مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 157

Normalized
transcript

الهجوم البريطاني على «جناق قلعة» الدردنيل، مني بالفشل، وأصيبت القوات البريطانية بكارثة أخرى في كوت العمارة بالعراق باستسلام ١٦ ألفاً من قواتهم بقيادة الجنرال طاونسند، كما أن جبهة روسيا القيصرية أصيبت بضربتين قاصمتين، إحداهما الهزيمة العسكرية الساحقة التي أصابتها بها جيوش الماريشال هندنبورغ، والأخرى الضربة الداخلية التي أنزلتها بها الشيوعية بزعامة «لينين» حتى اضطرت روسيا أن تتحفز للانسحاب من الحرب؛ وفي الجبهة الغربية كانت الجيوش الألمانية قد أوغلت كثيراً في الأراضي الفرنسية وقامت بمعركة «فردون» الشهيرة حتى أصبحت ألمانيا قاب قوسين أو أدنى، من النصر. وهذا ما جعل قيصر ألمانيا يلح على طلعت باشا بضرورة موافقة الدولة العثمانية على طلب اليهود، فلما رجع طلعت إلى استانبول دعا مبعوثي القدس «نوابها» في مجلس المبعوثان العثماني لمقابلته، وحدثهم في الأمر فرفضوا العرض رفضاً قاطعاً، ثم عرض الأمر على المقام السلطاني وعلى الجهات العليا في الدولة. فكان الجواب أن دولة الخلافة لن توافق بأي شكل من الأشكال على التفريط في هذه البلاد المقدسة، وأن الدستور العثماني يفرض صيانة جميع الأراضي العثمانية والمحافظة عليها. وهكذا فشل المشروع اليهودي المعروض على ألمانيا وحلفائها.

أخبرني بهذا الحادث فيما بعد المرحوم السيد سعيد الحسيني نائب القدس حينئذ فقد روى لي هذه المعلومات بتفاصيلها واطلعني على نص العهد باللغة التركية الذي تقدم اليهود بطلبه من الدولة العثمانية بواسطة قيصر ألمانيا، فإذا به شديد الشبه بنص وعد بلفور، وكأنه هو.

أما الدولة البريطانية فبادرت بالموافقة على المشروع اليهودي واعدة بمنح اليهود ما لم تكن تملكه من بلاد ليس لها فيها أي حق، وطالبت اليهود خاصة بالعمل على زج الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب، ولم يكن ذلك سهلاً حينئذ لأن هذه الدولة كانت ملتزمة «شرعة مونرو» التي تقضي عليها بأن تلزم الحياد خارج البلاد الأمريكية، وتمنعها من التدخل في شؤون غير الشؤون الأمريكية.

ولكن نفوذ اليهود في الولايات المتحدة، وما لهم من وسائل الدعاية الواسعة والتأثير المالي والسياسي استطاع إثارة هذه الدولة التي أعلنت إنذاراً قالت فيه إن إغراق سفينة واحدة من قبل الغواصات الألمانية سيحمل أمريكا على دخول الحرب، وهذا ما جعل ألمانيا تحرص على أن لا تدع من جانبها أي سبب أو حجة للحرب مع أمريكا التي تملك قوى كبيرة وموارد عظيمة ولم تنهكها الحرب، فسحبت ألمانيا غواصاتها من

English
translation

the British attack on Gallipoli and the Dardanelles ended in failure, and the British suffered another disaster at Kut al-Amara in Iraq when sixteen thousand of their forces under General Townshend surrendered. The Russian front also suffered two crushing blows: one was the overwhelming military defeat inflicted by Marshal Hindenburg’s armies, and the other was the internal blow dealt by communism under Lenin, which forced Russia to prepare to withdraw from the war. On the western front, the German armies had advanced deep into French territory and fought the famous Battle of Verdun, bringing Germany close to victory. This led the German Kaiser to press Talaat Pasha to have the Ottoman state agree to the Jewish request. When Talaat returned to Istanbul, he summoned Jerusalem’s delegates, its representatives in the Ottoman Chamber of Deputies, and discussed the matter with them. They rejected the offer categorically. He then presented the matter to the sultanate and the highest authorities in the state. The answer was that the caliphate state would under no circumstances agree to surrender these holy lands and that the Ottoman constitution required the preservation and protection of all Ottoman lands. Thus the Jewish proposal presented to Germany and its allies failed.

The late Mr. Saeed al-Husayni, who was then Jerusalem’s deputy, later told me about this incident. He related these details to me and showed me the text in Turkish of the pledge the Jews had submitted to the Ottoman state through the German Kaiser. It was strikingly similar to the text of the Balfour Declaration, as though it were the same document.

Britain, however, promptly agreed to the Jewish proposal, promising to give the Jews what it did not possess, a country in which it had no rights. It specifically asked the Jews to work to draw the United States into the war. This was not easy at the time because the United States was bound by the Monroe Doctrine, which required it to maintain neutrality outside the Americas and prevented it from intervening in matters other than American affairs.

But Jewish influence in the United States, and their extensive means of propaganda and financial and political influence, managed to stir that country. It issued a warning that the sinking of a single ship by German submarines would cause America to enter the war. This led Germany to take care not to provide from its side any cause or pretext for war with America, which possessed great power and vast resources and had not been exhausted by the war. Germany therefore withdrew its submarines from

Analysis

This page continues the source’s account of First World War military reversals and claims that the Ottoman refusal of a Jewish national-home proposal caused the German-backed project to fail. It then attributes British entry into the war to Jewish influence and propaganda. The page is significant because it joins a diplomatic history of Balfour with a conspiratorial explanation of American intervention. These claims are source-owned and not independently verified. The submarine account continues on printed page 158.

Raw transcript

الهجوم البريطاني على «جناق قلعة» الدردنيل، مني بالفشل، وأصيبت القوات البريطانية بكارثة أخرى في كوت العمارة بالعراق باستسلام ١٦ ألفاً من قواتهم بقيادة الجنرال طاونسند، كما أن جبهة روسيا القيصرية أصيبت بضربتين قاصمتين، إحداهما الهزيمة العسكرية الساحقة التي أصابتها بها جيوش الماريشال هندنبورغ، والأخرى الضربة الداخلية التي أنزلتها بها الشيوعية بزعامة «لينين» حتى اضطرت روسيا أن تتحفز للانسحاب من الحرب؛ وفي الجبهة الغربية كانت الجيوش الألمانية قد أوغلت كثيراً في الأراضي الفرنسية وقامت بمعركة «فردون» الشهيرة حتى أصبحت ألمانيا قاب قوسين أو أدنى، من النصر. وهذا ما جعل قيصر ألمانيا يلح على طلعت باشا بضرورة موافقة الدولة العثمانية على طلب اليهود، فلما رجع طلعت إلى استانبول دعا مبعوثي القدس «نوابها» في مجلس المبعوثان العثماني لمقابلته، وحدثهم في الأمر فرفضوا العرض رفضاً قاطعاً، ثم عرض الأمر على المقام السلطاني وعلى الجهات العليا في الدولة. فكان الجواب أن دولة الخلافة لن توافق بأي شكل من الأشكال على التفريط في هذه البلاد المقدسة، وأن الدستور العثماني يفرض صيانة جميع الأراضي العثمانية والمحافظة عليها. وهكذا فشل المشروع اليهودي المعروض على ألمانيا وحلفائها.

أخبرني بهذا الحادث فيما بعد المرحوم السيد سعيد الحسيني نائب القدس حينئذ فقد روى لي هذه المعلومات بتفاصيلها واطلعني على نص العهد باللغة التركية الذي تقدم اليهود بطلبه من الدولة العثمانية بواسطة قيصر ألمانيا، فإذا به شديد الشبه بنص وعد بلفور، وكأنه هو.

أما الدولة البريطانية فبادرت بالموافقة على المشروع اليهودي واعدة بمنح اليهود ما لم تكن تملكه من بلاد ليس لها فيها أي حق، وطالبت اليهود خاصة بالعمل على زج الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب، ولم يكن ذلك سهلاً حينئذ لأن هذه الدولة كانت ملتزمة «شرعة مونرو» التي تقضي عليها بأن تلزم الحياد خارج البلاد الأمريكية، وتمنعها من التدخل في شؤون غير الشؤون الأمريكية.

ولكن نفوذ اليهود في الولايات المتحدة، وما لهم من وسائل الدعاية الواسعة والتأثير المالي والسياسي استطاع إثارة هذه الدولة التي أعلنت إنذاراً قالت فيه إن إغراق سفينة واحدة من قبل الغواصات الألمانية سيحمل أمريكا على دخول الحرب، وهذا ما جعل ألمانيا تحرص على أن لا تدع من جانبها أي سبب أو حجة للحرب مع أمريكا التي تملك قوى كبيرة وموارد عظيمة ولم تنهكها الحرب، فسحبت ألمانيا غواصاتها من