الشهيد الدكتور مصطفى الوكيل:
في أواخر أيامنا في المانيا، فجعنا بفقد الدكتور مصطفى الوكيل رحمه الله. ولا أذكر أني جزعت لوفاة أحد كما جزعت لفقد شهيدين فذين كانا متشابهين في كثير من الصفات والمزايا النادرة، هما الدكتور مصطفى الوكيل الذي استشهد في برلين يوم ٤ آذار عام ١٩٤٥، والسيد عبد القادر الحسيني الذي استشهد في القسطل يوم ٨ نيسان عام ١٩٤٨.
قضى مصطفى الوكيل شهيداً كريماً من شهداء الأمة العربية، بعدما كان مجاهداً عظيماً من مجاهديها وكانت حياته الغالية القصيرة شعلة وهاجة من المبادئ الشريفة، وقبساً من نور الإيمان، وقدوة صالحة للشبان الناشئين والرجال العاملين، ومثلاً حياً للوطنية الصادقة ونكران الذات في سبيل المجموع، والإيثار والفداء في سبيل المبادئ القويمة والمثل العليا وكل من عرف الشهيد الفقيد استهوته هذه الصورة الحية من صور الإيمان والفداء والبسالة والخلق الكريم.
عرفت الفقيد الشهيد مصطفى الوكيل عندما قدم بغداد عام ١٩٤٠ للتدريس في دار المعلمين العليا، وكان يحمل إلي رسالة تعريف من الأستاذ أحمد حسين رئيس جماعة مصر الفتاة، فأبلغني بتواضع عظيم، وحياء جم، إنه يجند نفسه في سبيل الله وسبيل الإسلام وفلسطين والعروبة وكان يزورني حيناً بعد حين فتناول أحاديثنا القضايا العربية والإسلامية، فوجدت فيه عقلاً راجحاً وعلماً ناضجاً وحماسة متوقدة وإنكاراً للذات قل نظيره في هذا العصر المادي الذي بلغ التكالب فيه على المادة حداً ضاعت عنده القيم الروحية والفضائل الخلقية، وكان مرتبه الشهري من دار المعلمين العليا نصفاً مقسماً يرسل نصفه كاملاً إلى جماعة «مصر الفتاة» التي ينتمي إليها في مصر، ويوزع شطراً منه على جمعية «الهداية الإسلامية» في بغداد، وعلى «منظمة الفتوة» العراقية، وعلى شؤون القضية الفلسطينية، ويعيش بالقليل الباقي!.
فلما نشبت الثورة العراقية في ربيع عام ١٩٤١ انتهز الإنكليز الذين كانوا قد أعدوا عدتهم لاحتلال العراق واتخاذه قاعدة لهم في الحرب (كما أورد ذلك تشرشل في مذكراته) تطوع الفقيد مصطفى لقتال الإنكليز دفعاً لعدوانهم على العراق والتحق بكتيبة المجاهدين الفلسطينيين بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني، ولما انتهت المعركة وخرج من العراق عدد من أحرار العراقيين والفلسطينيين والسوريين وغيرهم ممن كانوا عرضة لنقمة السلطات البريطانية وعملائها، خرج الفقيد مع زملائه من مجاهدي