لقد رأينا من كرمهم شيئاً كثيراً. ومن عادة الشجاع الذي يجود بنفسه أن يكون جواداً بماله أيضاً كما أن من عادة الجبان أن يكون شحيحاً. وهم يعنون بإكرام الضيف بسخاء، ويطهون طعامهم على الطريقة الشرقية على نسق أهل استانبول. يتقنونه كل الاتقان. وقد كان يصحبنا إلى ولائمهم نحو ثمانية من ضباط الطائرة الألمان. فكنت ألحظ أن عددهم يتناقص بعد كل وليمة، ولما سألت عن سبب ذلك علمت أن الطعام اللذيذ الذي كانوا يتناولونه في هذه الولائم كان يغريهم إلى حد الإفراط فيه فيمرضون الواحد بعد الآخر.
كان كثير من ضباط القوات البوسنوية وجنودها يتحمسون بالقضية الفلسطينية ويتمنون لو يتاح لهم الجهاد في فلسطين، وسألهم أيضاً كان التركستانيون الذين أسرهم الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، يتحرقون للجهاد في البلاد المقدسة الفلسطينية. ولو تمكن هؤلاء جميعاً من الوصول إلى معركة فلسطين لرأينا منهم الألوف في الميدان ولجاهدوا خير جهاد. ورغم المصاعب والعقبات التي حالت دون قدوم جمعهم الكبير، فقد تمكن بعضهم من تذليل الصعاب والوصول إلى فلسطين والاشتراك في معركتها، وقد أبلوا البلاء الحسن في الحرب وأبدوا بسالة رائعة وأراقوا دماءهم الزكية على ثرى فلسطين خلال المعارك العديدة التي خاضوها، وخاصة معارك يافا والقسطل والمالكية وترشيحا وسعسع والكابرة والشجرة وغيرها.
خاض رجال القوات البوسنوية معارك فلسطين بشجاعة وإخلاص، وقدموا فداء لها عدداً كبيراً من الشهداء والجرحى الأبطال، فقد سقط في معركة القسطل الشهيرة الشهيدان علي بولوباشش وهايرودي تابوكويش، وفي معركة يافا الشهيد كامل بودروغ، كما استشهد في معركة المالكية كل من أمين خليلوفيتش ومحمد راميش وحسن بيتيش ومنيب بينو ومصطفى اماموفيتش.
ومن الجرحى البوسنويين السادة شوقي مفتيش الذي جرح مرتين إحداهما في القسطل والأخرى في المالكية، ورفعت بكريش الذي قطعت يده في معركة الشجرة وسافر بعد الحرب إلى ألمانيا، ومرشان شابا نوفيتش واسماعيل كو كوروزوفيتش اللذان جرحا في يافا، وشيكوباشيش الذي فقد عينه في معركة يافا، وقد جرح في يافا أيضاً محرم بيرقدار الذي يعمل الآن في الجيش السوري برتبة نقيب ونذير فرياك، الذي يعمل أيضاً في الجيش السوري برتبة ملازم أول.
ولم تقتصر المساعي في ألمانيا على الاهتمام بقضية البوسنة والهرسك، وإنشاء معهد