وأخذت تلك الأموال ترد من تلك الأقطار ومن المهاجرين العرب في الأقطار الأميركية، إلى الهلال الأحمر في كل من القاهرة ودمشق، فوضعت الحكومتان المصرية والسورية في ذلك الحين أيديهما على المال وحولناه لأمانة الجامعة، وهذه منعته عنا، حتى وقعت الهيئة العربية في ضيق شديد أرغمها على إغلاق كثير من مكاتبها وفروعها، وتسريح عدد كبير من العاملين فيها حتى أننا من أجل أن نتمكن من السفر إلى مؤتمر باندونغ اقترضنا نفقات السفر من بعض الأصدقاء، مع أن الأموال التي جمعتها الهيئة كانت مرصودة باسمها في أمانة الجامعة.
جرى كل هذا لأن الحكومة البريطانية كانت تعتقد أن لا سبيل لخضوع الشعب الفلسطيني واستسلامه عن القتال ما دام لدى الهيئة العربية شيء من المال، ولأن التجارب الطويلة برهنت على أن الهيئة لا تلين لها قناة، ولا تؤخذ بأية رهبة أو رغبة ولذلك يجب إبعادها عن تولي قضية فلسطين، وتسليم زمام هذه القضية إلى من يخضع ويلين ويجاري السياسة الاستعمارية في رغبتها وتنفيذ مخططاتها.
وقد كشف النقاب عن هذا المخطط أخيراً مستر مايلز كوبلاند أحد موظفي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في كتابه المسمى (لعبة الشعوب) الذي سجل فيه على الدولة الأميركية كيف تقوم بقلب الأوضاع، وإزالة الأشخاص الذين لا يرضخون لسياستها وتستبدل بهم أشخاصاً آخرين يخضعون لسياستها وينفذون رغباتها في كثير من الأقطار، ولا ريب في أن معظم ما كانت الهيئة العربية العليا لفلسطين عرضة له من متاعب واضطهادات يرجع السبب فيه إلى تمسكها بمبادئها وعدم استعدادها لخيانة القضية الفلسطينية والتفريط في حقوق شعبها.
الهجرة اليهودية إلى فلسطين:
أشرت في موقع سابق من هذه المذكرات، إلى المحاولة الخطرة التي قامت بها اليهودية العالمية، خلال الحرب العالمية الثانية، لتهجير يهود شرق أوروبا والأقطار الأوروبية الأخرى التي كانت واقعة تحت النفوذ الألماني، إلى فلسطين، ومقاومتنا لهذه المحاولة وإحباطها، ووعدت بأن أورد تفصيل ذلك ونصوص بعض الكتب المتبادلة حولها، وصورها الفوتوغرافية في مكان آخر من هذه المذكرات.
وفيما يلي إيضاح لبعض ما قمنا به من المساعي الحثيثة لإحباط تلك المحاولة، التي أوليناها حينئذ نصيباً كبيراً من الاهتمام، لأنها كانت تستغرق بلادنا بطوفان من مهاجري اليهود في ذلك الحين: