لا أدري مبلغها من الصحة والصدق ولا أثق بأقواله بعدما بلوتُه ورأيت تحريفه لكلامي.
ولما كان موضوع إلغاء الخلافة وشروط كرزون، وما كان لليهود من صلة وأثر في ذلك يهمني كثيراً، فقد عنيت باستقصاء الوقائع وتمحيص الروايات والأحاديث عن هذا الأمر، فلقيت في القاهرة عام ١٩٤٦ بعد عودتي من أوروبا الداماد ذا الكفل باشا وهو من أصهار السلطان العثماني، فكان مطلعاً على وقائع تلك الفترة وملماً بأحداثها، فأكد لي صحة رواية كمال اوخري، وزاد عليها أنه كان يشاهد في تلك الفترة كبير الحاخامين في الدولة العثمانية حينئذ «حاييم ناحوم» يتردد كثيراً على دوائر الدولة عارضاً وساطته، ويكثر من السفر إلى انكلترة وأمريكا، فيقابل زعماء اليهود فيهما، ويعود حاملاً لواء التشجيع على إلغاء الخلافة.
وحاييم ناحوم هذا كان رئيساً لحاخامي اليهود في مدينة سلانيك، التي كانت أكبر مركز لليهود في الدولة العثمانية، حيث كان (الدونمة) يعيثون في الدولة العثمانية فساداً ويعملون سراً على تقويض أركانها. والدونمة جماعة من اليهود تظاهروا باعتناق الإسلام وظلوا في باطنهم يهوداً، ومن مدينة سلانيك نشبت الثورة على السلطان عبد الحميد، الذي كان يرفض منح اليهود أي حق في فلسطين، وبعد الثورة أصبح ناحوم رئيس الحاخامين في العاصمة استانبول، فلما انهارت الدولة العثمانية، وانتهى دور ناحوم فيها، لم يلبث أن انتقل إلى القاهرة رئيساً للحاخامين، إذ ورثت القاهرة مركز استانبول في الزعامة الإسلامية، بعدما تحولت الدولة العثمانية إلى دولة تركية علمانية، وأصبح للحاخام ناحوم دور لا بد أن يقوم به فيها لتوجيه ضربة جديدة إلى الإسلام وإيذاء المسلمين.
ومكث ناحوم في القاهرة بقية حياته التي قضاها في خدمة الصهيونية، وقام بأدوار كثيرة في تحقيق مطامعها في فلسطين، حتى أنه كان يقيم في بيته بالقاهرة نادياً للميسر (القمار) يرصد كل ريعه للحركة الصهيونية في فلسطين. وكان ناحوم معدوداً من كبار رجال اليهودية العالمية، وكان يتقن اللغتين التركية والعربية، وقد تمكن بغفلة المسؤولين العرب أن يصبح عضواً رسمياً في مجمع اللغة العربية في القاهرة.
وقد أكد لي هذه المعلومات عن شروط كرزون وأسباب إلغاء الخلافة المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام، نقلاً عن صديقه الشاعر التركي الإسلامي الشهير محمد عاكف، الذي هاجر إلى مصر في تلك الفترة، وقضى مدة طويلة في «حلوان» مجاوراً للأستاذ عبد الوهاب عزام، والشاعر محمد عاكف عند الأتراك يضارع أحمد شوقي عند العرب.