والعبرة هنا بما يمارسه المستعمرون من أساليب الضغط التي تصل إلى حد الإرغام والإملاء على بعض أولياء الأمور، وفيما فعلوه مع مصطفى كمال مثل واضح، وكذلك يفعلون مع من يقعون بين براثنهم، فكثير من النكبات الكبيرة التي تصيب العرب والمسلمين، ويتم تنفيذها بأيدي بعض زعمائهم، يكون وراءها خصوم الداء ودهاء أذكياء من رجال الدول الاستعمارية الكبرى واليهودية العالمية، يضعون الخطط بدهاء وروية وسرية، ويحسنون اختيار من يرون فيهم الاستعداد والبراعة والذكاء من رجالنا، فيوجهونهم ويدعمونهم ويرفعون من شأنهم بأساليب الدعاية وبكل الوسائل، إلى أن يحملوهم على تنفيذ الخطط المرسومة والمؤامرات المدبرة، ومن شمس عليهم، وأبى تنفيذ مآربهم، وآثر صالح أمته على منفعته الشخصية وعلى كرسيه الخاص، خاصموه سراً أو علانية بكل ما لديهم من وسائل، وعملوا على تشويه سمعته وتجريحه وإضعافه، وسلطوا عليه كل من استطاعوا تسخيره من بني جلدته وأمته حتى أصدقاءه وأقربائه، لعلمهم بأن خصومة هؤلاء أشد نكاية وأبلغ أثراً في الرأي العام.
والمسألة الشرقية، التي ذكرها لهذه المناسبة اللورد كرزون، ذكرها قبله كثيرون من الزعماء والساسة البريطانيين وغيرهم، ومن أبرز الذين تحدثوا عنها بصراحة المستر غلادستون رئيس وزراء بريطانيا في مجلس العموم البريطاني (والذي رأس الوزارة مرتين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) عندما ألقى خطاباً تحدث فيه عن المسألة الشرقية وقال: «إن المسألة الشرقية لا يمكن حلها ما دام هذا الكتاب موجوداً!» ورفع بيده ذلك الكتاب، فإذا به القرآن الكريم.
وقد كانت هذه الكلمة من غلادستون بمثابة إعلان حرب ضروس على القرآن وأهله، لا تزال مستمرة حتى اليوم، ببراعة ودهاء، يذكيها حقد الخصوم الأذكياء.
وكان لما قامت به الحكومة الكمالية، من إلغاء الخلافة دوي عظيم وأثر أليم جداً في العالم الإسلامي، إذ كان مفاجأة للمسلمين، ولاسيما لحدوثه بعد انتصار الأتراك في حرب الاستقلال على أعدائهم. ولهذه المناسبة الأليمة نظم أحمد شوقي شاعر العربية الأكبر في القرون الأخيرة إحدى قصائده البليغة، يرثي فيها الخلافة، وينبه المسلمين إلى ضرورة إسداء النصح لمصطفى كمال باشا ليرجع عن هذا الخطأ ويرأب هذا الصدع.
وفيما يلي أبيات من هذه القصيدة:
عادت أغاني العرس رجع نواح ونعيت بين معالم الأفراح كفنت في ليل الزفاف بثوبه ودفنت عند تبلج الإصباح