وعاد مصطفى كمال في أواخر الحرب إلى استانبول، دار الخلافة، يتجرع مرارة الهزيمة كغيره من القادة، فقد انتصر الحلفاء في تلك الحرب العالمية، وتمزقت الدولة العثمانية، واحتلت جيوش الحلفاء معظم أملاكها، وكانت قوات الحلفاء التي حملتها أساطيلهم إلى بحر مرمرة قد احتلت استانبول، واحتل الفرنسيون منطقة كليكيا، والإيطاليون منطقة أنطاليا، وسمح الحلفاء لليونان باحتلال منطقة أزمير وأيدين، فكان مصطفى كمال يزور قصر السلطان وحيد الدين حيناً بعد حين، وقد حدثني إحسان بك الجابري - الذي كان رئيس الديوان السلطاني حينئذ - أن مصطفى كمال كان يرجو منه مرة بعد أخرى أن يرفع إلى السلطان استعداده لإنقاذ الوضع المتردي في تركيا، ويؤكد لإحسان بك أنه يستطيع ذلك ومستعد له، وكان يضرب المائدة بيده مردداً قوله: «والله يا بارم، قسماً إنه يستطيع ذلك»، ويكرر قائلاً: «أرجوك أن تعرض لمولانا السلطان أني أستطيع أن أفعل ذلك». وكان إحسان بك يقوم بإبلاغ السلطان طلبه مرة بعد أخرى، وأخيراً قرر السلطان تعيينه مفتشاً عاماً للجيش في الأناضول، وأعطاه أيضاً عشرين ألف دينار ذهباً يستعين بها على عمله.
بادر مصطفى كمال بلم شمل الجيش، فجمع شمله الممزق، وحشد صفوفه وقطاعاته المبعثرة، وبث روح الأمل في نفوس أهل الأناضول، ولم تكن محاولته سهلة لأن الحروب الضارية لم تترك في البلاد حقلاً ولا حافراً، ولا أية وسيلة من وسائل النقل، فحشد النساء لنقل المؤن والعتاد في عربات خشبية صغيرة، يجررنها بأيديهن إلى مراكز الجنود وخنادقهم، وضرب الجيش اليوناني ضربات ساحقة في «اسكيشهرا» و«اين اونو» في ولايتي أزمير وأيدين، وصمد للجيش الفرنسي في كليكيا، ونظم المقاومة وحرب العصابات في سائر البلاد التي احتلتها جنود الأعداء، واستطاع طرد معظم القوات المحتلة، وبدأ يجني ثمار جهوده، وأنشأ مجلساً نيابياً في الأناضول، وكان يعاونه كبار القواد، مثل عصمت باشا، وكاظم قرة بكر باشا ورافعت باشا، وبذلك عادت تركيا إلى الحياة، وتنسمت نسيم الحرية والأمل، بفضل استماتة شعبها وبطولته، وقيادته العظيم في حرب الاستقلال.
قلقت دول الحلفاء ولاسيما بريطانيا من الحركة الكمالية، وانبعاث تركيا من جديد وعودتها إلى الحياة والنشاط، بعد أن كانت على شفا جرف هار من التمزق والاضمحلال، وقررت الحكومة البريطانية استئناف الحرب مرة أخرى لإخضاع الأتراك، وطلب لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا حينئذ من مجلس العموم البريطاني أن يوافق على ميزانية عسكرية ضخمة لاستئناف الحرب ومساعدة اليونان على تجريد