الهجوم البريطاني على «جناق قلعة» الدردنيل، مني بالفشل، وأصيبت القوات البريطانية بكارثة أخرى في كوت العمارة بالعراق باستسلام ١٦ ألفاً من قواتهم بقيادة الجنرال طاونسند، كما أن جبهة روسيا القيصرية أصيبت بضربتين قاصمتين، إحداهما الهزيمة العسكرية الساحقة التي أصابتها بها جيوش الماريشال هندنبورغ، والأخرى الضربة الداخلية التي أنزلتها بها الشيوعية بزعامة «لينين» حتى اضطرت روسيا أن تتحفز للانسحاب من الحرب؛ وفي الجبهة الغربية كانت الجيوش الألمانية قد أوغلت كثيراً في الأراضي الفرنسية وقامت بمعركة «فردون» الشهيرة حتى أصبحت ألمانيا قاب قوسين أو أدنى، من النصر. وهذا ما جعل قيصر ألمانيا يلح على طلعت باشا بضرورة موافقة الدولة العثمانية على طلب اليهود، فلما رجع طلعت إلى استانبول دعا مبعوثي القدس «نوابها» في مجلس المبعوثان العثماني لمقابلته، وحدثهم في الأمر فرفضوا العرض رفضاً قاطعاً، ثم عرض الأمر على المقام السلطاني وعلى الجهات العليا في الدولة. فكان الجواب أن دولة الخلافة لن توافق بأي شكل من الأشكال على التفريط في هذه البلاد المقدسة، وأن الدستور العثماني يفرض صيانة جميع الأراضي العثمانية والمحافظة عليها. وهكذا فشل المشروع اليهودي المعروض على ألمانيا وحلفائها.
أخبرني بهذا الحادث فيما بعد المرحوم السيد سعيد الحسيني نائب القدس حينئذ فقد روى لي هذه المعلومات بتفاصيلها واطلعني على نص العهد باللغة التركية الذي تقدم اليهود بطلبه من الدولة العثمانية بواسطة قيصر ألمانيا، فإذا به شديد الشبه بنص وعد بلفور، وكأنه هو.
أما الدولة البريطانية فبادرت بالموافقة على المشروع اليهودي واعدة بمنح اليهود ما لم تكن تملكه من بلاد ليس لها فيها أي حق، وطالبت اليهود خاصة بالعمل على زج الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب، ولم يكن ذلك سهلاً حينئذ لأن هذه الدولة كانت ملتزمة «شرعة مونرو» التي تقضي عليها بأن تلزم الحياد خارج البلاد الأمريكية، وتمنعها من التدخل في شؤون غير الشؤون الأمريكية.
ولكن نفوذ اليهود في الولايات المتحدة، وما لهم من وسائل الدعاية الواسعة والتأثير المالي والسياسي استطاع إثارة هذه الدولة التي أعلنت إنذاراً قالت فيه إن إغراق سفينة واحدة من قبل الغواصات الألمانية سيحمل أمريكا على دخول الحرب، وهذا ما جعل ألمانيا تحرص على أن لا تدع من جانبها أي سبب أو حجة للحرب مع أمريكا التي تملك قوى كبيرة وموارد عظيمة ولم تنهكها الحرب، فسحبت ألمانيا غواصاتها من