مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 214

Normalized
transcript

والعبرة هنا بما يمارسه المستعمرون من أساليب الضغط التي تصل إلى حد الإرغام والإملاء على بعض أولياء الأمور، وفيما فعلوه مع مصطفى كمال مثل واضح، وكذلك يفعلون مع من يقعون بين براثنهم، فكثير من النكبات الكبيرة التي تصيب العرب والمسلمين، ويتم تنفيذها بأيدي بعض زعمائهم، يكون وراءها خصوم الداء ودهاء أذكياء من رجال الدول الاستعمارية الكبرى واليهودية العالمية، يضعون الخطط بدهاء وروية وسرية، ويحسنون اختيار من يرون فيهم الاستعداد والبراعة والذكاء من رجالنا، فيوجهونهم ويدعمونهم ويرفعون من شأنهم بأساليب الدعاية وبكل الوسائل، إلى أن يحملوهم على تنفيذ الخطط المرسومة والمؤامرات المدبرة، ومن شمس عليهم، وأبى تنفيذ مآربهم، وآثر صالح أمته على منفعته الشخصية وعلى كرسيه الخاص، خاصموه سراً أو علانية بكل ما لديهم من وسائل، وعملوا على تشويه سمعته وتجريحه وإضعافه، وسلطوا عليه كل من استطاعوا تسخيره من بني جلدته وأمته حتى أصدقاءه وأقربائه، لعلمهم بأن خصومة هؤلاء أشد نكاية وأبلغ أثراً في الرأي العام.

والمسألة الشرقية، التي ذكرها لهذه المناسبة اللورد كرزون، ذكرها قبله كثيرون من الزعماء والساسة البريطانيين وغيرهم، ومن أبرز الذين تحدثوا عنها بصراحة المستر غلادستون رئيس وزراء بريطانيا في مجلس العموم البريطاني (والذي رأس الوزارة مرتين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) عندما ألقى خطاباً تحدث فيه عن المسألة الشرقية وقال: «إن المسألة الشرقية لا يمكن حلها ما دام هذا الكتاب موجوداً!» ورفع بيده ذلك الكتاب، فإذا به القرآن الكريم.

وقد كانت هذه الكلمة من غلادستون بمثابة إعلان حرب ضروس على القرآن وأهله، لا تزال مستمرة حتى اليوم، ببراعة ودهاء، يذكيها حقد الخصوم الأذكياء.

وكان لما قامت به الحكومة الكمالية، من إلغاء الخلافة دوي عظيم وأثر أليم جداً في العالم الإسلامي، إذ كان مفاجأة للمسلمين، ولاسيما لحدوثه بعد انتصار الأتراك في حرب الاستقلال على أعدائهم. ولهذه المناسبة الأليمة نظم أحمد شوقي شاعر العربية الأكبر في القرون الأخيرة إحدى قصائده البليغة، يرثي فيها الخلافة، وينبه المسلمين إلى ضرورة إسداء النصح لمصطفى كمال باشا ليرجع عن هذا الخطأ ويرأب هذا الصدع.

وفيما يلي أبيات من هذه القصيدة:

عادت أغاني العرس رجع نواح ونعيت بين معالم الأفراح كفنت في ليل الزفاف بثوبه ودفنت عند تبلج الإصباح

English
translation

The lesson here concerns the methods of pressure used by colonialists, reaching the point of coercion and dictation imposed on some rulers. What they did with Mustafa Kemal is a clear example. They act likewise with those who fall into their clutches. Many great disasters that strike Arabs and Muslims and are carried out by some of their leaders have behind them the deadly hostility and cleverness of officials of the great colonial states and world Jewry. They devise plans with cunning, deliberation, and secrecy, choose among our men those they see as ready, capable, and intelligent, guide them, support them, and raise their standing through propaganda and every means until they make them carry out the planned schemes and plotted conspiracies. Whoever opposes them and refuses to carry out their aims, preferring the interest of his nation to his personal benefit and private position, they oppose secretly or openly with every means. They work to smear his reputation, wound him, and weaken him, and set against him anyone they can recruit from his own people and nation, even his friends and relatives, knowing that their hostility is more damaging and has a greater effect on public opinion.

The Eastern Question, which Lord Curzon mentioned on this occasion, had been mentioned earlier by many British leaders and politicians and others. Among those who spoke frankly about it was Mr. Gladstone, the British prime minister, in the British House of Commons. He headed the government twice in the second half of the nineteenth century. In a speech about the Eastern Question he said: “The Eastern Question cannot be solved so long as this book exists!” He raised the book in his hand, and it was the Qur’an.

Gladstone’s words amounted to a declaration of fierce war against the Qur’an and its people, which continues to this day with the skill and cunning of clever adversaries, fueled by their hatred.

The abolition of the caliphate by the Kemalist government had a tremendous reverberation and deeply painful effect throughout the Islamic world. It shocked Muslims, especially because it occurred after the Turks’ victory over their enemies in the War of Independence. On this painful occasion Ahmad Shawqi, the greatest Arabic poet of recent centuries, composed one of his eloquent poems mourning the caliphate and warning Muslims that they should advise Mustafa Kemal Pasha to turn back from this error and mend the breach.

The following are verses from this poem:

“The wedding songs have returned as an echo of lamentation, and I was mourned amid the signs of joy. I was shrouded in the night of the wedding in its garment, and buried at the dawning of morning.”

Analysis

This page repeats the pressure-and-conspiracy argument and the later Gladstone and Ahmad Shawqi discussion from page 213. The overlap is retained and documented for later witness reconciliation.

Raw transcript

والعبرة هنا بما يمارسه المستعمرون من أساليب الضغط التي تصل إلى حد الإرغام والإملاء على بعض أولياء الأمور، وفيما فعلوه مع مصطفى كمال مثل واضح، وكذلك يفعلون مع من يقعون بين براثنهم، فكثير من النكبات الكبيرة التي تصيب العرب والمسلمين، ويتم تنفيذها بأيدي بعض زعمائهم، يكون وراءها خصوم الداء ودهاء أذكياء من رجال الدول الاستعمارية الكبرى واليهودية العالمية، يضعون الخطط بدهاء وروية وسرية، ويحسنون اختيار من يرون فيهم الاستعداد والبراعة والذكاء من رجالنا، فيوجهونهم ويدعمونهم ويرفعون من شأنهم بأساليب الدعاية وبكل الوسائل، إلى أن يحملوهم على تنفيذ الخطط المرسومة والمؤامرات المدبرة، ومن شمس عليهم، وأبى تنفيذ مآربهم، وآثر صالح أمته على منفعته الشخصية وعلى كرسيه الخاص، خاصموه سراً أو علانية بكل ما لديهم من وسائل، وعملوا على تشويه سمعته وتجريحه وإضعافه، وسلطوا عليه كل من استطاعوا تسخيره من بني جلدته وأمته حتى أصدقاءه وأقربائه، لعلمهم بأن خصومة هؤلاء أشد نكاية وأبلغ أثراً في الرأي العام.

والمسألة الشرقية، التي ذكرها لهذه المناسبة اللورد كرزون، ذكرها قبله كثيرون من الزعماء والساسة البريطانيين وغيرهم، ومن أبرز الذين تحدثوا عنها بصراحة المستر غلادستون رئيس وزراء بريطانيا في مجلس العموم البريطاني (والذي رأس الوزارة مرتين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) عندما ألقى خطاباً تحدث فيه عن المسألة الشرقية وقال: «إن المسألة الشرقية لا يمكن حلها ما دام هذا الكتاب موجوداً!» ورفع بيده ذلك الكتاب، فإذا به القرآن الكريم.

وقد كانت هذه الكلمة من غلادستون بمثابة إعلان حرب ضروس على القرآن وأهله، لا تزال مستمرة حتى اليوم، ببراعة ودهاء، يذكيها حقد الخصوم الأذكياء.

وكان لما قامت به الحكومة الكمالية، من إلغاء الخلافة دوي عظيم وأثر أليم جداً في العالم الإسلامي، إذ كان مفاجأة للمسلمين، ولاسيما لحدوثه بعد انتصار الأتراك في حرب الاستقلال على أعدائهم. ولهذه المناسبة الأليمة نظم أحمد شوقي شاعر العربية الأكبر في القرون الأخيرة إحدى قصائده البليغة، يرثي فيها الخلافة، وينبه المسلمين إلى ضرورة إسداء النصح لمصطفى كمال باشا ليرجع عن هذا الخطأ ويرأب هذا الصدع.

وفيما يلي أبيات من هذه القصيدة:

عادت أغاني العرس رجع نواح ونعيت بين معالم الأفراح كفنت في ليل الزفاف بثوبه ودفنت عند تبلج الإصباح