من أهم الحوادث التي مرت بنا عندما كنا في ألمانيا صيف عام ١٩٤٣ حادث سقوط موسوليني في الأسر وسجنه في إيطاليا، ثم إنقاذه من الأسر على يد الضابط الألماني أوتو سكورزيني، بأمر من هتلر، وقيامه بعد ذلك بتأسيس جمهورية إيطالية في شمال إيطاليا، وقد سبق أن أشرت إلى هذا الحادث عرضاً في هذه المذكرات عندما كتبت عن وصولي إلى إيطاليا ومقابلتي لموسوليني، وإني أورد هنا بعض التفاصيل عن هذه الأحداث كما سجلتها في حينها في مذكراتي الخاصة.
لما وصلت روما عام ١٩٤١ وكان وصولي إليها مفاجأة، أنزلتني الحكومة الإيطالية في ضيافتها بفيلا «سكارلاتي» مدة يومين قبل سفري إلى برلين، ثم خصصت لإقامتنا في روما قصراً فخماً هو فيلا كولونا الشهير الذي تملكه إحدى الأسر الإيطالية العريقة، وكولونا بالإيطالية معناها (العمود). ولإطلاق هذا الاسم على القصر والأسرة قصة ترجع إلى عهد الحروب الصليبية، فقد كان أحد جدود هذه الأسرة من كبار قواد الجيوش الصليبية، وخلال وجوده بالقدس وزيارته المكان الذي حوكم فيه السيد المسيح عليه السلام في عهد بيلاطس شاهد فيه عموداً يقال أن السيد المسيح جلد عليه، فحرص القائد الصليبي على العمود وتولى نقله معه إلى روما حيث قدمه هدية إلى «البابا»، فكافأه البابا على ذلك بمنحه لقب «أمير كولونا» وورثت الأسرة منذ ذلك الحين هذا اللقب، وورثت معه نفوذاً عريضاً وثراء كبيراً.
وهذا المكان الذي حوكم فيه السيد المسيح في عهد الحكم الروماني عندما كان اليهود يطالبون بتسليمه إليهم لقتله أو صلبه، أصبح فيما بعد في عهد الحكم الإسلامي مدرسة وقفية يؤمها طلاب العلم من مختلف الأقطار، وهي واقعة في جوار الحرم القدسي الشريف وفي مكان مرتفع يشرف على المسجد الأقصى المبارك والقسم الأكبر من مدينة القدس. وبمرور الزمن وتعاقب الأحداث تهدمت بنيانها ودرس معظم آثارها، وفي أواخر عهد الدولة العثمانية أصبحت ثكنة عسكرية، فلما تألف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عام ١٩٢٠ وتولى شؤون المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية قام بعمارة هذا المكان الأثري التاريخي وحوله كما كان من قبل داراً للعلم، فاستقرت فيه كلية روضة المعارف الوطنية نحو ١٥ عاماً كانت خلالها معقلاً من معاقل القضية الوطنية الفلسطينية وملتقى رجالات العالمين العربي والإسلامي، وفي قاعة محاضراتها الفسيحة انعقد أول مؤتمر إسلامي عالمي لقضية فلسطين عام ١٩٣١ وغيره من المؤتمرات والاجتماعات الوطنية، ثم استولت عليه السلطة العسكرية البريطانية عام ١٩٣٨ واتخذته مركزاً عسكرياً لمقاومة المجاهدين الفلسطينيين داخل القدس القديمة.