مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 150

Normalized
transcript

من المال فإنك لن تستطيع أن تشتري كسوة ثالثة ولا تستطيع الحصول على أية سلعة إلا بمقدار ما تملك من بطاقات محددة. وليس للسوق السوداء أي مجال، فتشعر بحالة الحرب مسيطرة على كل شيء، وفي كل مكان في ألمانيا.

وكل طاقات الدولة والشعب كانت مصروفة في سبيل الجهد الحربي، فلا سبيل إلى الحصول على الأشياء الكمالية، ولا مجال للقيام بأية مشروعات عمرانية كالمباني وشق الطرق ونحو ذلك إلا لأسباب عسكرية، ولا ينفق مال إلا في سبيل الجهد الحربي، إلا ما كان في الشؤون الضرورية لحياة الشعب الألماني.

وكانت حالة التقشف خلال الحرب ترى جلية واضحة في المأكل والملبس والمركب، وفي كل شأن من شؤون الحياة والمعيشة. وكنت أشاهد كثيرين من كبار رجال الدولة وعيالهم يركبون الدراجة العادية بدلاً من السيارة لتوفير البنزين.

وكان الألمان يروضون أنفسهم ويعودون أجسامهم على الخشونة والتدريب الشاق.

ومن ذلك أنهم كانوا يحملون أطفالهم على المشي حفاة خلال أشهر الصيف، لما في ذلك من التخشّن والفوائد الصحية وتدريب الأطفال على الجلد وشظف العيش.

وقد لمس الألمان بعد تغلغلهم في أصقاع روسيا المكسوة بالثلوج، والشديدة البرودة حتى إنها زادت على خمسين درجة تحت الصفر في شتاء عام ١٩٤٢ أن الروس أكثر منهم تقشفاً وتخشناً وأشد منهم صبراً وجلداً واحتمالاً لوطأة البرد الشديد، فضاعف الألمان حينئذ جهودهم في ترويض شعبهم على التقشف والتخشن.

وما يحز في النفس أن نرى هذا الفرق العظيم والبون الشاسع، بين الألمان خلال الحرب في تقشفهم وتخشنهم وتسليمهم لحالة الحرب وانكبابهم عليها، وبين ما نعيش فيه اليوم من رخاء العيش وبهنيّة الحياة، ونحن في حالة حرب ضروس مصيرية مع الصهيونيين الباغين المعتدين، إذ نرى الأمة العربية في جميع أقطارها لا تكاد تشعر بأنها في حالة حرب مع عدو شديد الخطر واسع الحيلة، عظيم التصميم على باطله وكيده، بل هي سادرة في اللهو والعبث، ومنغمسة في البذخ والترف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس واللذات، والاستمتاع بسائر المباهج وما يقال له «كماليات»، وتشييد القصور والتفاخر في الأموال والأولاد، فلا تقشف ولا تخشن، ولا تدريب على السلاح ولا استعداد لحرب الأعداء، بل لا شعور بخطر الحرب ولا توفر على العمل للأخذ بأسباب القوة والمنعة، فكأننا لم نسمع بقول الله تعالى: «واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين». وقوله جل شأنه: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».

English
translation

money. They could not purchase a third outfit or obtain any commodity except in the amount allowed by their specified cards. There was no room for a black market. You felt the condition of war dominating everything and every place in Germany.

All the resources of the state and people were devoted to the war effort. There was no way to obtain luxury goods and no opportunity to undertake civilian construction projects, such as buildings and road building, except for military reasons. No money was spent except on the war effort, apart from what was necessary for the life of the German people.

The wartime austerity was clearly visible in food, clothing, transport and every aspect of life and livelihood. I often saw many senior state officials and their families ride ordinary bicycles instead of cars to save gasoline.

The Germans trained themselves and accustomed their bodies to roughness and hard training.

For example, they made their children walk barefoot during the summer months because of the hardening and health benefits and to train children in endurance and a harsh life.

After penetrating the snow-covered and extremely cold regions of Russia, where temperatures fell below fifty degrees below zero in the winter of 1942, the Germans realized that the Russians were more austere and hardened than they were and more patient, enduring and capable of bearing severe cold. The Germans then redoubled their efforts to train their people in austerity and hardening.

It is painful to see the great difference and wide gulf between the Germans during the war, in their austerity, hardening and surrender to the wartime condition and their immersion in it, and what we live in today, in ease and comfort, while we are in a fierce, existential war with the aggressive and unjust Zionists. We see the Arab nation in all its countries scarcely aware that it is at war with an extremely dangerous enemy, resourceful and determined in its falsehood and plotting. Instead, it is absorbed in amusement and frivolity, immersed in luxury, extravagance and excess in food, drink, clothing and pleasures, enjoying all the delights and what is called “luxuries,” building palaces and boasting of wealth and children. There is no austerity or hardening, no weapons training or preparation for war against the enemies. There is no awareness of the danger of war and no dedication to acquiring the means of strength and protection. It is as though we had not heard God’s words: “Those who did wrong followed the comforts they enjoyed and became criminals.” And His words, exalted is He: “Prepare against them whatever strength you are able.”

Analysis

This page describes German wartime austerity, labor discipline, military preparation and the memoirist’s comparison with Arab societies. It ends with a direct call for armed preparation against Zionists, supported by Quranic quotations. The page is especially significant because it turns an account of rationing and social mobilization into a contemporary political and military exhortation. The comparisons and claims are source-owned and not independently verified. The page ends with a complete passage.

Raw transcript

من المال فإنك لن تستطيع أن تشتري كسوة ثالثة ولا تستطيع الحصول على أية سلعة إلا بمقدار ما تملك من بطاقات محددة. وليس للسوق السوداء أي مجال، فتشعر بحالة الحرب مسيطرة على كل شيء، وفي كل مكان في ألمانيا.

وكل طاقات الدولة والشعب كانت مصروفة في سبيل الجهد الحربي، فلا سبيل إلى الحصول على الأشياء الكمالية، ولا مجال للقيام بأية مشروعات عمرانية كالمباني وشق الطرق ونحو ذلك إلا لأسباب عسكرية، ولا ينفق مال إلا في سبيل الجهد الحربي، إلا ما كان في الشؤون الضرورية لحياة الشعب الألماني.

وكانت حالة التقشف خلال الحرب ترى جلية واضحة في المأكل والملبس والمركب، وفي كل شأن من شؤون الحياة والمعيشة. وكنت أشاهد كثيرين من كبار رجال الدولة وعيالهم يركبون الدراجة العادية بدلاً من السيارة لتوفير البنزين.

وكان الألمان يروضون أنفسهم ويعودون أجسامهم على الخشونة والتدريب الشاق.

ومن ذلك أنهم كانوا يحملون أطفالهم على المشي حفاة خلال أشهر الصيف، لما في ذلك من التخشّن والفوائد الصحية وتدريب الأطفال على الجلد وشظف العيش.

وقد لمس الألمان بعد تغلغلهم في أصقاع روسيا المكسوة بالثلوج، والشديدة البرودة حتى إنها زادت على خمسين درجة تحت الصفر في شتاء عام ١٩٤٢ أن الروس أكثر منهم تقشفاً وتخشناً وأشد منهم صبراً وجلداً واحتمالاً لوطأة البرد الشديد، فضاعف الألمان حينئذ جهودهم في ترويض شعبهم على التقشف والتخشن.

وما يحز في النفس أن نرى هذا الفرق العظيم والبون الشاسع، بين الألمان خلال الحرب في تقشفهم وتخشنهم وتسليمهم لحالة الحرب وانكبابهم عليها، وبين ما نعيش فيه اليوم من رخاء العيش وبهنيّة الحياة، ونحن في حالة حرب ضروس مصيرية مع الصهيونيين الباغين المعتدين، إذ نرى الأمة العربية في جميع أقطارها لا تكاد تشعر بأنها في حالة حرب مع عدو شديد الخطر واسع الحيلة، عظيم التصميم على باطله وكيده، بل هي سادرة في اللهو والعبث، ومنغمسة في البذخ والترف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس واللذات، والاستمتاع بسائر المباهج وما يقال له «كماليات»، وتشييد القصور والتفاخر في الأموال والأولاد، فلا تقشف ولا تخشن، ولا تدريب على السلاح ولا استعداد لحرب الأعداء، بل لا شعور بخطر الحرب ولا توفر على العمل للأخذ بأسباب القوة والمنعة، فكأننا لم نسمع بقول الله تعالى: «واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين». وقوله جل شأنه: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».