فلسطين إلى سورية فتركيا، ومنها إلى المانيا، وقد أتيح لي خلال إقامتنا بالمانيا أن أزداد معرفة به، وتجربة واختباراً له، فما زادني تلك الأيام على شدتها وصعوبتها إلا إعجاباً به وقدراً لأخلاقه التي من أجلها شجاعته وزهده وإنكاره لنفسه، وكنت أرى فيه مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه الشاب العربي المسلم من الأخلاق الفاضلة والتربية العالية.
وكان الفقيد خلال مدة الحرب موفور النشاط دائماً على العمل لخدمة المصالح العربية والإسلامية عامة، والمصرية خاصة، ومن أعظم الخدمات التي أداها لوطنه مصر، وكان له الفضل الكبير فيها، التصريح المشترك الذي صدر عن المانيا وإيطاليا عام ١٩٤٢ بالاعتراف باستقلال مصر، ومطالبة دول المحور بأن لا تقوم الطائرات الألمانية والإيطالية بقصف المدن المصرية بالقنابل، وكذلك في مساعدتنا المشتركة لإنقاذ ركاب الباخرة المصرية «زمزم» وملاحيها من الأسر والعناية بهم وبغيرهم من الأسرى، وبعدد كبير من الجاليات العربية والإسلامية في المانيا، وقام برحلات عديدة شاقة، إلى تركيا والبانيا وبعض العواصم الأوروبية في سبيل خدمة مصر والأقطار الإسلامية، وعندما أخذت العصابات الصربية تعيث فساداً في بلاد البوسنة وتمعن في أهلها المسلمين قتلاً وذبحاً حتى بلغ عدد القتلى منهم نحو مئتي ألف نسمة، أصر الفقيد على التطوع في صفوف المدافعين عن مسلمي البوسنة، ولكني كلفته بالسفر إلى البانيا للمشاركة في إعلان استقلالها ولتأليف فرقة عسكرية فيها للدفاع عن مسلمي البانيا، وهناك استقبله رئيس الدولة الالبانية مهدي بك فراشيري وأنزله في بيته تكريماً له. وقد رفض الفقيد طيلة وجوده في المانيا أن يأخذ مخصصات الرجل السياسي وهي أربعة أمثال المخصصات العادية وكان يكتفي بمخصصات الرجل العادي.
لقد كان كثير العمل، كبير القدر، وكان في الوقت نفسه عزوفاً عن قبول أية مادة حتى كأنه المتنبي يقول عنترة:
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
وقد أشرت في مكان سابق من هذه المذكرات إلى المهمة التي اضطلع بها الفقيد عند سفره من المانيا إلى استانبول حاملاً رسالة من فونشتال ريبنتروب وزير خارجية المانيا لإيصالها إلى الملك فاروق، وكان الفقيد يعمل معي في برلين طيلة النهار وشطراً من الليل، فلما اشتدت الغارات الجوية على برلين لم يكن يلجأ إلى المخبأ بل يمكث في مكانه لا يتحرج ويقول: (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). فكثيراً ما كان عرضة للموت لهذا الاستخفاف. ولما هدم البيت الذي كنا نقيم به في برلين لثالث مرة