وضاقت برلين على سكانها بما رحبت ولم يبق فيها مكان لم يهدم أو يتصدع، طلبت منا الحكومة الالمانية أن ننتقل منها إلى قرية «ساوة» على بعد سبعين ميلاً من العاصمة، ثم انتقلنا منها إلى «أوبين» في ساكسونيا على مقربة من حدود تشيكوسلوفاكيا وأقمنا بها مع إخواننا وفي مقدمتهم الفقيد وأخذنا نتردد على برلين مرة في الأسبوع نقيم بها بضعة أيام للعمل على إخراج من فيها من إخواننا العرب والمسلمين، واتخذنا من «المعهد الإسلامي» مكتباً لنا وأخذ إخواننا يتناوبون العمل فيه أسبوعياً ومن جملتهم الدكتور الوكيل، لكنه كان كلما ذهب لا يعود بعد انقضاء نوبته الأسبوعية إلا بالجهد، وبعد أن أطلبه بالتلفون مراراً، وكثيراً ما كان يقول لي: أرجو أن لا تضيع علي فرصة مشاهدة المعارك حين تنشب في برلين نفسها بين الالمان والروس لدراسة «حرب الشوارع» التي قد نحتاج إليها في بلادنا.
وفي ليلة ٤ آذار ١٩٤٥ أغارت على برلين طائرة إنكليزية واحدة على غير العادة وألقت قنبلة واحدة أيضاً مصوبة خصيصاً على «المعهد الإسلامي» حيث كان الفقيد فيه، فسقطت على بعد عشرة أمتار منه، وكانت قنبلة هواء مضغوط، فدمرت البناء تدميراً كاملاً ونال الفقيد الشهادة التي كان يتوق إليها وطالما سعى لها. فلما بلغنا الخبر وكنا في «بادغشتاين» بادر كل من السيدين الدكتور معروف الدواليبي (رئيس وزراء سورية فيما بعد) والأستاذ محمد اسحق درويش عضو الهيئة العربية العليا لفلسطين والدكتور سميح الموصللي من كرام إخواننا السوريين بالسفر إلى برلين للقيام بواجبات تكفينه والصلاة عليه ودفنه ثم تبعتهم بعد ذلك، وتم دفنه في المقبرة الإسلامية التي كانت للدولة العثمانية، ومن غرائب الصدف أن كان ضريحه بجانب ضريح مجاهد كبير مثله هو المرحوم الحاج نافع شبلي أحد فضلاء مدينة حلب ومؤسس المعهد الإسلامي في برلين، ذلك المعهد الذي كان فقيدنا الدكتور الوكيل آخر من تولى العمل فيه.
وبعد فإن الفقيد الدكتور مصطفى الوكيل كان فذاً نادر المثال في الرجال، وقد بهرت أخلاقه ومزاياه كبار الرجال من الألمان فقد حدثني أحدهم مرة في برلين قائلاً: «إن الدكتور الوكيل لا نظير له في خلقه وعقله وفضله وروح الفداء فيه، وما كنا نعتقد أن البلاد الشرقية تنجب مثل هذا الشاب الذي يندر وجود مثله في أرقى الأمم».
وقد تم نقل جثمان الفقيد من المانيا إلى القاهرة عام ١٩٥٤ حيث جرى له استقبال عند وصوله بالطائرة يوم ٢٢ رمضان ١٣٧٣ (٢٥ أيار ١٩٥٤) وبعد يومين من وصوله شيع جثمانه بموكب حافل في أرض مصر وطنه العزيز بعد أن ظل بعيداً عنه