مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 174

Normalized
transcript

من أهم الحوادث التي مرت بنا عندما كنا في ألمانيا صيف عام ١٩٤٣ حادث سقوط موسوليني في الأسر وسجنه في إيطاليا، ثم إنقاذه من الأسر على يد الضابط الألماني أوتو سكورزيني، بأمر من هتلر، وقيامه بعد ذلك بتأسيس جمهورية إيطالية في شمال إيطاليا، وقد سبق أن أشرت إلى هذا الحادث عرضاً في هذه المذكرات عندما كتبت عن وصولي إلى إيطاليا ومقابلتي لموسوليني، وإني أورد هنا بعض التفاصيل عن هذه الأحداث كما سجلتها في حينها في مذكراتي الخاصة.

لما وصلت روما عام ١٩٤١ وكان وصولي إليها مفاجأة، أنزلتني الحكومة الإيطالية في ضيافتها بفيلا «سكارلاتي» مدة يومين قبل سفري إلى برلين، ثم خصصت لإقامتنا في روما قصراً فخماً هو فيلا كولونا الشهير الذي تملكه إحدى الأسر الإيطالية العريقة، وكولونا بالإيطالية معناها (العمود). ولإطلاق هذا الاسم على القصر والأسرة قصة ترجع إلى عهد الحروب الصليبية، فقد كان أحد جدود هذه الأسرة من كبار قواد الجيوش الصليبية، وخلال وجوده بالقدس وزيارته المكان الذي حوكم فيه السيد المسيح عليه السلام في عهد بيلاطس شاهد فيه عموداً يقال أن السيد المسيح جلد عليه، فحرص القائد الصليبي على العمود وتولى نقله معه إلى روما حيث قدمه هدية إلى «البابا»، فكافأه البابا على ذلك بمنحه لقب «أمير كولونا» وورثت الأسرة منذ ذلك الحين هذا اللقب، وورثت معه نفوذاً عريضاً وثراء كبيراً.

وهذا المكان الذي حوكم فيه السيد المسيح في عهد الحكم الروماني عندما كان اليهود يطالبون بتسليمه إليهم لقتله أو صلبه، أصبح فيما بعد في عهد الحكم الإسلامي مدرسة وقفية يؤمها طلاب العلم من مختلف الأقطار، وهي واقعة في جوار الحرم القدسي الشريف وفي مكان مرتفع يشرف على المسجد الأقصى المبارك والقسم الأكبر من مدينة القدس. وبمرور الزمن وتعاقب الأحداث تهدمت بنيانها ودرس معظم آثارها، وفي أواخر عهد الدولة العثمانية أصبحت ثكنة عسكرية، فلما تألف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عام ١٩٢٠ وتولى شؤون المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية قام بعمارة هذا المكان الأثري التاريخي وحوله كما كان من قبل داراً للعلم، فاستقرت فيه كلية روضة المعارف الوطنية نحو ١٥ عاماً كانت خلالها معقلاً من معاقل القضية الوطنية الفلسطينية وملتقى رجالات العالمين العربي والإسلامي، وفي قاعة محاضراتها الفسيحة انعقد أول مؤتمر إسلامي عالمي لقضية فلسطين عام ١٩٣١ وغيره من المؤتمرات والاجتماعات الوطنية، ثم استولت عليه السلطة العسكرية البريطانية عام ١٩٣٨ واتخذته مركزاً عسكرياً لمقاومة المجاهدين الفلسطينيين داخل القدس القديمة.

English
translation

One of the most important incidents that occurred while we were in Germany in the summer of 1943 was Mussolini’s fall, his capture and imprisonment in Italy, and then his rescue from captivity by the German officer Otto Skorzeny on Hitler’s orders. He subsequently founded an Italian republic in northern Italy. I previously referred briefly to this incident in these memoirs when I wrote about arriving in Italy and meeting Mussolini. Here I give some details of these events as I recorded them at the time in my private memoirs.

When I reached Rome in 1941, my arrival being unexpected, the Italian government hosted me at Villa Scarlatti for two days before my departure for Berlin. It then designated for our stay in Rome a splendid palace, the famous Villa Colonna, owned by one of the old Italian families. Colonna means “column” in Italian. There is a story behind giving this name to the palace and the family, dating to the era of the Crusades. One of the family’s ancestors was a senior commander of the Crusader armies. During his presence in Jerusalem and his visit to the place where Jesus was tried under Pilate, he saw a column said to be the one on which Jesus was scourged. The Crusader commander took care of the column and transported it with him to Rome, where he presented it as a gift to the pope. The pope rewarded him by granting him the title “Prince Colonna,” and from then on the family inherited that title, along with broad influence and great wealth.

This place where Jesus was tried under Roman rule, when the Jews were demanding that he be handed over to them to be killed or crucified, later became under Islamic rule a waqf school attended by students of learning from various countries. It stands near the Noble Sanctuary in Jerusalem, on elevated ground overlooking al-Aqsa Mosque and most of the city of Jerusalem. Over time and through successive events, its buildings fell into ruin and most of its traces disappeared. At the end of the Ottoman period it became a military barracks. When the Supreme Muslim Sharia Council was formed in 1920 and took charge of the Sharia courts and Islamic endowments, it rebuilt this historic site and restored it as a house of learning. The national Rawdat al-Ma’arif College occupied it for about fifteen years. During that period it was one of the strongholds of the Palestinian national cause and a meeting place for leading figures from the Arab and Islamic worlds. Its spacious lecture hall hosted the first World Islamic Conference for the Palestine cause in 1931, along with other national conferences and meetings. The British military authority then seized it in 1938 and made it a military center for combating the Palestinian fighters inside the Old City of Jerusalem.

Analysis

This page begins a new section on Mussolini’s rescue by Otto Skorzeny and the author’s 1941 stay in Rome. It includes a Crusader-era origin story for the Colonna family and a history of the site later associated with Rawdat al-Ma’arif College, the 1931 World Islamic Conference, and British military use in 1938. The page preserves the source’s hostile account of Jews in the Gospel-era narrative and its political framing of Jerusalem institutions. The historical claims require independent verification.

Raw transcript

من أهم الحوادث التي مرت بنا عندما كنا في ألمانيا صيف عام ١٩٤٣ حادث سقوط موسوليني في الأسر وسجنه في إيطاليا، ثم إنقاذه من الأسر على يد الضابط الألماني أوتو سكورزيني، بأمر من هتلر، وقيامه بعد ذلك بتأسيس جمهورية إيطالية في شمال إيطاليا، وقد سبق أن أشرت إلى هذا الحادث عرضاً في هذه المذكرات عندما كتبت عن وصولي إلى إيطاليا ومقابلتي لموسوليني، وإني أورد هنا بعض التفاصيل عن هذه الأحداث كما سجلتها في حينها في مذكراتي الخاصة.

لما وصلت روما عام ١٩٤١ وكان وصولي إليها مفاجأة، أنزلتني الحكومة الإيطالية في ضيافتها بفيلا «سكارلاتي» مدة يومين قبل سفري إلى برلين، ثم خصصت لإقامتنا في روما قصراً فخماً هو فيلا كولونا الشهير الذي تملكه إحدى الأسر الإيطالية العريقة، وكولونا بالإيطالية معناها (العمود). ولإطلاق هذا الاسم على القصر والأسرة قصة ترجع إلى عهد الحروب الصليبية، فقد كان أحد جدود هذه الأسرة من كبار قواد الجيوش الصليبية، وخلال وجوده بالقدس وزيارته المكان الذي حوكم فيه السيد المسيح عليه السلام في عهد بيلاطس شاهد فيه عموداً يقال أن السيد المسيح جلد عليه، فحرص القائد الصليبي على العمود وتولى نقله معه إلى روما حيث قدمه هدية إلى «البابا»، فكافأه البابا على ذلك بمنحه لقب «أمير كولونا» وورثت الأسرة منذ ذلك الحين هذا اللقب، وورثت معه نفوذاً عريضاً وثراء كبيراً.

وهذا المكان الذي حوكم فيه السيد المسيح في عهد الحكم الروماني عندما كان اليهود يطالبون بتسليمه إليهم لقتله أو صلبه، أصبح فيما بعد في عهد الحكم الإسلامي مدرسة وقفية يؤمها طلاب العلم من مختلف الأقطار، وهي واقعة في جوار الحرم القدسي الشريف وفي مكان مرتفع يشرف على المسجد الأقصى المبارك والقسم الأكبر من مدينة القدس. وبمرور الزمن وتعاقب الأحداث تهدمت بنيانها ودرس معظم آثارها، وفي أواخر عهد الدولة العثمانية أصبحت ثكنة عسكرية، فلما تألف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عام ١٩٢٠ وتولى شؤون المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية قام بعمارة هذا المكان الأثري التاريخي وحوله كما كان من قبل داراً للعلم، فاستقرت فيه كلية روضة المعارف الوطنية نحو ١٥ عاماً كانت خلالها معقلاً من معاقل القضية الوطنية الفلسطينية وملتقى رجالات العالمين العربي والإسلامي، وفي قاعة محاضراتها الفسيحة انعقد أول مؤتمر إسلامي عالمي لقضية فلسطين عام ١٩٣١ وغيره من المؤتمرات والاجتماعات الوطنية، ثم استولت عليه السلطة العسكرية البريطانية عام ١٩٣٨ واتخذته مركزاً عسكرياً لمقاومة المجاهدين الفلسطينيين داخل القدس القديمة.