مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 187

Normalized
transcript

الفرصة والوسيلة لزيارة جميع أنحاء إندونيسيا قضينا شهر رمضان بكامله متجولين، ولقينا من عطف الإندونيسيين على قضية فلسطين ما أذهلنا، ومن عنايتهم باللغة العربية ومحبتهم للعرب ما أدهشنا، فمدارس الدولة كلها تعلم اللغة العربية، وكذلك جميع المدارس الأهلية، وهناك نحو ألف مدرسة مختصة بتعليم اللغة العربية والدين في جميع أنحاء البلاد، أما مدينة جوكجاكرتا وهي العاصمة الثقافية فإن فيها الجامعة الإسلامية، وهي التي تلقى الدروس فيها باللغة العربية.

ولقد تأثرنا كثيراً بروح الأخوة الإسلامية في إندونيسيا وما لمسناه من استعداد أهلها للتعاون الروحي والثقافي والاقتصادي والسياسي مع الأمة العربية، وتيقنا أن يعني، المسؤولون في الأمة العربية عناية كافية بالإفادة من هذه القوى العظيمة المؤثرة لا في إندونيسيا وحدها بل في سائر الأقطار الإسلامية، وقد أعرب عن ذلك الأستاذ فارس الخوري للدكتور محمد ناصر رئيس وزراء إندونيسيا الأسبق عندما دعاني في صيف ١٩٥٦ إلى مأدبة أقامها في بيته في بلودان تكريماً للدكتور محمد ناصر فقد أعجب الأستاذ فارس من معرفة الدكتور ناصر وثقافة الإندونيسيين للغة العربية وتحدث بهم بها وقولهم إن في إندونيسيا كثيراً من المدارس التي تعلم اللغة العربية وقال إن العرب يجب عليهم أن يفيدوا فائدة عظيمة من العالم الإسلامي ويعملوا جاهدين لتوثيق الروابط الأخوية بينهم وبين مسلمي العالم، وأن لهم في هذا فوائد عظيمة اقتصادية وثقافية وسياسية وغير ذلك، وقد سبق أن أشرت إلى هذا الحديث في موقع سابق من هذه المذكرات عندما أوضحت أن قضية فلسطين هي في أساسها قضية دينية قبل أن تكون قضية سياسية، وأن كبار أهل الرأي والفكر والوطنية من مواطنينا المسيحيين يقدرون دعم المسلمين لقضية فلسطين حق قدره ويحرصون عليه بأقوالهم وأقلامهم.

وتعود بي الذكرى أيام انعقاد مؤتمر باندونغ إلى ما كنا نعانيه في تلك السنوات من ضيق مادي رغم ما كان لنا في خزانة أمانة جامعة الدول العربية من مال وفير، فقد سبق أن تعهدت الجامعة في مؤتمر بلودان عام ١٩٤٦ للهيئة العربية العليا بموازنة سنوية قدرها مليونان من الجنيهات، فلما رجعنا من المنفى إلى القاهرة دفعت أمانة الجامعة للهيئة من تلك الموازنة ١٤٧ ألف جنيه، شرعت الهيئة تعد العدة للجهاد والكفاح وشراء السلاح، فأثار عملها هذا الأعداء المتربصين، وكان النفوذ الإنكليزي حينئذ قوياً جداً، فانقطع المال من الهيئة فجأة، فبادرنا بوضع خطة لجمع تبرعات شعبية وأرسلنا وفوداً لهذه الغاية إلى الأقطار العربية والإسلامية والمهاجر وجمعنا مبالغ وفيرة

English
translation

the opportunity and means to visit all parts of Indonesia. We spent the entire month of Ramadan traveling around and were astonished by the Indonesians’ sympathy for the Palestine cause, by their care for the Arabic language, and by their love for the Arabs. All the state schools teach Arabic, as do all the private schools. There are about one thousand schools throughout the country devoted to teaching Arabic and religion. As for the city of Yogyakarta, the cultural capital, it has an Islamic university where the lessons are taught in Arabic.

We were deeply affected by the spirit of Islamic brotherhood in Indonesia and by what we saw of its people’s readiness to cooperate spiritually, culturally, economically, and politically with the Arab nation. We became certain that the officials of the Arab nation should give sufficient attention to benefiting from these great and influential forces, not only in Indonesia but in all the Islamic countries. Professor Fares al-Khoury expressed this to Dr. Muhammad Natsir, the former prime minister of Indonesia, when he invited me in the summer of 1956 to a banquet at his home in Bloudan in honor of Dr. Muhammad Natsir. Professor Fares was impressed by Dr. Natsir’s knowledge and by the Indonesians’ learning of Arabic and speaking it. When they said that Indonesia had many schools teaching Arabic, he said that the Arabs should benefit greatly from the Islamic world and work diligently to strengthen the fraternal ties between them and the Muslims of the world, because this would bring them great economic, cultural, political, and other benefits. I previously referred to this conversation in an earlier place in these memoirs, when I explained that the Palestine cause is fundamentally a religious cause before it is a political one, and that the leading figures of opinion, thought, and patriotism among our Christian compatriots properly appreciate Muslim support for the Palestine cause and advocate it in their words and writings.

The memory of the days of the Bandung Conference brings me back to the material hardship we suffered in those years, despite the large amount of money held in the treasury of the Arab League Secretariat. At the Bloudan Conference in 1946, the League had previously pledged an annual budget of two million pounds to the Arab Higher Committee. When we returned from exile to Cairo, the League Secretariat paid the Committee 147,000 pounds from that budget. The Committee began preparing for jihad and struggle and purchasing weapons. This work provoked lurking enemies, and British influence was then very strong, so the Committee’s money suddenly stopped. We promptly devised a plan to collect popular donations and sent delegations for this purpose to the Arab and Islamic countries and to the diaspora, and we collected abundant sums

Analysis

This page continues the Indonesian account with descriptions of Arabic education, Islamic solidarity, and a 1956 conversation involving Fares al-Khoury and Muhammad Natsir. It then turns to the Arab Higher Committee’s finances, British influence, popular donations, and the Committee’s claim that funds were withheld. The page is especially significant for the author’s account of organizational financing and his argument that colonial powers sought to replace the Committee with more compliant actors. These are memoir claims and require independent verification. The financial narrative continues onto page 188.

Raw transcript

الفرصة والوسيلة لزيارة جميع أنحاء إندونيسيا قضينا شهر رمضان بكامله متجولين، ولقينا من عطف الإندونيسيين على قضية فلسطين ما أذهلنا، ومن عنايتهم باللغة العربية ومحبتهم للعرب ما أدهشنا، فمدارس الدولة كلها تعلم اللغة العربية، وكذلك جميع المدارس الأهلية، وهناك نحو ألف مدرسة مختصة بتعليم اللغة العربية والدين في جميع أنحاء البلاد، أما مدينة جوكجاكرتا وهي العاصمة الثقافية فإن فيها الجامعة الإسلامية، وهي التي تلقى الدروس فيها باللغة العربية.

ولقد تأثرنا كثيراً بروح الأخوة الإسلامية في إندونيسيا وما لمسناه من استعداد أهلها للتعاون الروحي والثقافي والاقتصادي والسياسي مع الأمة العربية، وتيقنا أن يعني، المسؤولون في الأمة العربية عناية كافية بالإفادة من هذه القوى العظيمة المؤثرة لا في إندونيسيا وحدها بل في سائر الأقطار الإسلامية، وقد أعرب عن ذلك الأستاذ فارس الخوري للدكتور محمد ناصر رئيس وزراء إندونيسيا الأسبق عندما دعاني في صيف ١٩٥٦ إلى مأدبة أقامها في بيته في بلودان تكريماً للدكتور محمد ناصر فقد أعجب الأستاذ فارس من معرفة الدكتور ناصر وثقافة الإندونيسيين للغة العربية وتحدث بهم بها وقولهم إن في إندونيسيا كثيراً من المدارس التي تعلم اللغة العربية وقال إن العرب يجب عليهم أن يفيدوا فائدة عظيمة من العالم الإسلامي ويعملوا جاهدين لتوثيق الروابط الأخوية بينهم وبين مسلمي العالم، وأن لهم في هذا فوائد عظيمة اقتصادية وثقافية وسياسية وغير ذلك، وقد سبق أن أشرت إلى هذا الحديث في موقع سابق من هذه المذكرات عندما أوضحت أن قضية فلسطين هي في أساسها قضية دينية قبل أن تكون قضية سياسية، وأن كبار أهل الرأي والفكر والوطنية من مواطنينا المسيحيين يقدرون دعم المسلمين لقضية فلسطين حق قدره ويحرصون عليه بأقوالهم وأقلامهم.

وتعود بي الذكرى أيام انعقاد مؤتمر باندونغ إلى ما كنا نعانيه في تلك السنوات من ضيق مادي رغم ما كان لنا في خزانة أمانة جامعة الدول العربية من مال وفير، فقد سبق أن تعهدت الجامعة في مؤتمر بلودان عام ١٩٤٦ للهيئة العربية العليا بموازنة سنوية قدرها مليونان من الجنيهات، فلما رجعنا من المنفى إلى القاهرة دفعت أمانة الجامعة للهيئة من تلك الموازنة ١٤٧ ألف جنيه، شرعت الهيئة تعد العدة للجهاد والكفاح وشراء السلاح، فأثار عملها هذا الأعداء المتربصين، وكان النفوذ الإنكليزي حينئذ قوياً جداً، فانقطع المال من الهيئة فجأة، فبادرنا بوضع خطة لجمع تبرعات شعبية وأرسلنا وفوداً لهذه الغاية إلى الأقطار العربية والإسلامية والمهاجر وجمعنا مبالغ وفيرة