الفرصة والوسيلة لزيارة جميع أنحاء إندونيسيا قضينا شهر رمضان بكامله متجولين، ولقينا من عطف الإندونيسيين على قضية فلسطين ما أذهلنا، ومن عنايتهم باللغة العربية ومحبتهم للعرب ما أدهشنا، فمدارس الدولة كلها تعلم اللغة العربية، وكذلك جميع المدارس الأهلية، وهناك نحو ألف مدرسة مختصة بتعليم اللغة العربية والدين في جميع أنحاء البلاد، أما مدينة جوكجاكرتا وهي العاصمة الثقافية فإن فيها الجامعة الإسلامية، وهي التي تلقى الدروس فيها باللغة العربية.
ولقد تأثرنا كثيراً بروح الأخوة الإسلامية في إندونيسيا وما لمسناه من استعداد أهلها للتعاون الروحي والثقافي والاقتصادي والسياسي مع الأمة العربية، وتيقنا أن يعني، المسؤولون في الأمة العربية عناية كافية بالإفادة من هذه القوى العظيمة المؤثرة لا في إندونيسيا وحدها بل في سائر الأقطار الإسلامية، وقد أعرب عن ذلك الأستاذ فارس الخوري للدكتور محمد ناصر رئيس وزراء إندونيسيا الأسبق عندما دعاني في صيف ١٩٥٦ إلى مأدبة أقامها في بيته في بلودان تكريماً للدكتور محمد ناصر فقد أعجب الأستاذ فارس من معرفة الدكتور ناصر وثقافة الإندونيسيين للغة العربية وتحدث بهم بها وقولهم إن في إندونيسيا كثيراً من المدارس التي تعلم اللغة العربية وقال إن العرب يجب عليهم أن يفيدوا فائدة عظيمة من العالم الإسلامي ويعملوا جاهدين لتوثيق الروابط الأخوية بينهم وبين مسلمي العالم، وأن لهم في هذا فوائد عظيمة اقتصادية وثقافية وسياسية وغير ذلك، وقد سبق أن أشرت إلى هذا الحديث في موقع سابق من هذه المذكرات عندما أوضحت أن قضية فلسطين هي في أساسها قضية دينية قبل أن تكون قضية سياسية، وأن كبار أهل الرأي والفكر والوطنية من مواطنينا المسيحيين يقدرون دعم المسلمين لقضية فلسطين حق قدره ويحرصون عليه بأقوالهم وأقلامهم.
وتعود بي الذكرى أيام انعقاد مؤتمر باندونغ إلى ما كنا نعانيه في تلك السنوات من ضيق مادي رغم ما كان لنا في خزانة أمانة جامعة الدول العربية من مال وفير، فقد سبق أن تعهدت الجامعة في مؤتمر بلودان عام ١٩٤٦ للهيئة العربية العليا بموازنة سنوية قدرها مليونان من الجنيهات، فلما رجعنا من المنفى إلى القاهرة دفعت أمانة الجامعة للهيئة من تلك الموازنة ١٤٧ ألف جنيه، شرعت الهيئة تعد العدة للجهاد والكفاح وشراء السلاح، فأثار عملها هذا الأعداء المتربصين، وكان النفوذ الإنكليزي حينئذ قوياً جداً، فانقطع المال من الهيئة فجأة، فبادرنا بوضع خطة لجمع تبرعات شعبية وأرسلنا وفوداً لهذه الغاية إلى الأقطار العربية والإسلامية والمهاجر وجمعنا مبالغ وفيرة