عن هذا اللقاء والاجتماعات فيما سيتقدم من هذه المذكرات إن شاء الله.
لقيت في ألمانيا العميد (البيرالاي) كمال بك اوخري من رئاسة أركان حرب مصطفى كمال باشا (أتاتورك) خلال حرب الاستقلال في تركيا، فروى لي كثيراً من الحوادث التي شهدها بنفسه، وشارك فيها بشخصه، وقد جلا حديثه كثيراً من الغموض الذي أحاط بتاريخ تلك الأحداث الخطيرة، التي بلبلت الآراء في العالم الإسلامي، وأصابت المسلمين بصدمة كبرى في سائر الأقطار.
لقد أكد لي أن مصطفى كمال لم يكن عدواً للإسلام، ولا خطر بباله أن يناقض الخلافة الإسلامية أو يعمل على إلغائها، وإن لم يكن متديناً أو متمسكاً بالتقاليد الدينية لكن ذلك العمل إنما تم منه بضغط شديد عليه من الأعداء. ونظراً إلى أهمية هذا الموضوع فسأورد خلاصة عما علمته من كمال بك اوخري وسواه من الخبراء عن هذا الرجل الذي كانت له صلة وثقى بالأحداث التي وقعت في هذه المنطقة من العالم.
لقد حدثني القائد العسكري رضا باشا الركابي - الذي تولى عدة مناصب في العهد العثماني ثم صار حاكماً عسكرياً لسورية في العهد الفيصلي القصير الأمد، وتولى بعدئذ رئاسة الوزارة الأردنية في عهد (الأمير) عبد الله بن الحسين - إنه لما كان قائداً عسكرياً لموقع القدس عند إعلان الدستور العثماني عام ١٩٠٨، كان مصطفى كمال ضابطاً تحت قيادته، وأنه كان ذكياً ونشطاً، لكنه كان يخرج أحياناً على الانضباط العسكري.
وبمضي الوقت تولى مصطفى كمال مهام عسكرية عديدة في مناطق مختلفة من بلاد الدولة العثمانية، أبدى فيها براعة وكفاءة عسكرية، وكان من أبرزها اشتراكه في معارك الدردنيل «جناق قلعة» في الحرب العالمية الأولى، ولم يلبث أن تولى قيادة منطقة «الانافارطه» التي تعتبر من أهم جبهات الحرب في الدردنيل، وأدار معاركها إدارة عسكرية بارعة، فأمر جميع الضباط التابعين لقيادته أن يتقدموا جنودهم في اقتحام خطوط الأعداء، وقام بهجمات عديدة حاسمة على خنادق الإنكليز، فزعزع صفوفهم وأوقع فيهم الخسائر الفادحة، وكان ذلك من الأسباب التي أرغمت قوات الحلفاء على الانسحاب بأسطولهم القوي من جبهة الدردنيل كلها، وبذلك لمع نجمه وعلا ذكره، ثم تطورت الحرب وألقت بكلكلها على كاهل الدولة العثمانية، واشترك مصطفى كمال في جبهة فلسطين قائداً لأحد الجيوش في مجابهة قوات الجنرال اللنبي عام ١٩١٨.