رؤي عند تأليف فرقة (خنجر) البوسنوية أن يكون لكل وحدة كبيرة فيها إمام ديني، تسند إليه مهمة التوعية الدينية والتعبئة الروحية لأفرادها، بالإضافة إلى قيامه بأداء الشعائر الدينية معهم. وبعد التفاهم مع الرئاسة الدينية للطائفة الإسلامية، قام المرحوم الشيخ محمد بانجه عضو مجلس كبار العلماء في بوسنه وهرسك باختيار ١٧ شاباً من المتخرجين من مدرسة «الغازي خسرو بك»، ومدرسة «القضاء الشرعي» بسراي بوسنه والأزهر بمصر. ولما تم تجنيد هؤلاء الأئمة وصلوا إلى برلين وأقاموا في إحدى ضواحيها، حيث عقدت لهم حلقة دراسية استمعوا خلالها إلى محاضرات، تعاونت في إلقائها عليهم مع المرحومين الشيخ حسن أبو السعود والدكتور مصطفى الوكيل وبعض العلماء الألمان.
وبعد ذلك جرى تدريبهم تدريباً عسكرياً ثم توزيعهم على ألوية الفرقة، فما لبث قوادها أن تبينت لهم القيمة الكبيرة لعمل هؤلاء الأئمة وتأثيرهم في معنويات الجنود، فتمنوا أن يكون لكل وحدة من الوحدات الصغيرة في الفرقة إمام خاص بها، واقتنعت القيادة العليا لسلاح س.س. بوجاهة هذه الفكرة، فاستشارتني في طريقة تحقيقها، فأشرت بإنشاء معهد لتخريج الأئمة لهذه الوحدات الصغيرة، واختيار الملتحقين به من بين جنود الفرقة وضباط الصف فيها الذين سبق لهم الإلمام بالعلوم الدينية في المدارس الإسلامية في وطنهم. فلما تم التفاهم على ذلك، اخترنا أربعة من علماء البوشناق (اثنان منهم من أئمة الفرقة هم: حسن سليمان جوزو وحارث قوزقوت، والآخران من المدنيين هما: صالح حاجي عليش ومصطفى بوسولاجيتش) ليكونوا أساتذة في هذا المعهد، الذي أنشئ في مدينة «غوبن» وتخرج منه ٥٠ إماماً في دورتين، استمرت كل منهما أربعة أشهر. ولقد قمت بزيارة هذا المعهد عدة مرات لتفقد شؤونه والاجتماع بالأساتذة والطلبة فيه. وألقيت فيه عدة محاضرات.
*
ذكرت آنفاً ما شهدته من روح العسكرية الألمانية وتقشف الشعب الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، وأضيف إلى ذلك الآن كيف إننا كنا نشعر بحالة الحرب السائدة في بلاد الرايخ الألماني التي تلمسها في الشوارع والأسواق، وتحس بها في البيوت الخاصة والأماكن العامة، وفي كل مكان من المدن والقرى، فلا يستطيع أحد أن يشتري سلعة أو طعاماً أو ثياباً إلا بالبطاقات الرسمية التي يحملها، والتي هي موزعة على جميع أفراد الشعب دون فرق أو تمييز، فلا يستطيع أحد أن يشتري أكثر من كسوتين في العام إحداهما شتوية والأخرى صيفية وحسب. ومهما حاولت وبذلت