مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 204

Normalized
transcript

فلسطين إلى سورية فتركيا، ومنها إلى المانيا، وقد أتيح لي خلال إقامتنا بالمانيا أن أزداد معرفة به، وتجربة واختباراً له، فما زادني تلك الأيام على شدتها وصعوبتها إلا إعجاباً به وقدراً لأخلاقه التي من أجلها شجاعته وزهده وإنكاره لنفسه، وكنت أرى فيه مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه الشاب العربي المسلم من الأخلاق الفاضلة والتربية العالية.

وكان الفقيد خلال مدة الحرب موفور النشاط دائماً على العمل لخدمة المصالح العربية والإسلامية عامة، والمصرية خاصة، ومن أعظم الخدمات التي أداها لوطنه مصر، وكان له الفضل الكبير فيها، التصريح المشترك الذي صدر عن المانيا وإيطاليا عام ١٩٤٢ بالاعتراف باستقلال مصر، ومطالبة دول المحور بأن لا تقوم الطائرات الألمانية والإيطالية بقصف المدن المصرية بالقنابل، وكذلك في مساعدتنا المشتركة لإنقاذ ركاب الباخرة المصرية «زمزم» وملاحيها من الأسر والعناية بهم وبغيرهم من الأسرى، وبعدد كبير من الجاليات العربية والإسلامية في المانيا، وقام برحلات عديدة شاقة، إلى تركيا والبانيا وبعض العواصم الأوروبية في سبيل خدمة مصر والأقطار الإسلامية، وعندما أخذت العصابات الصربية تعيث فساداً في بلاد البوسنة وتمعن في أهلها المسلمين قتلاً وذبحاً حتى بلغ عدد القتلى منهم نحو مئتي ألف نسمة، أصر الفقيد على التطوع في صفوف المدافعين عن مسلمي البوسنة، ولكني كلفته بالسفر إلى البانيا للمشاركة في إعلان استقلالها ولتأليف فرقة عسكرية فيها للدفاع عن مسلمي البانيا، وهناك استقبله رئيس الدولة الالبانية مهدي بك فراشيري وأنزله في بيته تكريماً له. وقد رفض الفقيد طيلة وجوده في المانيا أن يأخذ مخصصات الرجل السياسي وهي أربعة أمثال المخصصات العادية وكان يكتفي بمخصصات الرجل العادي.

لقد كان كثير العمل، كبير القدر، وكان في الوقت نفسه عزوفاً عن قبول أية مادة حتى كأنه المتنبي يقول عنترة:

أغشى الوغى وأعف عند المغنم

وقد أشرت في مكان سابق من هذه المذكرات إلى المهمة التي اضطلع بها الفقيد عند سفره من المانيا إلى استانبول حاملاً رسالة من فونشتال ريبنتروب وزير خارجية المانيا لإيصالها إلى الملك فاروق، وكان الفقيد يعمل معي في برلين طيلة النهار وشطراً من الليل، فلما اشتدت الغارات الجوية على برلين لم يكن يلجأ إلى المخبأ بل يمكث في مكانه لا يتحرج ويقول: (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). فكثيراً ما كان عرضة للموت لهذا الاستخفاف. ولما هدم البيت الذي كنا نقيم به في برلين لثالث مرة

English
translation

Palestine, then Turkey, and from there Germany. During our stay in Germany I had the opportunity to know him better and to test and evaluate him. Those days, despite their severity and difficulty, only increased my admiration for him and my appreciation of the qualities behind his courage, asceticism, and self-denial. I saw in him an example of what a young Arab Muslim should be in virtue and elevated training.

Throughout the war the departed man was always active in working for Arab and Islamic interests in general and Egyptian interests in particular. Among the greatest services he performed for Egypt, in which he played a major role, was the joint declaration issued by Germany and Italy in 1942 recognizing Egypt’s independence and asking the Axis powers not to have German and Italian aircraft bomb Egyptian cities. He also helped us jointly to rescue the passengers and crew of the Egyptian ship Zamzam from captivity and care for them and other prisoners, as well as many Arab and Islamic communities in Germany. He undertook many difficult journeys to Turkey, Albania, and several European capitals in service of Egypt and the Islamic countries. When Serbian gangs began spreading corruption in Bosnia and killing and slaughtering its Muslims until their dead numbered about 200,000, the departed man insisted on volunteering among those defending Bosnia’s Muslims. I instead assigned him to travel to Albania to participate in declaring its independence and form a military unit there to defend Albania’s Muslims. The Albanian head of state, Mehdi Bey Frashëri, received him and lodged him in his home in his honor. Throughout his stay in Germany, the departed man refused to take the political figure’s allowance, four times the ordinary allowance, and limited himself to the ordinary man’s allowance.

He was a man of great work and stature, while at the same time avoiding the acceptance of material things, as though the poet al-Mutanabbi were saying of Antarah:

“I enter the battle and remain abstinent when spoils are taken.”

I referred earlier in these memoirs to the mission the departed man undertook when he traveled from Germany to Istanbul carrying a letter from von Ribbentrop, the German foreign minister, to deliver to King Farouk. He worked with me in Berlin all day and part of the night. When the air raids on Berlin intensified, he did not seek the shelter, but stayed where he was without concern, saying: “Nothing will befall us except what God has decreed.” He was often exposed to death because of this disregard. When the house where we lived in Berlin was destroyed for the third time

Analysis

This page repeats the middle and closing sections of the Mustafa al-Wakil memorial from page 203 and remains open after the third destruction of the Berlin house. The overlap is retained and documented for later witness reconciliation.

Raw transcript

فلسطين إلى سورية فتركيا، ومنها إلى المانيا، وقد أتيح لي خلال إقامتنا بالمانيا أن أزداد معرفة به، وتجربة واختباراً له، فما زادني تلك الأيام على شدتها وصعوبتها إلا إعجاباً به وقدراً لأخلاقه التي من أجلها شجاعته وزهده وإنكاره لنفسه، وكنت أرى فيه مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه الشاب العربي المسلم من الأخلاق الفاضلة والتربية العالية.

وكان الفقيد خلال مدة الحرب موفور النشاط دائماً على العمل لخدمة المصالح العربية والإسلامية عامة، والمصرية خاصة، ومن أعظم الخدمات التي أداها لوطنه مصر، وكان له الفضل الكبير فيها، التصريح المشترك الذي صدر عن المانيا وإيطاليا عام ١٩٤٢ بالاعتراف باستقلال مصر، ومطالبة دول المحور بأن لا تقوم الطائرات الألمانية والإيطالية بقصف المدن المصرية بالقنابل، وكذلك في مساعدتنا المشتركة لإنقاذ ركاب الباخرة المصرية «زمزم» وملاحيها من الأسر والعناية بهم وبغيرهم من الأسرى، وبعدد كبير من الجاليات العربية والإسلامية في المانيا، وقام برحلات عديدة شاقة، إلى تركيا والبانيا وبعض العواصم الأوروبية في سبيل خدمة مصر والأقطار الإسلامية، وعندما أخذت العصابات الصربية تعيث فساداً في بلاد البوسنة وتمعن في أهلها المسلمين قتلاً وذبحاً حتى بلغ عدد القتلى منهم نحو مئتي ألف نسمة، أصر الفقيد على التطوع في صفوف المدافعين عن مسلمي البوسنة، ولكني كلفته بالسفر إلى البانيا للمشاركة في إعلان استقلالها ولتأليف فرقة عسكرية فيها للدفاع عن مسلمي البانيا، وهناك استقبله رئيس الدولة الالبانية مهدي بك فراشيري وأنزله في بيته تكريماً له. وقد رفض الفقيد طيلة وجوده في المانيا أن يأخذ مخصصات الرجل السياسي وهي أربعة أمثال المخصصات العادية وكان يكتفي بمخصصات الرجل العادي.

لقد كان كثير العمل، كبير القدر، وكان في الوقت نفسه عزوفاً عن قبول أية مادة حتى كأنه المتنبي يقول عنترة:

أغشى الوغى وأعف عند المغنم

وقد أشرت في مكان سابق من هذه المذكرات إلى المهمة التي اضطلع بها الفقيد عند سفره من المانيا إلى استانبول حاملاً رسالة من فونشتال ريبنتروب وزير خارجية المانيا لإيصالها إلى الملك فاروق، وكان الفقيد يعمل معي في برلين طيلة النهار وشطراً من الليل، فلما اشتدت الغارات الجوية على برلين لم يكن يلجأ إلى المخبأ بل يمكث في مكانه لا يتحرج ويقول: (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). فكثيراً ما كان عرضة للموت لهذا الاستخفاف. ولما هدم البيت الذي كنا نقيم به في برلين لثالث مرة