مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 173

Normalized
transcript

من قبائل الباتان المسلمين المشهورين بالبسالة النادرة (وهي قبائل المسعودي والوزيري والإفريدي والمهمد وغيرها). وهكذا أوقف زحف المارشال روميل ولم يتمكن من مواصلته، ولو وصلت حملة رومل إلى أهدافها لما كانت في بلادنا قضية صهيونية ولتبدلت الحال غير الحال.

وعلى ذكر جنود الباتان وشجاعتهم النادرة التي ظهرت في صد جيش رومل، لقد سمعت ضابطاً ألمانيا يصف شجاعة هؤلاء الجنود الباتان المسلمين وصفاً رائعاً، ويقول إنه ليس لهم من مثيل إلا الجنود المغاربة الذين كانوا في الجيش الفرنسي الأول وصادموا الألمان في «كاسينوا» في شمال إيطاليا.

وعلى ذكر الجنود المغاربة، فإني أشير هنا إشارة عابرة إلى موقف هؤلاء الجنود الشجعان في معركة «فردون» الشهيرة في الحرب العالمية الأولى، حينما وقف الجيش الفرنسي أمام الألمان في زحفهم على باريس، حيث أراق نحو مئتي ألف مغربي دماءهم في سبيل الدفاع عن «فردون» وكان الأخلق والأجدر أن تراق هذه الدماء العربية في سبيل الدفاع عن حرية العرب واستقلالهم وكرامتهم.

وبالإشارة إلى موضوع الرسالة إلى الملك فاروق: لقد أسلفنا القول أن الملك تسلم الرسالة بيده، أما الشق الثاني من المشروع وهو تحديد الموعد بنشر رسالة رمزية من إذاعة برلين على ثلاث مراحل، فقد تم تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية، ولكننا لم نوافق على إلقاء الإذاعة الثالثة قبل الاطمئنان التام للوضع العسكري، فلما تردى هذا الوضع امتنعنا عن الإذاعة لثالث مرة خشية توريط الرجل (الملك فاروق)، وظل هذا الأمر سراً مكتوماً عن كل أحد، إلى أن احتل الحلفاء برلين، واستولى الأمريكون والإنكليز على أوراق وزارة الخارجية الألمانية ووثائقها، فاطلعوا على الحادث، وكان حينئذ الدبلوماسي المصري الذي حمل الرسالة إلى الملك فاروق، مستشاراً لسفارة مصر في واشنطن فصارح الأمريكون السلطات المصرية بالأمر، فسحبت مصر الرجل من وظيفته، وأعيد إلى القاهرة، ثم بعد ذلك نقل إلى السلك القضائي لأنه من رجال القانون.

كان هذا الحادث من الأسباب التي أثارت الإنكليز والأمريكيين على الملك فاروق، فبيّتوا له نية غادرة، وأخيراً تآمروا على خلعه، كما ازدادوا حنقاً علينا وتشدداً في مقاومتهم لنا، وقد اطلعت على تقرير لأحد الصهيونيين يحرض فيه كاتبه الدول الضالعة مع إسرائيل علينا.

English
translation

of the famous Muslim Pashtun tribes known for rare bravery, including the Masudi, Waziri, Afridi, Mahmand, and other tribes. In this way they halted Marshal Rommel’s advance and prevented him from continuing. Had Rommel’s campaign reached its objectives, there would have been no Zionist cause in our countries and circumstances would have changed completely.

Speaking of the Pashtun soldiers and their rare courage, which appeared in stopping Rommel’s army, I heard a German officer describe the bravery of these Muslim Pashtun soldiers magnificently. He said that they had no equal except the Moroccan soldiers who were in the First French Army and fought the Germans at Cassino in northern Italy.

Speaking of the Moroccan soldiers, I make here a brief reference to the position of these brave soldiers in the famous Battle of Verdun in the First World War, when the French army stood before the Germans in their advance toward Paris. About two hundred thousand Moroccans shed their blood in defense of Verdun, whereas it would have been more fitting and proper for this Arab blood to be shed in defense of Arab freedom, independence, and dignity.

With reference to the subject of the letter to King Farouk: we stated earlier that the king received the letter personally. As for the second part of the project, setting the date by broadcasting a coded message from Berlin radio in three stages, the first and second stages were carried out. But we did not agree to make the third broadcast before becoming completely certain about the military situation. When that situation deteriorated, we refrained from the third broadcast for fear of involving the man, King Farouk. This matter remained a closely guarded secret from everyone until the Allies occupied Berlin and the Americans and English seized the German Foreign Ministry’s papers and documents. They learned of the incident. The Egyptian diplomat who had carried the letter to King Farouk was then an adviser at the Egyptian embassy in Washington, so he disclosed the matter to the Americans and the Americans informed the Egyptian authorities. Egypt removed the man from his post and he returned to Cairo. Later he was transferred to the judicial service because he was a lawyer.

This incident was among the reasons that turned the English and Americans against King Farouk. They secretly formed a treacherous intention against him and eventually conspired to depose him. They also grew more hostile toward us and more determined to resist us. I saw a report by one of the Zionists in which its author incited the states involved with Israel against us.

Analysis

This page continues the memoir’s account of Rommel’s failed advance and the alleged Farouk radio plan, then attributes the failure to the Allies and frames the episode as a reason for British and American hostility toward Farouk and the author. The page is especially significant for its combination of military narrative, covert political coordination, and anti-Zionist polemic. These are memoir claims and require independent historical verification. The final sentence introduces a report and remains open into page 174.

Raw transcript

من قبائل الباتان المسلمين المشهورين بالبسالة النادرة (وهي قبائل المسعودي والوزيري والإفريدي والمهمد وغيرها). وهكذا أوقف زحف المارشال روميل ولم يتمكن من مواصلته، ولو وصلت حملة رومل إلى أهدافها لما كانت في بلادنا قضية صهيونية ولتبدلت الحال غير الحال.

وعلى ذكر جنود الباتان وشجاعتهم النادرة التي ظهرت في صد جيش رومل، لقد سمعت ضابطاً ألمانيا يصف شجاعة هؤلاء الجنود الباتان المسلمين وصفاً رائعاً، ويقول إنه ليس لهم من مثيل إلا الجنود المغاربة الذين كانوا في الجيش الفرنسي الأول وصادموا الألمان في «كاسينوا» في شمال إيطاليا.

وعلى ذكر الجنود المغاربة، فإني أشير هنا إشارة عابرة إلى موقف هؤلاء الجنود الشجعان في معركة «فردون» الشهيرة في الحرب العالمية الأولى، حينما وقف الجيش الفرنسي أمام الألمان في زحفهم على باريس، حيث أراق نحو مئتي ألف مغربي دماءهم في سبيل الدفاع عن «فردون» وكان الأخلق والأجدر أن تراق هذه الدماء العربية في سبيل الدفاع عن حرية العرب واستقلالهم وكرامتهم.

وبالإشارة إلى موضوع الرسالة إلى الملك فاروق: لقد أسلفنا القول أن الملك تسلم الرسالة بيده، أما الشق الثاني من المشروع وهو تحديد الموعد بنشر رسالة رمزية من إذاعة برلين على ثلاث مراحل، فقد تم تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية، ولكننا لم نوافق على إلقاء الإذاعة الثالثة قبل الاطمئنان التام للوضع العسكري، فلما تردى هذا الوضع امتنعنا عن الإذاعة لثالث مرة خشية توريط الرجل (الملك فاروق)، وظل هذا الأمر سراً مكتوماً عن كل أحد، إلى أن احتل الحلفاء برلين، واستولى الأمريكون والإنكليز على أوراق وزارة الخارجية الألمانية ووثائقها، فاطلعوا على الحادث، وكان حينئذ الدبلوماسي المصري الذي حمل الرسالة إلى الملك فاروق، مستشاراً لسفارة مصر في واشنطن فصارح الأمريكون السلطات المصرية بالأمر، فسحبت مصر الرجل من وظيفته، وأعيد إلى القاهرة، ثم بعد ذلك نقل إلى السلك القضائي لأنه من رجال القانون.

كان هذا الحادث من الأسباب التي أثارت الإنكليز والأمريكيين على الملك فاروق، فبيّتوا له نية غادرة، وأخيراً تآمروا على خلعه، كما ازدادوا حنقاً علينا وتشدداً في مقاومتهم لنا، وقد اطلعت على تقرير لأحد الصهيونيين يحرض فيه كاتبه الدول الضالعة مع إسرائيل علينا.