من المال فإنك لن تستطيع أن تشتري كسوة ثالثة ولا تستطيع الحصول على أية سلعة إلا بمقدار ما تملك من بطاقات محددة. وليس للسوق السوداء أي مجال، فتشعر بحالة الحرب مسيطرة على كل شيء، وفي كل مكان في ألمانيا.
وكل طاقات الدولة والشعب كانت مصروفة في سبيل الجهد الحربي، فلا سبيل إلى الحصول على الأشياء الكمالية، ولا مجال للقيام بأية مشروعات عمرانية كالمباني وشق الطرق ونحو ذلك إلا لأسباب عسكرية، ولا ينفق مال إلا في سبيل الجهد الحربي، إلا ما كان في الشؤون الضرورية لحياة الشعب الألماني.
وكانت حالة التقشف خلال الحرب ترى جلية واضحة في المأكل والملبس والمركب، وفي كل شأن من شؤون الحياة والمعيشة. وكنت أشاهد كثيرين من كبار رجال الدولة وعيالهم يركبون الدراجة العادية بدلاً من السيارة لتوفير البنزين.
وكان الألمان يروضون أنفسهم ويعودون أجسامهم على الخشونة والتدريب الشاق.
ومن ذلك أنهم كانوا يحملون أطفالهم على المشي حفاة خلال أشهر الصيف، لما في ذلك من التخشّن والفوائد الصحية وتدريب الأطفال على الجلد وشظف العيش.
وقد لمس الألمان بعد تغلغلهم في أصقاع روسيا المكسوة بالثلوج، والشديدة البرودة حتى إنها زادت على خمسين درجة تحت الصفر في شتاء عام ١٩٤٢ أن الروس أكثر منهم تقشفاً وتخشناً وأشد منهم صبراً وجلداً واحتمالاً لوطأة البرد الشديد، فضاعف الألمان حينئذ جهودهم في ترويض شعبهم على التقشف والتخشن.
وما يحز في النفس أن نرى هذا الفرق العظيم والبون الشاسع، بين الألمان خلال الحرب في تقشفهم وتخشنهم وتسليمهم لحالة الحرب وانكبابهم عليها، وبين ما نعيش فيه اليوم من رخاء العيش وبهنيّة الحياة، ونحن في حالة حرب ضروس مصيرية مع الصهيونيين الباغين المعتدين، إذ نرى الأمة العربية في جميع أقطارها لا تكاد تشعر بأنها في حالة حرب مع عدو شديد الخطر واسع الحيلة، عظيم التصميم على باطله وكيده، بل هي سادرة في اللهو والعبث، ومنغمسة في البذخ والترف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس واللذات، والاستمتاع بسائر المباهج وما يقال له «كماليات»، وتشييد القصور والتفاخر في الأموال والأولاد، فلا تقشف ولا تخشن، ولا تدريب على السلاح ولا استعداد لحرب الأعداء، بل لا شعور بخطر الحرب ولا توفر على العمل للأخذ بأسباب القوة والمنعة، فكأننا لم نسمع بقول الله تعالى: «واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين». وقوله جل شأنه: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».