مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 203

Normalized
transcript

الشهيد الدكتور مصطفى الوكيل:

في أواخر أيامنا في المانيا، فجعنا بفقد الدكتور مصطفى الوكيل رحمه الله. ولا أذكر أني جزعت لوفاة أحد كما جزعت لفقد شهيدين فذين كانا متشابهين في كثير من الصفات والمزايا النادرة، هما الدكتور مصطفى الوكيل الذي استشهد في برلين يوم ٤ آذار عام ١٩٤٥، والسيد عبد القادر الحسيني الذي استشهد في القسطل يوم ٨ نيسان عام ١٩٤٨.

قضى مصطفى الوكيل شهيداً كريماً من شهداء الأمة العربية، بعدما كان مجاهداً عظيماً من مجاهديها وكانت حياته الغالية القصيرة شعلة وهاجة من المبادئ الشريفة، وقبساً من نور الإيمان، وقدوة صالحة للشبان الناشئين والرجال العاملين، ومثلاً حياً للوطنية الصادقة ونكران الذات في سبيل المجموع، والإيثار والفداء في سبيل المبادئ القويمة والمثل العليا وكل من عرف الشهيد الفقيد استهوته هذه الصورة الحية من صور الإيمان والفداء والبسالة والخلق الكريم.

عرفت الفقيد الشهيد مصطفى الوكيل عندما قدم بغداد عام ١٩٤٠ للتدريس في دار المعلمين العليا، وكان يحمل إلي رسالة تعريف من الأستاذ أحمد حسين رئيس جماعة مصر الفتاة، فأبلغني بتواضع عظيم، وحياء جم، إنه يجند نفسه في سبيل الله وسبيل الإسلام وفلسطين والعروبة وكان يزورني حيناً بعد حين فتناول أحاديثنا القضايا العربية والإسلامية، فوجدت فيه عقلاً راجحاً وعلماً ناضجاً وحماسة متوقدة وإنكاراً للذات قل نظيره في هذا العصر المادي الذي بلغ التكالب فيه على المادة حداً ضاعت عنده القيم الروحية والفضائل الخلقية، وكان مرتبه الشهري من دار المعلمين العليا نصفاً مقسماً يرسل نصفه كاملاً إلى جماعة «مصر الفتاة» التي ينتمي إليها في مصر، ويوزع شطراً منه على جمعية «الهداية الإسلامية» في بغداد، وعلى «منظمة الفتوة» العراقية، وعلى شؤون القضية الفلسطينية، ويعيش بالقليل الباقي!.

فلما نشبت الثورة العراقية في ربيع عام ١٩٤١ انتهز الإنكليز الذين كانوا قد أعدوا عدتهم لاحتلال العراق واتخاذه قاعدة لهم في الحرب (كما أورد ذلك تشرشل في مذكراته) تطوع الفقيد مصطفى لقتال الإنكليز دفعاً لعدوانهم على العراق والتحق بكتيبة المجاهدين الفلسطينيين بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني، ولما انتهت المعركة وخرج من العراق عدد من أحرار العراقيين والفلسطينيين والسوريين وغيرهم ممن كانوا عرضة لنقمة السلطات البريطانية وعملائها، خرج الفقيد مع زملائه من مجاهدي

English
translation

The martyr Dr. Mustafa al-Wakil

In the final days of our time in Germany, we were devastated by the loss of Dr. Mustafa al-Wakil, may God have mercy on him. I do not remember grieving the death of anyone as I grieved the loss of two outstanding martyrs who resembled each other in many rare qualities and virtues: Dr. Mustafa al-Wakil, martyred in Berlin on 4 March 1945, and Sayyid Abd al-Qadir al-Husayni, martyred at al-Qastal on 8 April 1948.

Mustafa al-Wakil died a noble martyr among the martyrs of the Arab nation after having been a great fighter among its fighters. His short and precious life was a blazing flame of honorable principles, a ray of the light of faith, a good example for young people and working men, and a living model of sincere patriotism, self-denial for the collective good, and sacrifice for sound principles and high ideals. Everyone who knew the departed martyr was captivated by this living image of faith, sacrifice, courage, and noble character.

I came to know the departed martyr Mustafa al-Wakil when he arrived in Baghdad in 1940 to teach at the Higher Teachers’ College. He carried an introduction from Professor Ahmad Husayn, head of the Young Egypt group. With great humility and intense modesty, he told me that he was dedicating himself to the service of God, Islam, Palestine, and Arabism. He visited me from time to time, and our discussions concerned Arab and Islamic causes. I found in him a sound mind, mature knowledge, burning enthusiasm, and self-denial rare in this material age, in which the struggle for material things had reached a point where spiritual values and moral virtues were lost. His monthly salary from the Higher Teachers’ College was divided in half: he sent one half in full to the Young Egypt group to which he belonged in Egypt, and distributed part of the other half to the Islamic Guidance Society in Baghdad, the Iraqi Futuwwa Organization, and the Palestine cause, living on what little remained.

When the Iraqi revolt broke out in the spring of 1941, the English, who had prepared to occupy Iraq and use it as a base in the war, as Churchill recorded in his memoirs, seized the opportunity. The departed Mustafa volunteered to fight the English to repel their aggression against Iraq and joined the Palestinian fighters’ battalion led by the martyr Abd al-Qadir al-Husayni. When the battle ended and a number of free Iraqis, Palestinians, Syrians, and others who were exposed to the anger of the British authorities and their agents left Iraq, the departed man left with his fellow Palestinian fighters for

Analysis

This page is a memorial portrait of Mustafa al-Wakil, including his death in Berlin, his work in Baghdad, the 1941 Iraqi revolt, his service in Germany, and the author’s account of his work for Egyptian and Islamic interests. It attributes diplomatic and humanitarian actions to him, including the 1942 German-Italian declaration, rescue of the Zamzam passengers, and missions involving Albania and Bosnia. The page is especially significant as self-authored memory and praise of a close collaborator who carried a Ribbentrop letter to King Farouk. These are memoir claims and require independent verification. The final sentence continues onto page 204, whose transcript repeats much of the page.

Raw transcript

الشهيد الدكتور مصطفى الوكيل:

في أواخر أيامنا في المانيا، فجعنا بفقد الدكتور مصطفى الوكيل رحمه الله. ولا أذكر أني جزعت لوفاة أحد كما جزعت لفقد شهيدين فذين كانا متشابهين في كثير من الصفات والمزايا النادرة، هما الدكتور مصطفى الوكيل الذي استشهد في برلين يوم ٤ آذار عام ١٩٤٥، والسيد عبد القادر الحسيني الذي استشهد في القسطل يوم ٨ نيسان عام ١٩٤٨.

قضى مصطفى الوكيل شهيداً كريماً من شهداء الأمة العربية، بعدما كان مجاهداً عظيماً من مجاهديها وكانت حياته الغالية القصيرة شعلة وهاجة من المبادئ الشريفة، وقبساً من نور الإيمان، وقدوة صالحة للشبان الناشئين والرجال العاملين، ومثلاً حياً للوطنية الصادقة ونكران الذات في سبيل المجموع، والإيثار والفداء في سبيل المبادئ القويمة والمثل العليا وكل من عرف الشهيد الفقيد استهوته هذه الصورة الحية من صور الإيمان والفداء والبسالة والخلق الكريم.

عرفت الفقيد الشهيد مصطفى الوكيل عندما قدم بغداد عام ١٩٤٠ للتدريس في دار المعلمين العليا، وكان يحمل إلي رسالة تعريف من الأستاذ أحمد حسين رئيس جماعة مصر الفتاة، فأبلغني بتواضع عظيم، وحياء جم، إنه يجند نفسه في سبيل الله وسبيل الإسلام وفلسطين والعروبة وكان يزورني حيناً بعد حين فتناول أحاديثنا القضايا العربية والإسلامية، فوجدت فيه عقلاً راجحاً وعلماً ناضجاً وحماسة متوقدة وإنكاراً للذات قل نظيره في هذا العصر المادي الذي بلغ التكالب فيه على المادة حداً ضاعت عنده القيم الروحية والفضائل الخلقية، وكان مرتبه الشهري من دار المعلمين العليا نصفاً مقسماً يرسل نصفه كاملاً إلى جماعة «مصر الفتاة» التي ينتمي إليها في مصر، ويوزع شطراً منه على جمعية «الهداية الإسلامية» في بغداد، وعلى «منظمة الفتوة» العراقية، وعلى شؤون القضية الفلسطينية، ويعيش بالقليل الباقي!.

فلما نشبت الثورة العراقية في ربيع عام ١٩٤١ انتهز الإنكليز الذين كانوا قد أعدوا عدتهم لاحتلال العراق واتخاذه قاعدة لهم في الحرب (كما أورد ذلك تشرشل في مذكراته) تطوع الفقيد مصطفى لقتال الإنكليز دفعاً لعدوانهم على العراق والتحق بكتيبة المجاهدين الفلسطينيين بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني، ولما انتهت المعركة وخرج من العراق عدد من أحرار العراقيين والفلسطينيين والسوريين وغيرهم ممن كانوا عرضة لنقمة السلطات البريطانية وعملائها، خرج الفقيد مع زملائه من مجاهدي