وزرائها «جعفر بك كوليفيتش»، وقد أدب لنا رئيس الدولة بافليتش مأدبة عشاء وأبدى اهتمامه بالموضوع الذي سافر من أجله وعطفه على مهمتنا وتبرع بمليون (كونه) كرواتية لمساعدة المنكوبين، وكذلك أدب لنا رئيس الوزراء مأدبة أخرى وكذلك أدب لنا وزير الدولة الحقي حاجيتش، الذي تولى أمر الاتصال بي خلال إقامتي في زاغرب.
وفي اليوم التالي وصل بالطائرة إلى زاغرب الكومنداتور الميلاني من وزارة الخارجية الإيطالية (وقد تولى في أواخر عهد موسوليني وكالة الخارجية) يصحبه مندوب من وزارة الخارجية الألمانية. وقد حاولت الحكومة الكرواتية، بالاشتراك مع سفيري ألمانيا وإيطاليا في «زاغرب» أن يثنوا عزمي عن السفر إلى بوسنة بحجة الحرص على حياتي من المجازر في تلك البلاد المضطربة والملوعة بالعصابات الدموية الخطيرة، ولكن أصررت على السفر وكتبت إليهم كتاباً سجلت فيه (إني أتحمل مسؤولية كل ما قد يصيبني من تهلكة في زيارتي لبلاد بوسنة رغم نصائح الرجال المسؤولين في كرواتيا وعلي ألمانيا وإيطاليا)، وأمضيناه وسلمته إليهم، ثم استأنفت السفر إلى «سراييفو» أي بوسنة سراي، ورافقنا في السفر الشيخ عاكف خادشي مفتي الجيش الكرواتي. ولكن عاصفة ثلجية أرغمت طائرتنا على أن تعود إلى «زاغرب»، وبعد بضعة أيام عاودنا السفر، ولما وصلت طائرتنا إلى بوسنة سراي لم تستطع الهبوط لشدة العاصفة الثلجية، فعادت إلى «بانيا لوكة» ولما خرجنا من المطار، دهشنا لما شاهدنا أهل بانيا لوكة يلبسون العمائم والطرابيش، ونساؤهم يرتدين الحجاب، وشعرنا كأننا نجتاز شوارع القدس القديمة، أو سوق الحميدية في دمشق. وبقينا في بانيا لوكة ثلاثة أيام دعانا خلالها إلى الطعام فضيلة مفتيها الحاج حافظ مصطفى نورقيتش، وهو رجل عالم فاضل ويحسن اللغة العربية، فلما جلسنا إلى المائدة قال معتذراً عن بساطة الطعام لا تؤاخذونا فقد غلا قدرنا (بكسر القاف) على قدرنا (بفتحها).
وفي الليلة الثانية من إقامتنا في بانيا لوكة حدثت حادثة طريفة، زادتني إعجاباً بالنظام العسكري الألماني وبسالة رجاله: فقد لحظ الضباط الألمان المرافقون لنا أن المدينة اكتظت بعصابات الشيتنيك الصربية المسلحة فأحسوا منهم خيفة واتصلوا بالقيادة الألمانية القريبة احتياطاً للطوارئ وفي الليل بينما كنا في الفندق قطعت الأنوار الكهربائية فجأة في المدينة كلها وصرنا في ظلام دامس فنهض حينئذ الضباط الألمان الثمانية وحمل كل منهم مدفعه الرشاش ووقف أحدهم أمام باب غرفتنا ونصب الآخر رشاشته على رأس سلم الفندق، ووقف الباقون على أبواب الفندق ونوافذه، وأنذر