مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 136

Normalized
transcript

هذه الدولة سنة ١٩٠٨ انتهاء السيادة الاسمية للسلطان العثماني عليهما وضمهما نهائياً إلى أملاكها، ثارت ثائرة الصرب ثم أقدم بعض المتطرفين منهم على اغتيال ولي عهد النمسا والمجر الأرشيدوق فرديناند وزوجته، وقد رأينا حينما كنا في سراييفو المكان الذي اغتيل فيه ولي العهد، فكان مصرعه السبب المباشر للحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤.

وقبل نهاية تلك الحرب لم تكن للصرب والكروات دولة تضمهم معاً، وفي خلال القرن التاسع عشر نشأت في كرواتيا حركات كان لبعضها أهداف قومية ودينية بعيدة المدى، وكان زعماؤها على اتصال بزعماء الصرب على أمل إنشاء دولة تضم جميع السلاف الجنوبيين، لكن الفرصة لم تسمح لهم إلا حينما بدأت علائم تفكك دولة النمسا والمجر في الحرب العالمية الأولى، فنشطت مساعي زعماء السلاف الجنوبيين ومفاوضاتهم في شأن الأسس التي ستقوم عليها الدولة المشتركة.

لكن هذه المسألة انتهت عندما أعلن ولي عهد صربيا، نيابة عن والده المريض، في ١/١٢/١٩١٨ إنشاء مملكة الصرب والكروات والسلوفين المتحدة، وذلك يعني الآن ضم جميع بلاد السلاف الجنوبيين التي كانت خاضعة لدولة النمسا والمجر، إلى مملكة صربيا، فاعتبر الكروات اليوم المذكور يوم بدء كفاحهم في سبيل حقهم بتقرير مصيرهم فأطلقوا الجمعية التأسيسية، ثم سقط ثلاثة من زعمائهم قتلى برصاص أحد النواب القوميين الصرب المتطرفين سنة ١٩٢٨، فرد الكروات على ذلك باغتيال الملك ألكسندر الصربي سنة ١٩٣٤.

وتوالت المآسي والفواجع في يوغسلافيا إلى أن سقطت تحت الضربات الألمانية الأولى في ربيع سنة ١٩٤١، ووافق الألمان وحلفاؤهم الطليان على قيام الحركة الكرواتية المتطرفة «أوستاشي» بإنشاء دولة كرواتيا وضم بوسنة وهرسك إليها.

كان من السهل التنبؤ بالموقف الذي ستتخذه الدولة الكرواتية من الصرب القاطنين في أقاليمها، وبالسياسة التي ستتبعها في بوسنة وهرسك، وهي تأمين الرجحان للقومية الكرواتية فيهما نهائياً، بتطهيرهما من الصرب على اعتبارهم عنصراً دخيلاً فيهما، وبإطلاق شعارات تؤكد أوثق الصلات التي تربط المسلمين البوشناق بالكروات، وأن المسلمين هم صفوة الشعب الكرواتي.

وكان من الواضح كذلك أن الصرب لن يقبلوا البتة بأن تمتد سيادة الدولة الكرواتية إلى بوسنة وهرسك، حتى ولو لم تقسهم تلك الدولة بسوء.

English
translation

in 1908 the end of the Ottoman sultan’s nominal sovereignty over them and annexed them permanently to its possessions, the Serbs rose in revolt. Some of their extremists then assassinated the heir to the Austro-Hungarian throne, Archduke Ferdinand, and his wife. When we were in Sarajevo, we saw the place where the heir was assassinated. His death was the direct cause of the First World War in 1914.

Before the end of that war, the Serbs and Croats did not have a state that united them. During the nineteenth century, movements arose in Croatia, some of which had long-term national and religious aims. Their leaders were in contact with Serbian leaders in the hope of establishing a state that would include all the South Slavs. The opportunity did not come until signs of the disintegration of Austria-Hungary began during the First World War, when South Slav leaders intensified their efforts and negotiations over the foundations on which the common state would be established.

The matter ended when the Serbian crown prince, acting on behalf of his ailing father, announced on 1 December 1918 the establishment of the Kingdom of Serbs, Croats and Slovenes. This meant the annexation to the Kingdom of Serbia of all the South Slav lands that had been subject to Austria-Hungary. The Croats regarded that date as the beginning of their struggle for the right to self-determination. They formed the Constituent Assembly, and in 1928 three of their leaders were killed by the bullets of an extremist Serbian nationalist deputy. The Croats responded by assassinating the Serbian King Alexander in 1934.

Tragedies and disasters continued in Yugoslavia until it fell under the first German blows in the spring of 1941. The Germans and their Italian allies agreed to allow the extremist Croatian Ustaše movement to establish the Croatian state and annex Bosnia and Herzegovina to it.

It was easy to predict the position the Croatian state would take toward the Serbs living in its territories and the policy it would follow in Bosnia and Herzegovina: to secure the final predominance of Croatian nationalism there by purging the territories of Serbs on the grounds that they were an alien element, and by proclaiming slogans affirming the closest ties between the Bosnian Muslims and the Croats and that the Muslims were the flower of the Croatian people.

It was equally clear that the Serbs would never accept Croatian sovereignty extending to Bosnia and Herzegovina, even if that state did not mistreat them.

Analysis

This page traces the annexation of Bosnia and Herzegovina, the assassination of Archduke Ferdinand, the creation of Yugoslavia, and the rise of the Ustaše state. It presents Croatian plans to purge Serbs and Serbian opposition to Croatian sovereignty as central to the conflict. The page is significant because it describes competing nationalist projects and places Bosnian Muslims between them. The political and historical claims are source-owned and not independently verified. The page ends with a complete sentence.

Raw transcript

هذه الدولة سنة ١٩٠٨ انتهاء السيادة الاسمية للسلطان العثماني عليهما وضمهما نهائياً إلى أملاكها، ثارت ثائرة الصرب ثم أقدم بعض المتطرفين منهم على اغتيال ولي عهد النمسا والمجر الأرشيدوق فرديناند وزوجته، وقد رأينا حينما كنا في سراييفو المكان الذي اغتيل فيه ولي العهد، فكان مصرعه السبب المباشر للحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤.

وقبل نهاية تلك الحرب لم تكن للصرب والكروات دولة تضمهم معاً، وفي خلال القرن التاسع عشر نشأت في كرواتيا حركات كان لبعضها أهداف قومية ودينية بعيدة المدى، وكان زعماؤها على اتصال بزعماء الصرب على أمل إنشاء دولة تضم جميع السلاف الجنوبيين، لكن الفرصة لم تسمح لهم إلا حينما بدأت علائم تفكك دولة النمسا والمجر في الحرب العالمية الأولى، فنشطت مساعي زعماء السلاف الجنوبيين ومفاوضاتهم في شأن الأسس التي ستقوم عليها الدولة المشتركة.

لكن هذه المسألة انتهت عندما أعلن ولي عهد صربيا، نيابة عن والده المريض، في ١/١٢/١٩١٨ إنشاء مملكة الصرب والكروات والسلوفين المتحدة، وذلك يعني الآن ضم جميع بلاد السلاف الجنوبيين التي كانت خاضعة لدولة النمسا والمجر، إلى مملكة صربيا، فاعتبر الكروات اليوم المذكور يوم بدء كفاحهم في سبيل حقهم بتقرير مصيرهم فأطلقوا الجمعية التأسيسية، ثم سقط ثلاثة من زعمائهم قتلى برصاص أحد النواب القوميين الصرب المتطرفين سنة ١٩٢٨، فرد الكروات على ذلك باغتيال الملك ألكسندر الصربي سنة ١٩٣٤.

وتوالت المآسي والفواجع في يوغسلافيا إلى أن سقطت تحت الضربات الألمانية الأولى في ربيع سنة ١٩٤١، ووافق الألمان وحلفاؤهم الطليان على قيام الحركة الكرواتية المتطرفة «أوستاشي» بإنشاء دولة كرواتيا وضم بوسنة وهرسك إليها.

كان من السهل التنبؤ بالموقف الذي ستتخذه الدولة الكرواتية من الصرب القاطنين في أقاليمها، وبالسياسة التي ستتبعها في بوسنة وهرسك، وهي تأمين الرجحان للقومية الكرواتية فيهما نهائياً، بتطهيرهما من الصرب على اعتبارهم عنصراً دخيلاً فيهما، وبإطلاق شعارات تؤكد أوثق الصلات التي تربط المسلمين البوشناق بالكروات، وأن المسلمين هم صفوة الشعب الكرواتي.

وكان من الواضح كذلك أن الصرب لن يقبلوا البتة بأن تمتد سيادة الدولة الكرواتية إلى بوسنة وهرسك، حتى ولو لم تقسهم تلك الدولة بسوء.