مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 205

Normalized
transcript

وضاقت برلين على سكانها بما رحبت ولم يبق فيها مكان لم يهدم أو يتصدع، طلبت منا الحكومة الالمانية أن ننتقل منها إلى قرية «ساوة» على بعد سبعين ميلاً من العاصمة، ثم انتقلنا منها إلى «أوبين» في ساكسونيا على مقربة من حدود تشيكوسلوفاكيا وأقمنا بها مع إخواننا وفي مقدمتهم الفقيد وأخذنا نتردد على برلين مرة في الأسبوع نقيم بها بضعة أيام للعمل على إخراج من فيها من إخواننا العرب والمسلمين، واتخذنا من «المعهد الإسلامي» مكتباً لنا وأخذ إخواننا يتناوبون العمل فيه أسبوعياً ومن جملتهم الدكتور الوكيل، لكنه كان كلما ذهب لا يعود بعد انقضاء نوبته الأسبوعية إلا بالجهد، وبعد أن أطلبه بالتلفون مراراً، وكثيراً ما كان يقول لي: أرجو أن لا تضيع علي فرصة مشاهدة المعارك حين تنشب في برلين نفسها بين الالمان والروس لدراسة «حرب الشوارع» التي قد نحتاج إليها في بلادنا.

وفي ليلة ٤ آذار ١٩٤٥ أغارت على برلين طائرة إنكليزية واحدة على غير العادة وألقت قنبلة واحدة أيضاً مصوبة خصيصاً على «المعهد الإسلامي» حيث كان الفقيد فيه، فسقطت على بعد عشرة أمتار منه، وكانت قنبلة هواء مضغوط، فدمرت البناء تدميراً كاملاً ونال الفقيد الشهادة التي كان يتوق إليها وطالما سعى لها. فلما بلغنا الخبر وكنا في «بادغشتاين» بادر كل من السيدين الدكتور معروف الدواليبي (رئيس وزراء سورية فيما بعد) والأستاذ محمد اسحق درويش عضو الهيئة العربية العليا لفلسطين والدكتور سميح الموصللي من كرام إخواننا السوريين بالسفر إلى برلين للقيام بواجبات تكفينه والصلاة عليه ودفنه ثم تبعتهم بعد ذلك، وتم دفنه في المقبرة الإسلامية التي كانت للدولة العثمانية، ومن غرائب الصدف أن كان ضريحه بجانب ضريح مجاهد كبير مثله هو المرحوم الحاج نافع شبلي أحد فضلاء مدينة حلب ومؤسس المعهد الإسلامي في برلين، ذلك المعهد الذي كان فقيدنا الدكتور الوكيل آخر من تولى العمل فيه.

وبعد فإن الفقيد الدكتور مصطفى الوكيل كان فذاً نادر المثال في الرجال، وقد بهرت أخلاقه ومزاياه كبار الرجال من الألمان فقد حدثني أحدهم مرة في برلين قائلاً: «إن الدكتور الوكيل لا نظير له في خلقه وعقله وفضله وروح الفداء فيه، وما كنا نعتقد أن البلاد الشرقية تنجب مثل هذا الشاب الذي يندر وجود مثله في أرقى الأمم».

وقد تم نقل جثمان الفقيد من المانيا إلى القاهرة عام ١٩٥٤ حيث جرى له استقبال عند وصوله بالطائرة يوم ٢٢ رمضان ١٣٧٣ (٢٥ أيار ١٩٥٤) وبعد يومين من وصوله شيع جثمانه بموكب حافل في أرض مصر وطنه العزيز بعد أن ظل بعيداً عنه

English
translation

Berlin became too narrow for its inhabitants, and no place remained that had not been destroyed or damaged. The German government asked us to move from it to the village of Sawa, seventy miles from the capital. We then moved from there to Obin in Saxony, near the border of Czechoslovakia, and stayed there with our colleagues, foremost among them the deceased. We traveled to Berlin once a week and stayed there for several days to work on evacuating the Arab and Muslim colleagues who were there. We made the Islamic Institute our office, and our colleagues took turns working there each week, including Dr. al-Wakil. But whenever he went, he did not return when his weekly turn ended except with difficulty and only after I telephoned him repeatedly. He often said to me: “I hope I do not lose the opportunity to watch the battles when they break out in Berlin itself between the Germans and the Russians, so that I can study street warfare, which we may need in our countries.”

On the night of 4 March 1945, an English aircraft attacked Berlin, unusually a single aircraft that dropped a single bomb, specifically aimed at the Islamic Institute where the deceased was. It fell ten meters from him. It was a compressed-air bomb, and it completely destroyed the building. The deceased received the martyrdom he longed for and had long sought. When we received the news while we were in Bad Gastein, Dr. Ma‘ruf al-Dawalibi, later prime minister of Syria, Professor Muhammad Ishaq Darwish, a member of the Arab Higher Committee for Palestine, and Dr. Samih al-Mawsili, one of our honored Syrian colleagues, immediately traveled to Berlin to perform the duties of shrouding him, praying over him, and burying him. I followed them afterward. He was buried in the Islamic cemetery that had belonged to the Ottoman state. By a strange coincidence, his grave was beside that of another great fighter, the late Hajj Nafi‘ Shibli, one of the leading men of Aleppo and founder of the Islamic Institute in Berlin, the institute in which our departed Dr. al-Wakil was the last person to work.

The departed Dr. Mustafa al-Wakil was an exceptional and rare man. His character and qualities impressed leading German men. One of them told me in Berlin: “Dr. al-Wakil has no equal in character, intelligence, merit, or spirit of sacrifice. We did not believe that the eastern countries could produce a young man like this, whose equal is rare even among the most advanced nations.”

The deceased’s body was transferred from Germany to Cairo in 1954. A reception was held when it arrived by air on 22 Ramadan 1373, 25 May 1954. Two days after his arrival, his body was carried in a large procession through Egypt, his beloved homeland, after he had remained away from it in Germany

Analysis

This page completes the Mustafa al-Wakil memorial with the destruction of the Berlin Islamic Institute, his burial, posthumous praise, and the 1954 Cairo procession. It then opens a new section listing the author’s meetings with Muslim, Arab, Asian, and European figures and begins an account of Amanullah Khan. The page is especially significant as a personal memorial and network register linking wartime Berlin, Arab political activity, and Islamic internationalism. The latter sections repeat on page 206.

Raw transcript

وضاقت برلين على سكانها بما رحبت ولم يبق فيها مكان لم يهدم أو يتصدع، طلبت منا الحكومة الالمانية أن ننتقل منها إلى قرية «ساوة» على بعد سبعين ميلاً من العاصمة، ثم انتقلنا منها إلى «أوبين» في ساكسونيا على مقربة من حدود تشيكوسلوفاكيا وأقمنا بها مع إخواننا وفي مقدمتهم الفقيد وأخذنا نتردد على برلين مرة في الأسبوع نقيم بها بضعة أيام للعمل على إخراج من فيها من إخواننا العرب والمسلمين، واتخذنا من «المعهد الإسلامي» مكتباً لنا وأخذ إخواننا يتناوبون العمل فيه أسبوعياً ومن جملتهم الدكتور الوكيل، لكنه كان كلما ذهب لا يعود بعد انقضاء نوبته الأسبوعية إلا بالجهد، وبعد أن أطلبه بالتلفون مراراً، وكثيراً ما كان يقول لي: أرجو أن لا تضيع علي فرصة مشاهدة المعارك حين تنشب في برلين نفسها بين الالمان والروس لدراسة «حرب الشوارع» التي قد نحتاج إليها في بلادنا.

وفي ليلة ٤ آذار ١٩٤٥ أغارت على برلين طائرة إنكليزية واحدة على غير العادة وألقت قنبلة واحدة أيضاً مصوبة خصيصاً على «المعهد الإسلامي» حيث كان الفقيد فيه، فسقطت على بعد عشرة أمتار منه، وكانت قنبلة هواء مضغوط، فدمرت البناء تدميراً كاملاً ونال الفقيد الشهادة التي كان يتوق إليها وطالما سعى لها. فلما بلغنا الخبر وكنا في «بادغشتاين» بادر كل من السيدين الدكتور معروف الدواليبي (رئيس وزراء سورية فيما بعد) والأستاذ محمد اسحق درويش عضو الهيئة العربية العليا لفلسطين والدكتور سميح الموصللي من كرام إخواننا السوريين بالسفر إلى برلين للقيام بواجبات تكفينه والصلاة عليه ودفنه ثم تبعتهم بعد ذلك، وتم دفنه في المقبرة الإسلامية التي كانت للدولة العثمانية، ومن غرائب الصدف أن كان ضريحه بجانب ضريح مجاهد كبير مثله هو المرحوم الحاج نافع شبلي أحد فضلاء مدينة حلب ومؤسس المعهد الإسلامي في برلين، ذلك المعهد الذي كان فقيدنا الدكتور الوكيل آخر من تولى العمل فيه.

وبعد فإن الفقيد الدكتور مصطفى الوكيل كان فذاً نادر المثال في الرجال، وقد بهرت أخلاقه ومزاياه كبار الرجال من الألمان فقد حدثني أحدهم مرة في برلين قائلاً: «إن الدكتور الوكيل لا نظير له في خلقه وعقله وفضله وروح الفداء فيه، وما كنا نعتقد أن البلاد الشرقية تنجب مثل هذا الشاب الذي يندر وجود مثله في أرقى الأمم».

وقد تم نقل جثمان الفقيد من المانيا إلى القاهرة عام ١٩٥٤ حيث جرى له استقبال عند وصوله بالطائرة يوم ٢٢ رمضان ١٣٧٣ (٢٥ أيار ١٩٥٤) وبعد يومين من وصوله شيع جثمانه بموكب حافل في أرض مصر وطنه العزيز بعد أن ظل بعيداً عنه