مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 213

Normalized
transcript

لا أدري مبلغها من الصحة والصدق ولا أثق بأقواله بعدما بلوتُه ورأيت تحريفه لكلامي.

ولما كان موضوع إلغاء الخلافة وشروط كرزون، وما كان لليهود من صلة وأثر في ذلك يهمني كثيراً، فقد عنيت باستقصاء الوقائع وتمحيص الروايات والأحاديث عن هذا الأمر، فلقيت في القاهرة عام ١٩٤٦ بعد عودتي من أوروبا الداماد ذا الكفل باشا وهو من أصهار السلطان العثماني، فكان مطلعاً على وقائع تلك الفترة وملماً بأحداثها، فأكد لي صحة رواية كمال اوخري، وزاد عليها أنه كان يشاهد في تلك الفترة كبير الحاخامين في الدولة العثمانية حينئذ «حاييم ناحوم» يتردد كثيراً على دوائر الدولة عارضاً وساطته، ويكثر من السفر إلى انكلترة وأمريكا، فيقابل زعماء اليهود فيهما، ويعود حاملاً لواء التشجيع على إلغاء الخلافة.

وحاييم ناحوم هذا كان رئيساً لحاخامي اليهود في مدينة سلانيك، التي كانت أكبر مركز لليهود في الدولة العثمانية، حيث كان (الدونمة) يعيثون في الدولة العثمانية فساداً ويعملون سراً على تقويض أركانها. والدونمة جماعة من اليهود تظاهروا باعتناق الإسلام وظلوا في باطنهم يهوداً، ومن مدينة سلانيك نشبت الثورة على السلطان عبد الحميد، الذي كان يرفض منح اليهود أي حق في فلسطين، وبعد الثورة أصبح ناحوم رئيس الحاخامين في العاصمة استانبول، فلما انهارت الدولة العثمانية، وانتهى دور ناحوم فيها، لم يلبث أن انتقل إلى القاهرة رئيساً للحاخامين، إذ ورثت القاهرة مركز استانبول في الزعامة الإسلامية، بعدما تحولت الدولة العثمانية إلى دولة تركية علمانية، وأصبح للحاخام ناحوم دور لا بد أن يقوم به فيها لتوجيه ضربة جديدة إلى الإسلام وإيذاء المسلمين.

ومكث ناحوم في القاهرة بقية حياته التي قضاها في خدمة الصهيونية، وقام بأدوار كثيرة في تحقيق مطامعها في فلسطين، حتى أنه كان يقيم في بيته بالقاهرة نادياً للميسر (القمار) يرصد كل ريعه للحركة الصهيونية في فلسطين. وكان ناحوم معدوداً من كبار رجال اليهودية العالمية، وكان يتقن اللغتين التركية والعربية، وقد تمكن بغفلة المسؤولين العرب أن يصبح عضواً رسمياً في مجمع اللغة العربية في القاهرة.

وقد أكد لي هذه المعلومات عن شروط كرزون وأسباب إلغاء الخلافة المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام، نقلاً عن صديقه الشاعر التركي الإسلامي الشهير محمد عاكف، الذي هاجر إلى مصر في تلك الفترة، وقضى مدة طويلة في «حلوان» مجاوراً للأستاذ عبد الوهاب عزام، والشاعر محمد عاكف عند الأتراك يضارع أحمد شوقي عند العرب.

English
translation

I do not know how accurate and truthful his account is, and I do not trust his statements after testing him and seeing his distortion of my words.

Because the abolition of the caliphate and Curzon’s conditions, and the Jews’ connection with and influence over them, concerned me greatly, I took care to investigate the facts and examine the reports and accounts. In Cairo in 1946, after returning from Europe, I met Damat Zülfikar Pasha, one of the Ottoman sultan’s in-laws. He knew the events of that period and was familiar with them. He confirmed to me the accuracy of Kemal Okhri’s account and added that during that period he had often seen the chief rabbi of the Ottoman state, Chaim Nahum, visiting government offices and offering his mediation. Nahum frequently traveled to England and America, met Jewish leaders there, and returned carrying encouragement to abolish the caliphate.

Chaim Nahum had been chief rabbi of the Jews in Salonica, the largest Jewish center in the Ottoman state, where the Dönme were spreading corruption in the Ottoman state and secretly working to undermine its foundations. The Dönme were Jews who pretended to embrace Islam but remained Jews inwardly. From Salonica the revolt against Sultan Abdülhamid began. He had refused to grant Jews any right in Palestine. After the revolt, Nahum became chief rabbi in Istanbul, the capital. When the Ottoman state collapsed and Nahum’s role in it ended, he soon moved to Cairo as chief rabbi, since Cairo inherited Istanbul’s position as the center of Islamic leadership after the Ottoman state became a secular Turkish state. Rabbi Nahum then had a role to play in delivering another blow against Islam and harming Muslims.

Nahum remained in Cairo for the rest of his life, serving Zionism and playing many roles in advancing its ambitions in Palestine. He even maintained a gambling club at his Cairo home, directing all its proceeds to the Zionist movement in Palestine. Nahum was counted among the leading figures of world Jewry, mastered Turkish and Arabic, and through the inattention of Arab officials managed to become an official member of the Arabic Language Academy in Cairo.

Dr. Abd al-Wahhab Azzam confirmed this information about Curzon’s conditions and the reasons for abolishing the caliphate, citing his friend, the famous Turkish Islamic poet Muhammad Akif, who had emigrated to Egypt during that period and spent a long time in Helwan near Professor Abd al-Wahhab Azzam. Among the Turks, the poet Muhammad Akif is comparable to Ahmad Shawqi among the Arabs.

Analysis

This page continues the author’s account of Curzon’s conditions and presents Chaim Nahum, the Dönme, and world Jewry as forces behind abolition of the caliphate. It then develops a broad theory of colonial pressure, recruitment, propaganda, and conspiracy, cites Gladstone’s alleged statement about the Qur’an, and closes with Ahmad Shawqi’s lament for the caliphate. The page is especially significant because it merges historical claims, antisemitic conspiracy, Islamic political memory, and poetic mourning. These are source-owned claims and require independent historical verification. Much of the closing passage repeats on page 214.

Raw transcript

لا أدري مبلغها من الصحة والصدق ولا أثق بأقواله بعدما بلوتُه ورأيت تحريفه لكلامي.

ولما كان موضوع إلغاء الخلافة وشروط كرزون، وما كان لليهود من صلة وأثر في ذلك يهمني كثيراً، فقد عنيت باستقصاء الوقائع وتمحيص الروايات والأحاديث عن هذا الأمر، فلقيت في القاهرة عام ١٩٤٦ بعد عودتي من أوروبا الداماد ذا الكفل باشا وهو من أصهار السلطان العثماني، فكان مطلعاً على وقائع تلك الفترة وملماً بأحداثها، فأكد لي صحة رواية كمال اوخري، وزاد عليها أنه كان يشاهد في تلك الفترة كبير الحاخامين في الدولة العثمانية حينئذ «حاييم ناحوم» يتردد كثيراً على دوائر الدولة عارضاً وساطته، ويكثر من السفر إلى انكلترة وأمريكا، فيقابل زعماء اليهود فيهما، ويعود حاملاً لواء التشجيع على إلغاء الخلافة.

وحاييم ناحوم هذا كان رئيساً لحاخامي اليهود في مدينة سلانيك، التي كانت أكبر مركز لليهود في الدولة العثمانية، حيث كان (الدونمة) يعيثون في الدولة العثمانية فساداً ويعملون سراً على تقويض أركانها. والدونمة جماعة من اليهود تظاهروا باعتناق الإسلام وظلوا في باطنهم يهوداً، ومن مدينة سلانيك نشبت الثورة على السلطان عبد الحميد، الذي كان يرفض منح اليهود أي حق في فلسطين، وبعد الثورة أصبح ناحوم رئيس الحاخامين في العاصمة استانبول، فلما انهارت الدولة العثمانية، وانتهى دور ناحوم فيها، لم يلبث أن انتقل إلى القاهرة رئيساً للحاخامين، إذ ورثت القاهرة مركز استانبول في الزعامة الإسلامية، بعدما تحولت الدولة العثمانية إلى دولة تركية علمانية، وأصبح للحاخام ناحوم دور لا بد أن يقوم به فيها لتوجيه ضربة جديدة إلى الإسلام وإيذاء المسلمين.

ومكث ناحوم في القاهرة بقية حياته التي قضاها في خدمة الصهيونية، وقام بأدوار كثيرة في تحقيق مطامعها في فلسطين، حتى أنه كان يقيم في بيته بالقاهرة نادياً للميسر (القمار) يرصد كل ريعه للحركة الصهيونية في فلسطين. وكان ناحوم معدوداً من كبار رجال اليهودية العالمية، وكان يتقن اللغتين التركية والعربية، وقد تمكن بغفلة المسؤولين العرب أن يصبح عضواً رسمياً في مجمع اللغة العربية في القاهرة.

وقد أكد لي هذه المعلومات عن شروط كرزون وأسباب إلغاء الخلافة المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام، نقلاً عن صديقه الشاعر التركي الإسلامي الشهير محمد عاكف، الذي هاجر إلى مصر في تلك الفترة، وقضى مدة طويلة في «حلوان» مجاوراً للأستاذ عبد الوهاب عزام، والشاعر محمد عاكف عند الأتراك يضارع أحمد شوقي عند العرب.