حملة عسكرية ثانية على تركيا، فوافق مجلس العموم على ذلك، وعندئذ أرسل مصطفى كمال، عصمت باشا (اين اونو) إلى لندن، فقابل المسؤولين من رجال الحكومة، وفي مقدمتهم اللورد كرزون وزير الخارجية، وقال لهم: لقد كنا امبراطورية عظيمة فكنتم غدرتمونا، لكننا اليوم بعدما مزقت دولتنا لم يبق لنا إلا بلادنا التركية الضيقة، ولم يعد لنا من الخطر ما تخشونه، فلماذا لا تتركونا نعيش مستقلين في أمن وسلام؟
وعلى أثر ذلك بدأت سلسلة طويلة من المفاوضات بين تركيا وبريطانيا استمرت أكثر من عام، وكان الإنكليز وحلفاؤهم يصرون خلالها على أن تكون تركيا تحت الانتداب، وأن يعين مستشارون أجانب لكل وزارات الدولة.
وحدث خلال تلك المفاوضات في عام ١٩٢١ أن كان الوفد الفلسطيني برئاسة المرحوم موسى كاظم باشا الحسيني في لندن، فزاره عصمت باشا حيث كان الوفد نازلاً بفندق «سيسل»، وقد روى لي موسى كاظم باشا ما جرى بينهما من حديث، وأن عصمت قال له: إنكم أيها العرب تعرفون أننا معشر الأتراك قمنا بواجبنا الإسلامي حقبة من الدهر امتدت مئات السنين، وقد بذلنا خلالها دماءنا وأرواحنا بسخاء، إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه من الضعف، وقد جاء دوركم الآن أيها الإخوة العرب، وقد عقدتم معاهدة مع انكلترة، أن تساعدونا وتتوسطوا بيننا وبين حلفائكم الإنكليز، بما لكم من مركز سياسي يخولكم ذلك.. فأجابه كاظم باشا: إن هؤلاء الإنكليز لا تجدي معهم معاهدات ولا محالفات، وها هم ينقضون العهود ويمنحون اليهود بقعة من أقدس بلاد العرب هي فلسطين، كما أنهم وضعوا أيديهم على العراق والأردن وغيرها من الأقطار العربية، وروى لي كاظم باشا أيضاً بعض ما سمعه من عصمت باشا عن مفاوضاته مع الإنكليز، وكانت لا تزال في أولها.
ولكن كمال بك اوخري، الذي كان على اتصال مستمر بمصطفى كمال، والذي لقيته مراراً في برلين عام ١٩٤٣، روى لي عن أوثق المصادر ما انتهت إليه المفاوضات، فقال: إن كرزون وقف وقفة المتصلب وقال لعصمت: إننا لا نستطيع أن ندعكم مستقلين لأنكم تكونون حينئذ «نواة» يتجمع حولها المسلمون مرة أخرى، فتعود المسألة الشرقية، التي عانينا منها كثيراً، واصطلينا بها زمناً طويلاً، كان عصمت يعود للبحث والمشورة إلى انقرة التي اتخذها مصطفى كمال مركزاً لحكومته، ثم يرجع إلى لندن لاستئناف المفاوضات، وكانت تركيا حينئذ منهكة القوى من الحروب الطويلة التي عانتها في معارك البلقان وليبيا ثم الحرب العالمية، فرأى مصطفى كمال الذي كان