مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 139

Normalized
transcript

وزرائها «جعفر بك كوليفيتش»، وقد أدب لنا رئيس الدولة بافليتش مأدبة عشاء وأبدى اهتمامه بالموضوع الذي سافر من أجله وعطفه على مهمتنا وتبرع بمليون (كونه) كرواتية لمساعدة المنكوبين، وكذلك أدب لنا رئيس الوزراء مأدبة أخرى وكذلك أدب لنا وزير الدولة الحقي حاجيتش، الذي تولى أمر الاتصال بي خلال إقامتي في زاغرب.

وفي اليوم التالي وصل بالطائرة إلى زاغرب الكومنداتور الميلاني من وزارة الخارجية الإيطالية (وقد تولى في أواخر عهد موسوليني وكالة الخارجية) يصحبه مندوب من وزارة الخارجية الألمانية. وقد حاولت الحكومة الكرواتية، بالاشتراك مع سفيري ألمانيا وإيطاليا في «زاغرب» أن يثنوا عزمي عن السفر إلى بوسنة بحجة الحرص على حياتي من المجازر في تلك البلاد المضطربة والملوعة بالعصابات الدموية الخطيرة، ولكن أصررت على السفر وكتبت إليهم كتاباً سجلت فيه (إني أتحمل مسؤولية كل ما قد يصيبني من تهلكة في زيارتي لبلاد بوسنة رغم نصائح الرجال المسؤولين في كرواتيا وعلي ألمانيا وإيطاليا)، وأمضيناه وسلمته إليهم، ثم استأنفت السفر إلى «سراييفو» أي بوسنة سراي، ورافقنا في السفر الشيخ عاكف خادشي مفتي الجيش الكرواتي. ولكن عاصفة ثلجية أرغمت طائرتنا على أن تعود إلى «زاغرب»، وبعد بضعة أيام عاودنا السفر، ولما وصلت طائرتنا إلى بوسنة سراي لم تستطع الهبوط لشدة العاصفة الثلجية، فعادت إلى «بانيا لوكة» ولما خرجنا من المطار، دهشنا لما شاهدنا أهل بانيا لوكة يلبسون العمائم والطرابيش، ونساؤهم يرتدين الحجاب، وشعرنا كأننا نجتاز شوارع القدس القديمة، أو سوق الحميدية في دمشق. وبقينا في بانيا لوكة ثلاثة أيام دعانا خلالها إلى الطعام فضيلة مفتيها الحاج حافظ مصطفى نورقيتش، وهو رجل عالم فاضل ويحسن اللغة العربية، فلما جلسنا إلى المائدة قال معتذراً عن بساطة الطعام لا تؤاخذونا فقد غلا قدرنا (بكسر القاف) على قدرنا (بفتحها).

وفي الليلة الثانية من إقامتنا في بانيا لوكة حدثت حادثة طريفة، زادتني إعجاباً بالنظام العسكري الألماني وبسالة رجاله: فقد لحظ الضباط الألمان المرافقون لنا أن المدينة اكتظت بعصابات الشيتنيك الصربية المسلحة فأحسوا منهم خيفة واتصلوا بالقيادة الألمانية القريبة احتياطاً للطوارئ وفي الليل بينما كنا في الفندق قطعت الأنوار الكهربائية فجأة في المدينة كلها وصرنا في ظلام دامس فنهض حينئذ الضباط الألمان الثمانية وحمل كل منهم مدفعه الرشاش ووقف أحدهم أمام باب غرفتنا ونصب الآخر رشاشته على رأس سلم الفندق، ووقف الباقون على أبواب الفندق ونوافذه، وأنذر

English
translation

and its ministers, “Jaʿfar Bey Kuljevic.” The head of state, Pavelić, prepared a dinner for us, showed interest in the matter for which I had traveled, expressed sympathy for our mission, and donated one million kuna, the Croatian currency, to assist the afflicted. The prime minister also prepared another dinner for us, as did the minister of state, Al-Haj Hajic, who was responsible for maintaining contact with me during my stay in Zagreb.

The following day, the Italian Foreign Ministry’s commandant, Mellani, arrived in Zagreb by plane. In the final period of Mussolini’s rule he had served as acting foreign minister, and he was accompanied by a representative of the German Foreign Ministry. The Croatian government, together with the German and Italian ambassadors in Zagreb, tried to dissuade me from traveling to Bosnia, claiming concern for my life because of the massacres in that troubled land, ravaged by dangerous murderous bands. I insisted on traveling and wrote them a letter stating: “I accept responsibility for whatever danger may befall me during my visit to Bosnia, despite the advice of the responsible men in Croatia and in Germany, Italy and Croatia.” I signed it and handed it to them. I then resumed the journey to Sarajevo, Bosnia’s capital, accompanied by Sheikh Akif Hadžić, mufti of the Croatian army.

A snowstorm forced our aircraft to return to Zagreb. After several days we resumed our journey, but when our aircraft reached Sarajevo it could not land because of the severity of the snowstorm. It returned to Banja Luka. When we left the airport, we were astonished to see the people of Banja Luka wearing turbans and fezzes, and their women wearing veils. We felt as though we were passing through the old streets of Jerusalem or the Hamidiye market in Damascus. We remained in Banja Luka for three days, during which its mufti, His Eminence Hajj Hafiz Mustafa Nurgić, a learned and virtuous man who spoke Arabic well, invited us to meals. When we sat at the table, he apologized for the simplicity of the food, saying: “Do not blame us. Our pot has boiled over our means.”

On the second night of our stay in Banja Luka, an amusing incident occurred that increased my admiration for the German military system and the bravery of its men. The German officers accompanying us noticed that the city was crowded with armed Serbian Chetnik bands. They became apprehensive and contacted the nearby German command as a precaution. At night, while we were in the hotel, the city’s electric lights suddenly went out and we were plunged into complete darkness. The eight German officers rose, each carrying his machine gun. One stood in front of our room and another set up his machine gun at the top of the hotel staircase. The others stood at the hotel doors and windows and warned

Analysis

This page records the memoirist’s journey from Zagreb to Banja Luka and his meetings with Croatian, German and Italian officials during a claimed effort to reach Bosnian Muslim leaders. It presents the security warnings, snowstorm delays and hotel defense by German officers as evidence of wartime danger and German military discipline. The page is significant because the humanitarian mission is narrated through Axis diplomatic and military protection. The names, donations, events and casualty context are source-owned and not independently verified. The final sentence continues on printed page 140.

Raw transcript

وزرائها «جعفر بك كوليفيتش»، وقد أدب لنا رئيس الدولة بافليتش مأدبة عشاء وأبدى اهتمامه بالموضوع الذي سافر من أجله وعطفه على مهمتنا وتبرع بمليون (كونه) كرواتية لمساعدة المنكوبين، وكذلك أدب لنا رئيس الوزراء مأدبة أخرى وكذلك أدب لنا وزير الدولة الحقي حاجيتش، الذي تولى أمر الاتصال بي خلال إقامتي في زاغرب.

وفي اليوم التالي وصل بالطائرة إلى زاغرب الكومنداتور الميلاني من وزارة الخارجية الإيطالية (وقد تولى في أواخر عهد موسوليني وكالة الخارجية) يصحبه مندوب من وزارة الخارجية الألمانية. وقد حاولت الحكومة الكرواتية، بالاشتراك مع سفيري ألمانيا وإيطاليا في «زاغرب» أن يثنوا عزمي عن السفر إلى بوسنة بحجة الحرص على حياتي من المجازر في تلك البلاد المضطربة والملوعة بالعصابات الدموية الخطيرة، ولكن أصررت على السفر وكتبت إليهم كتاباً سجلت فيه (إني أتحمل مسؤولية كل ما قد يصيبني من تهلكة في زيارتي لبلاد بوسنة رغم نصائح الرجال المسؤولين في كرواتيا وعلي ألمانيا وإيطاليا)، وأمضيناه وسلمته إليهم، ثم استأنفت السفر إلى «سراييفو» أي بوسنة سراي، ورافقنا في السفر الشيخ عاكف خادشي مفتي الجيش الكرواتي. ولكن عاصفة ثلجية أرغمت طائرتنا على أن تعود إلى «زاغرب»، وبعد بضعة أيام عاودنا السفر، ولما وصلت طائرتنا إلى بوسنة سراي لم تستطع الهبوط لشدة العاصفة الثلجية، فعادت إلى «بانيا لوكة» ولما خرجنا من المطار، دهشنا لما شاهدنا أهل بانيا لوكة يلبسون العمائم والطرابيش، ونساؤهم يرتدين الحجاب، وشعرنا كأننا نجتاز شوارع القدس القديمة، أو سوق الحميدية في دمشق. وبقينا في بانيا لوكة ثلاثة أيام دعانا خلالها إلى الطعام فضيلة مفتيها الحاج حافظ مصطفى نورقيتش، وهو رجل عالم فاضل ويحسن اللغة العربية، فلما جلسنا إلى المائدة قال معتذراً عن بساطة الطعام لا تؤاخذونا فقد غلا قدرنا (بكسر القاف) على قدرنا (بفتحها).

وفي الليلة الثانية من إقامتنا في بانيا لوكة حدثت حادثة طريفة، زادتني إعجاباً بالنظام العسكري الألماني وبسالة رجاله: فقد لحظ الضباط الألمان المرافقون لنا أن المدينة اكتظت بعصابات الشيتنيك الصربية المسلحة فأحسوا منهم خيفة واتصلوا بالقيادة الألمانية القريبة احتياطاً للطوارئ وفي الليل بينما كنا في الفندق قطعت الأنوار الكهربائية فجأة في المدينة كلها وصرنا في ظلام دامس فنهض حينئذ الضباط الألمان الثمانية وحمل كل منهم مدفعه الرشاش ووقف أحدهم أمام باب غرفتنا ونصب الآخر رشاشته على رأس سلم الفندق، ووقف الباقون على أبواب الفندق ونوافذه، وأنذر