب في جبهة أخرى، فاجتمع أعيان بوسنة بدعوة من الوالي للتشاور في هذا الأمر الخطير فاجتمعت كلمتهم على استنكار تفريط الصدر الأعظم، ولو مضطراً، في حق وطنهم وقرروا مخالفة أمره وأعلنوا النفير العام والاستعداد لصد العدوان، فلما اجتاز الجيش النمساوي العتيد حدود بوسنة في عدة نقاط تصدى له البوشناق فدارت معارك دامية اشتركت في بعضها النساء البوشناق فكان النصر حليفهم وكافأ السلطان زعماء بوسنة وقادة الدفاع عنها بأعلى الرتب والأوسمة، ونال أحدهم وهو محمد بك قبادي لقب (الغازي) الذي كان أشرف الألقاب وأعلاها وأندرها في الدولة العثمانية.

وتكررت مثل هذه البطولة سنة ١٨٧٨ حين قرر البوشناق بطلان قرار الدول