مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 132

Normalized
transcript

العظمى في مؤتمر برلين بوضع بوسنة وهرسك تحت إدارة النمسا والمجر الثنائية فهبوا على بكرة أبيهم يقاومون بأسلحتهم البسيطة الفيالق النمساوية المزودة بأحدث الأسلحة في ذلك الوقت وظلوا وحدهم دون سائر المواطنين يكبدونها خسائر فادحة طيلة ثلاثة أشهر.

كان المسلمون البوشناق يعتزون بالإسلام ويتمسكون بآدابه وقد نبغ فيهم كثير من العلماء المتبحرين في العلوم الإسلامية والمتعلمين في اللغات العربية والتركية والفارسية وتركوا آثاراً قيمة فيها، ونجد تراجم بعض هؤلاء العلماء والأدباء منهم في سفر نفيس نشره سنة ١٣٤٩ هـ العالم البوشناقي المرحوم محمد بن محمد خاجي خليلي من خريجي الأزهر بعنوان «الجواهر الأسنى في تراجم علماء وشعراء بوسنة».

ولأهل بوسنة المسلمين أوقاف غنية وقفت أريافهم على مختلف الجهات الخيرية وفي مقدمتها التعليم، فكانت مدن بوسنة وهرسك تزدان بمدارس ومعاهد إسلامية ترشح بالطلبة، وقد أقيم في سنة ١٩٣٢ احتفال عظيم بمرور أربعمائة سنة على إنشاء أشهر هذه المدارس وهي مدرسة الغازي خسرو بك في سراييفو، وفي السنة التالية أنشئت مدرسة ثانوية خاصة بالبنات من أموال وقف هذا الواقف العظيم والحق بها القسم الداخلي للوافدات إلى هذه المدرسة من سائر مدن بوسنة وهرسك، وقد زرت مدرسة خسرو بك واجتمعت بأساتذتها وطلابها وأعجبت بفصاحتهم العربية.

وفي سنة ١٨٨٧ قامت سلطات الاحتلال النمساوي المجري في بوسنة وهرسك بإنشاء (مدرسة القضاء الشرعي) ليتخرج منها قضاة الشرع في المحاكم الشرعية التي بقيت اختصاصاتها في حدود الأحوال الشخصية والأوقاف إلى نهاية الحرب العالمية الأخيرة، وفي سنة ١٩٣٥ جرى تحويل هذه المدرسة إلى «الأكاديمية الإسلامية» للدراسات الإسلامية العالية فكان يلتحق بها المتخرجون من مدرسة الغازي خسرو بك ومن المدرسة الشرعية الثانوية وكانت تنفق عليها دولة يوغسلافيا الملكية.

ولم يكتف المسلمون البوشناق بما يتزود به شبانهم من العلوم الإسلامية في المناهل الثقافية ببلادهم بل كانوا يوفدون خريجيها إلى المدارس العالية في إسطنبول خلال العهد العثماني من تاريخهم، ثم استبدلوا بها، بعد إزالة الخلافة الإسلامية، الجامع الأزهر في مصر.

وكان المسلمون البوشناق قد بلغوا درجة عالية من وعي إسلامي شهد لهم المرحوم الأمير شكيب أرسلان الذي زارهم عدة مرات قبل نشوب الحرب العالمية

English
translation

at the Congress of Berlin to place Bosnia and Herzegovina under the administration of the dual monarchy of Austria-Hungary. They rose as one and resisted with their simple weapons the Austrian legions equipped with the most advanced weapons of that time. Alone, without the other citizens, they inflicted heavy losses on them for three months.

The Bosnian Muslims took pride in Islam and adhered to its teachings. Many among them distinguished themselves as scholars deeply versed in Islamic sciences and educated in Arabic, Turkish and Persian. They left valuable works in those fields. Biographies of some of these scholars and writers can be found in a valuable volume published in 1349 AH by the late Bosnian scholar Muhammad ibn Muhammad Haji Khalili, an Azhar graduate, entitled The Most Sublime Jewels in the Biographies of the Scholars and Poets of Bosnia.

The Muslim people of Bosnia had rich charitable endowments. They dedicated their countryside to various charitable purposes, foremost education. The cities of Bosnia and Herzegovina were adorned with Islamic schools and institutes filled with students. In 1932 a great celebration was held to mark four hundred years since the establishment of the most famous of these schools, the Gazi Husrev-beg School in Sarajevo. The following year a special secondary school for girls was established from the endowment of this great benefactor, with a boarding section for girls who came to the school from all the cities of Bosnia and Herzegovina. I visited the Husrev-beg School, met its teachers and students, and admired their eloquence in Arabic.

In 1887 the Austro-Hungarian occupation authorities in Bosnia and Herzegovina established the School of Sharia Judges, from which Sharia judges graduated to serve in the religious courts. Their jurisdiction remained limited to personal-status matters and endowments until the end of the last world war. In 1935 this school was converted into the Islamic Academy for advanced Islamic studies. Graduates of the Gazi Husrev-beg School and the secondary religious school attended it, and the Kingdom of Yugoslavia funded it.

The Bosnian Muslims were not satisfied with the Islamic sciences their young people acquired in the cultural institutions of their homeland. During the Ottoman period they sent their graduates to advanced schools in Istanbul. After the abolition of the Islamic caliphate, they replaced these with al-Azhar in Egypt.

The Bosnian Muslims had reached a high degree of Islamic awareness, as the late Prince Shakib Arslan, who visited them several times before the outbreak of the World War

Analysis

This page records Bosnian Muslim religious education, charitable endowments, Islamic schools and links to Istanbul and al-Azhar. It also describes resistance to Austro-Hungarian administration and presents Bosnian Muslim identity as both locally rooted and connected to wider Islamic institutions. The page is significant because it provides the institutional background for the memoirist’s later claims about Bosnian military recruitment. The historical dates, titles and institutional descriptions are source-owned and not independently verified. The final sentence continues on printed page 133.

Raw transcript

العظمى في مؤتمر برلين بوضع بوسنة وهرسك تحت إدارة النمسا والمجر الثنائية فهبوا على بكرة أبيهم يقاومون بأسلحتهم البسيطة الفيالق النمساوية المزودة بأحدث الأسلحة في ذلك الوقت وظلوا وحدهم دون سائر المواطنين يكبدونها خسائر فادحة طيلة ثلاثة أشهر.

كان المسلمون البوشناق يعتزون بالإسلام ويتمسكون بآدابه وقد نبغ فيهم كثير من العلماء المتبحرين في العلوم الإسلامية والمتعلمين في اللغات العربية والتركية والفارسية وتركوا آثاراً قيمة فيها، ونجد تراجم بعض هؤلاء العلماء والأدباء منهم في سفر نفيس نشره سنة ١٣٤٩ هـ العالم البوشناقي المرحوم محمد بن محمد خاجي خليلي من خريجي الأزهر بعنوان «الجواهر الأسنى في تراجم علماء وشعراء بوسنة».

ولأهل بوسنة المسلمين أوقاف غنية وقفت أريافهم على مختلف الجهات الخيرية وفي مقدمتها التعليم، فكانت مدن بوسنة وهرسك تزدان بمدارس ومعاهد إسلامية ترشح بالطلبة، وقد أقيم في سنة ١٩٣٢ احتفال عظيم بمرور أربعمائة سنة على إنشاء أشهر هذه المدارس وهي مدرسة الغازي خسرو بك في سراييفو، وفي السنة التالية أنشئت مدرسة ثانوية خاصة بالبنات من أموال وقف هذا الواقف العظيم والحق بها القسم الداخلي للوافدات إلى هذه المدرسة من سائر مدن بوسنة وهرسك، وقد زرت مدرسة خسرو بك واجتمعت بأساتذتها وطلابها وأعجبت بفصاحتهم العربية.

وفي سنة ١٨٨٧ قامت سلطات الاحتلال النمساوي المجري في بوسنة وهرسك بإنشاء (مدرسة القضاء الشرعي) ليتخرج منها قضاة الشرع في المحاكم الشرعية التي بقيت اختصاصاتها في حدود الأحوال الشخصية والأوقاف إلى نهاية الحرب العالمية الأخيرة، وفي سنة ١٩٣٥ جرى تحويل هذه المدرسة إلى «الأكاديمية الإسلامية» للدراسات الإسلامية العالية فكان يلتحق بها المتخرجون من مدرسة الغازي خسرو بك ومن المدرسة الشرعية الثانوية وكانت تنفق عليها دولة يوغسلافيا الملكية.

ولم يكتف المسلمون البوشناق بما يتزود به شبانهم من العلوم الإسلامية في المناهل الثقافية ببلادهم بل كانوا يوفدون خريجيها إلى المدارس العالية في إسطنبول خلال العهد العثماني من تاريخهم، ثم استبدلوا بها، بعد إزالة الخلافة الإسلامية، الجامع الأزهر في مصر.

وكان المسلمون البوشناق قد بلغوا درجة عالية من وعي إسلامي شهد لهم المرحوم الأمير شكيب أرسلان الذي زارهم عدة مرات قبل نشوب الحرب العالمية