ولدى جميع الأمم الواعية دوائر خاصة بالتموين الروحي في جيوشها، لأنه ضرورة قصوى كالتموين المادي، بل أكثر أهمية، وإن الجيوش التي لا تعتنق عقيدة وإيماناً، لا يكون مصيرها إلا الهزيمة والخزي. وعلى أثر ذلك البحث اتفقنا على إنشاء معهد للأئمة لتوزيعهم على وحدات الفرقة. وقد أنشئ هذا المعهد في مدينة «غويني»، واختير له عدد من علماء البوشناق لتوجيه هؤلاء الأئمة. وقد قمت شخصياً بإلقاء بعض المحاضرات في هذا المعهد، كما أن المرحومين الشيخ حسن أبو السعود(١) والدكتور مصطفى الوكيل(٢) كانا يلقيان المحاضرات والدروس في هذا المعهد الذي تخرج منه الأئمة لجميع أفواج الفرقة. وكان المعهد يعني إلى جانب التدريب الروحي بالتدريب العسكري الوافي، بحيث أصبح كل إمام ضابطاً مدرباً مجاهداً. وقد كنا في زياراتنا للمعهد أو لأفواج الفرقة، نحادثهم ونأكل معهم من طعامهم، وكانت أحاديثنا تتطرق إلى قضية فلسطين فكانوا يتحرقون إلى الجهاد في فلسطين.
وبالفعل فقد جاء عدد من ضباطهم وجنودهم وساهموا في معارك فلسطين ببسالة رائعة، ولو اتسع مجال الجهاد حينئذ، ولم تحل المؤامرات الأجنبية، والتيارات الاستعمارية دون استمرار جهاد فلسطين، لرأينا عشرات الألوف من هؤلاء الجنود البوسنويين، وغيرهم من المجاهدين المسلمين، يساهمون معنا في تحرير فلسطين وإنقاذ الأماكن المقدسة. ورجاؤنا عظيم بأن الفرصة التي أضاعتها علينا المؤامرات والتوجيهات الأجنبية ومنحت اليهود فرصة عشرين سنة من الوقت للاستعداد والتأهب، في حين منعت الفلسطينيين من الاستمرار في عملهم الفدائي ووضعت القضية الفلسطينية في ثلاجة كما صرح جيمس غرانت وكيل الخارجية الأمريكية في ٣٠ نيسان سنة ١٩٦٣ لن تضيع مرة أخرى وأن المجال سيفسح لأهل الجهاد المخلصين من عرب ليقوموا بواجبهم نحو فلسطين.
وكذلك أنشأنا، بالتفاهم مع الألمان، معهداً آخر في «درسدن» لتخريج الأئمة الأذربيجانيين والقوقازيين وغيرهم، وبذلك أرى عدد الجنديين في بلاد المحور من عرب، وبوسنويين، وأذربيجانيين وغيرهم، على مائتي ألف مقاتل، ليكافحوا دول الاستعمار وليردوا على غرور تشرشل ووقاحته وخطرسته التي دل عليها قوله السابق عن الفيلق
(١) الشيخ حسن أبو السعود: من رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية ومن عائلة مقدسية عريقة، عضو الهيئة العربية العليا لفلسطين.
(٢) الدكتور مصطفى الوكيل: شاب وطني مصري ينتمي إلى حزب مصر الفتاة سترد تفاصيل عنه في هذه المذكرات.