مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 209

Normalized
transcript

عن هذا اللقاء والاجتماعات فيما سيتقدم من هذه المذكرات إن شاء الله.

لقيت في ألمانيا العميد (البيرالاي) كمال بك اوخري من رئاسة أركان حرب مصطفى كمال باشا (أتاتورك) خلال حرب الاستقلال في تركيا، فروى لي كثيراً من الحوادث التي شهدها بنفسه، وشارك فيها بشخصه، وقد جلا حديثه كثيراً من الغموض الذي أحاط بتاريخ تلك الأحداث الخطيرة، التي بلبلت الآراء في العالم الإسلامي، وأصابت المسلمين بصدمة كبرى في سائر الأقطار.

لقد أكد لي أن مصطفى كمال لم يكن عدواً للإسلام، ولا خطر بباله أن يناقض الخلافة الإسلامية أو يعمل على إلغائها، وإن لم يكن متديناً أو متمسكاً بالتقاليد الدينية لكن ذلك العمل إنما تم منه بضغط شديد عليه من الأعداء. ونظراً إلى أهمية هذا الموضوع فسأورد خلاصة عما علمته من كمال بك اوخري وسواه من الخبراء عن هذا الرجل الذي كانت له صلة وثقى بالأحداث التي وقعت في هذه المنطقة من العالم.

لقد حدثني القائد العسكري رضا باشا الركابي - الذي تولى عدة مناصب في العهد العثماني ثم صار حاكماً عسكرياً لسورية في العهد الفيصلي القصير الأمد، وتولى بعدئذ رئاسة الوزارة الأردنية في عهد (الأمير) عبد الله بن الحسين - إنه لما كان قائداً عسكرياً لموقع القدس عند إعلان الدستور العثماني عام ١٩٠٨، كان مصطفى كمال ضابطاً تحت قيادته، وأنه كان ذكياً ونشطاً، لكنه كان يخرج أحياناً على الانضباط العسكري.

وبمضي الوقت تولى مصطفى كمال مهام عسكرية عديدة في مناطق مختلفة من بلاد الدولة العثمانية، أبدى فيها براعة وكفاءة عسكرية، وكان من أبرزها اشتراكه في معارك الدردنيل «جناق قلعة» في الحرب العالمية الأولى، ولم يلبث أن تولى قيادة منطقة «الانافارطه» التي تعتبر من أهم جبهات الحرب في الدردنيل، وأدار معاركها إدارة عسكرية بارعة، فأمر جميع الضباط التابعين لقيادته أن يتقدموا جنودهم في اقتحام خطوط الأعداء، وقام بهجمات عديدة حاسمة على خنادق الإنكليز، فزعزع صفوفهم وأوقع فيهم الخسائر الفادحة، وكان ذلك من الأسباب التي أرغمت قوات الحلفاء على الانسحاب بأسطولهم القوي من جبهة الدردنيل كلها، وبذلك لمع نجمه وعلا ذكره، ثم تطورت الحرب وألقت بكلكلها على كاهل الدولة العثمانية، واشترك مصطفى كمال في جبهة فلسطين قائداً لأحد الجيوش في مجابهة قوات الجنرال اللنبي عام ١٩١٨.

English
translation

about this meeting and the discussions later in these memoirs, God willing.

In Germany I met Brigadier General Kemal Bey Okhri of Mustafa Kemal Pasha (Atatürk)’s general staff during the Turkish War of Independence. He recounted many incidents he had personally witnessed and taken part in. His account clarified much of the obscurity surrounding the history of those dangerous events, which confused opinion in the Islamic world and struck Muslims with a major shock throughout the countries.

He assured me that Mustafa Kemal was not an enemy of Islam and had never intended to oppose or abolish the Islamic caliphate, although he was not religious or attached to religious traditions. That act was carried out under intense pressure from enemies. Because of the importance of this subject, I will present a summary of what I learned from Kemal Bey Okhri and other experts about this man, who was closely connected to the events that occurred in this region of the world.

The military commander Rida Pasha al-Rikabi, who held several positions under the Ottoman regime, later became military governor of Syria during the short-lived Faisal period, and afterward prime minister of Jordan during the rule of Emir Abdullah ibn al-Husayn, told me that when he was military commander of Jerusalem at the proclamation of the Ottoman constitution in 1908, Mustafa Kemal was an officer under his command. He was intelligent and active, but sometimes violated military discipline.

Over time Mustafa Kemal held many military posts in different areas of the Ottoman state and showed military skill and competence. Among the most prominent was his participation in the Dardanelles battles, Çanakkale, in the First World War. He soon took command of the Anafarta area, one of the most important fronts in the Dardanelles war, and managed its battles with great military skill. He ordered all officers under his command to advance ahead of their soldiers in storming the enemy lines and launched many decisive attacks on the English trenches, disrupting their ranks and inflicting heavy losses. This was among the reasons that forced the Allied forces to withdraw their powerful fleet from the entire Dardanelles front. His star then rose and his fame grew. As the war developed and placed its full burden on the Ottoman state, Mustafa Kemal served on the Palestine front as commander of one of the armies facing General Allenby’s forces in 1918.

Analysis

This page presents the author’s account of Mustafa Kemal’s military career, his role in the Dardanelles and Palestine fronts, the Ottoman defeat, and the beginning of the Turkish War of Independence. It frames Mustafa Kemal as pressured by enemies rather than opposed to Islam and emphasizes military competence, Anatolian resistance, and anti-Allied struggle. The page is especially significant because it records a retrospective defense of Mustafa Kemal’s relationship to the caliphate and the author’s use of Ottoman and Islamic political memory. The Lloyd George sentence continues into page 210, whose transcript repeats much of the page.

Raw transcript

عن هذا اللقاء والاجتماعات فيما سيتقدم من هذه المذكرات إن شاء الله.

لقيت في ألمانيا العميد (البيرالاي) كمال بك اوخري من رئاسة أركان حرب مصطفى كمال باشا (أتاتورك) خلال حرب الاستقلال في تركيا، فروى لي كثيراً من الحوادث التي شهدها بنفسه، وشارك فيها بشخصه، وقد جلا حديثه كثيراً من الغموض الذي أحاط بتاريخ تلك الأحداث الخطيرة، التي بلبلت الآراء في العالم الإسلامي، وأصابت المسلمين بصدمة كبرى في سائر الأقطار.

لقد أكد لي أن مصطفى كمال لم يكن عدواً للإسلام، ولا خطر بباله أن يناقض الخلافة الإسلامية أو يعمل على إلغائها، وإن لم يكن متديناً أو متمسكاً بالتقاليد الدينية لكن ذلك العمل إنما تم منه بضغط شديد عليه من الأعداء. ونظراً إلى أهمية هذا الموضوع فسأورد خلاصة عما علمته من كمال بك اوخري وسواه من الخبراء عن هذا الرجل الذي كانت له صلة وثقى بالأحداث التي وقعت في هذه المنطقة من العالم.

لقد حدثني القائد العسكري رضا باشا الركابي - الذي تولى عدة مناصب في العهد العثماني ثم صار حاكماً عسكرياً لسورية في العهد الفيصلي القصير الأمد، وتولى بعدئذ رئاسة الوزارة الأردنية في عهد (الأمير) عبد الله بن الحسين - إنه لما كان قائداً عسكرياً لموقع القدس عند إعلان الدستور العثماني عام ١٩٠٨، كان مصطفى كمال ضابطاً تحت قيادته، وأنه كان ذكياً ونشطاً، لكنه كان يخرج أحياناً على الانضباط العسكري.

وبمضي الوقت تولى مصطفى كمال مهام عسكرية عديدة في مناطق مختلفة من بلاد الدولة العثمانية، أبدى فيها براعة وكفاءة عسكرية، وكان من أبرزها اشتراكه في معارك الدردنيل «جناق قلعة» في الحرب العالمية الأولى، ولم يلبث أن تولى قيادة منطقة «الانافارطه» التي تعتبر من أهم جبهات الحرب في الدردنيل، وأدار معاركها إدارة عسكرية بارعة، فأمر جميع الضباط التابعين لقيادته أن يتقدموا جنودهم في اقتحام خطوط الأعداء، وقام بهجمات عديدة حاسمة على خنادق الإنكليز، فزعزع صفوفهم وأوقع فيهم الخسائر الفادحة، وكان ذلك من الأسباب التي أرغمت قوات الحلفاء على الانسحاب بأسطولهم القوي من جبهة الدردنيل كلها، وبذلك لمع نجمه وعلا ذكره، ثم تطورت الحرب وألقت بكلكلها على كاهل الدولة العثمانية، واشترك مصطفى كمال في جبهة فلسطين قائداً لأحد الجيوش في مجابهة قوات الجنرال اللنبي عام ١٩١٨.