مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 210

Normalized
transcript

وعاد مصطفى كمال في أواخر الحرب إلى استانبول، دار الخلافة، يتجرع مرارة الهزيمة كغيره من القادة، فقد انتصر الحلفاء في تلك الحرب العالمية، وتمزقت الدولة العثمانية، واحتلت جيوش الحلفاء معظم أملاكها، وكانت قوات الحلفاء التي حملتها أساطيلهم إلى بحر مرمرة قد احتلت استانبول، واحتل الفرنسيون منطقة كليكيا، والإيطاليون منطقة أنطاليا، وسمح الحلفاء لليونان باحتلال منطقة أزمير وأيدين، فكان مصطفى كمال يزور قصر السلطان وحيد الدين حيناً بعد حين، وقد حدثني إحسان بك الجابري - الذي كان رئيس الديوان السلطاني حينئذ - أن مصطفى كمال كان يرجو منه مرة بعد أخرى أن يرفع إلى السلطان استعداده لإنقاذ الوضع المتردي في تركيا، ويؤكد لإحسان بك أنه يستطيع ذلك ومستعد له، وكان يضرب المائدة بيده مردداً قوله: «والله يا بارم، قسماً إنه يستطيع ذلك»، ويكرر قائلاً: «أرجوك أن تعرض لمولانا السلطان أني أستطيع أن أفعل ذلك». وكان إحسان بك يقوم بإبلاغ السلطان طلبه مرة بعد أخرى، وأخيراً قرر السلطان تعيينه مفتشاً عاماً للجيش في الأناضول، وأعطاه أيضاً عشرين ألف دينار ذهباً يستعين بها على عمله.

بادر مصطفى كمال بلم شمل الجيش، فجمع شمله الممزق، وحشد صفوفه وقطاعاته المبعثرة، وبث روح الأمل في نفوس أهل الأناضول، ولم تكن محاولته سهلة لأن الحروب الضارية لم تترك في البلاد حقلاً ولا حافراً، ولا أية وسيلة من وسائل النقل، فحشد النساء لنقل المؤن والعتاد في عربات خشبية صغيرة، يجررنها بأيديهن إلى مراكز الجنود وخنادقهم، وضرب الجيش اليوناني ضربات ساحقة في «اسكيشهرا» و«اين اونو» في ولايتي أزمير وأيدين، وصمد للجيش الفرنسي في كليكيا، ونظم المقاومة وحرب العصابات في سائر البلاد التي احتلتها جنود الأعداء، واستطاع طرد معظم القوات المحتلة، وبدأ يجني ثمار جهوده، وأنشأ مجلساً نيابياً في الأناضول، وكان يعاونه كبار القواد، مثل عصمت باشا، وكاظم قرة بكر باشا ورافعت باشا، وبذلك عادت تركيا إلى الحياة، وتنسمت نسيم الحرية والأمل، بفضل استماتة شعبها وبطولته، وقيادته العظيم في حرب الاستقلال.

قلقت دول الحلفاء ولاسيما بريطانيا من الحركة الكمالية، وانبعاث تركيا من جديد وعودتها إلى الحياة والنشاط، بعد أن كانت على شفا جرف هار من التمزق والاضمحلال، وقررت الحكومة البريطانية استئناف الحرب مرة أخرى لإخضاع الأتراك، وطلب لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا حينئذ من مجلس العموم البريطاني أن يوافق على ميزانية عسكرية ضخمة لاستئناف الحرب ومساعدة اليونان على تجريد

English
translation

Mustafa Kemal returned to Istanbul, the seat of the caliphate, at the end of the war, tasting defeat like the other commanders. The Allies had won the war, the Ottoman state was torn apart, and Allied armies occupied most of its possessions. Allied forces carried by their fleets to the Sea of Marmara occupied Istanbul. The French occupied Cilicia, the Italians Antalya, and the Allies allowed Greece to occupy Izmir and Aydin. Mustafa Kemal visited Sultan Vahideddin’s palace from time to time. Ihsan Bey al-Jabri, then head of the imperial court, told me that Mustafa Kemal repeatedly asked him to convey to the sultan that he was ready to save Turkey’s deteriorating situation and assured Ihsan Bey that he could and was ready to do it. He struck the table with his hand, repeating: “By God, O Baram, I swear that he can do it,” and repeatedly said: “Please tell our lord the sultan that I can do it.” Ihsan Bey conveyed his request to the sultan again and again. Finally the sultan decided to appoint him inspector-general of the army in Anatolia and gave him twenty thousand gold dinars to assist in his work.

Mustafa Kemal immediately began reunifying the army, gathering its shattered forces and scattered units and spreading hope among the people of Anatolia. His attempt was not easy, because the fierce wars had left the country without a field, a plow, or any means of transport. He mobilized women to carry provisions and equipment in small wooden carts, pulling them by hand to the soldiers’ positions and trenches. He dealt the Greek army crushing blows at Eskişehir and İnönü in the provinces of Izmir and Aydin, stood firm against the French army in Cilicia, organized resistance and guerrilla warfare throughout the lands occupied by enemy troops, expelled most of the occupying forces, and began to reap the fruits of his efforts. He established a representative assembly in Anatolia, assisted by senior commanders such as İsmet Pasha, Kâzim Karabekir Pasha, and Rauf Pasha. In this way Turkey returned to life and breathed the air of freedom and hope through the perseverance and heroism of its people and the great leadership of the War of Independence.

The Allied states, especially Britain, became alarmed at the Kemalist movement and Turkey’s revival and return to life and activity after it had stood on the brink of disintegration and collapse. The British government decided to resume the war to subdue the Turks. Lloyd George, then British prime minister, asked the British House of Commons to approve a huge military budget to resume the war and assist Greece in disarming

Analysis

This page repeats the Mustafa Kemal and Turkish War of Independence passages from page 209 and remains open in the Lloyd George account. The overlap is retained and documented for later witness reconciliation.

Raw transcript

وعاد مصطفى كمال في أواخر الحرب إلى استانبول، دار الخلافة، يتجرع مرارة الهزيمة كغيره من القادة، فقد انتصر الحلفاء في تلك الحرب العالمية، وتمزقت الدولة العثمانية، واحتلت جيوش الحلفاء معظم أملاكها، وكانت قوات الحلفاء التي حملتها أساطيلهم إلى بحر مرمرة قد احتلت استانبول، واحتل الفرنسيون منطقة كليكيا، والإيطاليون منطقة أنطاليا، وسمح الحلفاء لليونان باحتلال منطقة أزمير وأيدين، فكان مصطفى كمال يزور قصر السلطان وحيد الدين حيناً بعد حين، وقد حدثني إحسان بك الجابري - الذي كان رئيس الديوان السلطاني حينئذ - أن مصطفى كمال كان يرجو منه مرة بعد أخرى أن يرفع إلى السلطان استعداده لإنقاذ الوضع المتردي في تركيا، ويؤكد لإحسان بك أنه يستطيع ذلك ومستعد له، وكان يضرب المائدة بيده مردداً قوله: «والله يا بارم، قسماً إنه يستطيع ذلك»، ويكرر قائلاً: «أرجوك أن تعرض لمولانا السلطان أني أستطيع أن أفعل ذلك». وكان إحسان بك يقوم بإبلاغ السلطان طلبه مرة بعد أخرى، وأخيراً قرر السلطان تعيينه مفتشاً عاماً للجيش في الأناضول، وأعطاه أيضاً عشرين ألف دينار ذهباً يستعين بها على عمله.

بادر مصطفى كمال بلم شمل الجيش، فجمع شمله الممزق، وحشد صفوفه وقطاعاته المبعثرة، وبث روح الأمل في نفوس أهل الأناضول، ولم تكن محاولته سهلة لأن الحروب الضارية لم تترك في البلاد حقلاً ولا حافراً، ولا أية وسيلة من وسائل النقل، فحشد النساء لنقل المؤن والعتاد في عربات خشبية صغيرة، يجررنها بأيديهن إلى مراكز الجنود وخنادقهم، وضرب الجيش اليوناني ضربات ساحقة في «اسكيشهرا» و«اين اونو» في ولايتي أزمير وأيدين، وصمد للجيش الفرنسي في كليكيا، ونظم المقاومة وحرب العصابات في سائر البلاد التي احتلتها جنود الأعداء، واستطاع طرد معظم القوات المحتلة، وبدأ يجني ثمار جهوده، وأنشأ مجلساً نيابياً في الأناضول، وكان يعاونه كبار القواد، مثل عصمت باشا، وكاظم قرة بكر باشا ورافعت باشا، وبذلك عادت تركيا إلى الحياة، وتنسمت نسيم الحرية والأمل، بفضل استماتة شعبها وبطولته، وقيادته العظيم في حرب الاستقلال.

قلقت دول الحلفاء ولاسيما بريطانيا من الحركة الكمالية، وانبعاث تركيا من جديد وعودتها إلى الحياة والنشاط، بعد أن كانت على شفا جرف هار من التمزق والاضمحلال، وقررت الحكومة البريطانية استئناف الحرب مرة أخرى لإخضاع الأتراك، وطلب لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا حينئذ من مجلس العموم البريطاني أن يوافق على ميزانية عسكرية ضخمة لاستئناف الحرب ومساعدة اليونان على تجريد