مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 216

Normalized
transcript

الذين كانوا من أقوى أنصار الدولة العثمانية، والذين ساعدوا مصطفى كمال مساعدات جليلة في حرب الاستقلال، أرسلوا إلى تركيا وفداً مؤلفاً من خيرة زعمائهم برئاسة مولانا محمد علي جوهر (الزعيم الكبير الذي دفن في القدس بجوار المسجد الأقصى المبارك)، فجاءوا انقرة لنصح مصطفى كمال، واقترحوا عليه أن يكون هو الخليفة، فلم ينتصح ولم يقبل عرضهم، وقد حاول أن لا يقابل الوفد، في بادئ الأمر، فاستعانوا بصديقهم أديب ثروت بك، وكان من خيرة رجال مصطفى كمال العسكريين، ومن أعضاء المجلس الوطني التركي، فجمعهم به، لكنه اعتذر من عدم قبول اقتراحهم. وقد سمعت هذا الخبر من كل من مولانا محمد علي وأديب ثروت، وقد كنت اجتمعت بهما في المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقد بمكة المكرمة سنة ١٣٥٤ هـ (١٩٢٦م) وكان مولانا محمد علي عضواً في وفد الهند وأديب ثروت عضواً في الوفد التركي، في ذلك المؤتمر.

وقد برهن الإنكليز على أنهم أساتذة النفاق السياسي في العالم أجمع، فبينما هم يشترطون على مصطفى كمال ودولة تركيا أن تلغي الخلافة وتقطع صلتها بالإسلام، إذا بهم يثيرون في وجهها المتاعب والمصاعب، إذا هم يقومون على اختطاف خليفة المسلمين السلطان وحيد الدين ويخرجوه سراً من تركيا بحماية اسطولهم ويطلقوا دعايتهم في العالم بأن خليفة المسلمين التجأ إليهم للخلاص من ظلم الدولة التركية وضغطها، وبذلك يكسبون عطف الرأي العام الإسلامي عليهم وقدره لعملهم..

وقد سجل هذا الحادث أحمد شوقي أيضاً في إحدى قصائده الشهيرة حيث يقول:

أمن سرت الخليفة وهو حي يعف عن الملوك مكفنين؟

وعلى ذكر أديب ثروت هذا، لقد كان قائداً للفرقة الثالثة العثمانية، التي دافعت عن غزة في الحرب العالمية الأولى، والتي صدت قوى الانكليز الكبيرة الزاحفة على فلسطين حينئذ وكبدتهم خسائر كبيرة، وكانت مؤلفة من خمسة عشر ألفاً منهم عدد كبير من خيرة الجنود الفلسطينيين، وقد أشاد لي أديب ثروت قائد الفرقة ببسالة جنوده الفلسطينيين، وكيف هزموا أضعاف عددهم من الانكليز والأستراليين، مما دعا أحمد جمال باشا (السفاح)، رغم ما هو معروف به من خصومه للعرب، أن يصدر بياناً يشيد فيه ببسالة الفلسطينيين، ويقول إنها بسالة خارقة تذكر بالشجاعة التي أبداها آباؤهم من قبل، عندما حموا هذه البقاع المقدسة بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وكان

English
translation

who were among the strongest supporters of the Ottoman state and had given Mustafa Kemal substantial assistance in the War of Independence, sent to Turkey a delegation made up of its finest leaders, headed by Maulana Muhammad Ali Jauhar, the great leader who was buried in Jerusalem beside the blessed al-Aqsa Mosque. They came to Ankara to advise Mustafa Kemal and proposed that he become the caliph, but he did not accept their advice or their proposal. At first he tried not to meet the delegation. They therefore sought the help of their friend Adib Tharwat Bey, one of the best of Mustafa Kemal’s military men and a member of the Turkish National Assembly, who brought them together with him. He apologized for not accepting their proposal. I heard this account from both Maulana Muhammad Ali and Adib Tharwat. I had met them at the First Islamic Congress held in Mecca in 1354 AH (1926), where Maulana Muhammad Ali was a member of the Indian delegation and Adib Tharwat was a member of the Turkish delegation.

The English proved that they were the masters of political hypocrisy in the whole world. While they required Mustafa Kemal and the Turkish state to abolish the caliphate and sever its connection with Islam, they stirred up troubles and difficulties against it. They abducted the Muslim caliph, Sultan Vahideddin, secretly removed him from Turkey under the protection of their fleet, and spread propaganda throughout the world that the Muslim caliph had sought refuge with them to escape the oppression and pressure of the Turkish state. In this way they won the sympathy of Muslim public opinion and its appreciation for their deed.

Ahmad Shawqi also recorded this event in one of his famous poems, saying:

“Was it from Sur that the caliph departed while still alive, shunning kings who lie wrapped in their shrouds?”

Regarding this Adib Tharwat, he had been commander of the Ottoman Third Division, which defended Gaza in the First World War, repelled the great English forces advancing on Palestine at that time, and inflicted heavy losses on them. The division consisted of fifteen thousand men, including a large number of the finest Palestinian soldiers. Adib Tharwat, the division’s commander, praised to me the bravery of his Palestinian soldiers and how they defeated English and Australian forces several times their number. This led Ahmad Jamal Pasha, “the Butcher,” despite his well-known hostility toward the Arabs, to issue a statement praising the bravery of the Palestinians and saying that it was an extraordinary bravery, recalling the courage their fathers had shown when they protected these sacred lands under the leadership of Saladin, and it was

Analysis

This page records the author’s account of the Indian Khilafat Association’s failed effort to persuade Mustafa Kemal to become caliph, followed by a strongly polemical description of British conduct toward the caliphate and Sultan Vahideddin. It also preserves Ahmad Shawqi’s poetic reference to the sultan’s removal and the author’s account of Adib Tharwat’s praise for Palestinian soldiers defending Gaza. The page is especially significant for linking the caliphate debate, British policy, Ottoman military memory, and Palestinian military valor in one narrative. The claims about abduction, political hypocrisy, military strength, and the statement attributed to Ahmad Jamal Pasha remain source-owned and require independent verification. The final sentence continues onto the next page.

Raw transcript

الذين كانوا من أقوى أنصار الدولة العثمانية، والذين ساعدوا مصطفى كمال مساعدات جليلة في حرب الاستقلال، أرسلوا إلى تركيا وفداً مؤلفاً من خيرة زعمائهم برئاسة مولانا محمد علي جوهر (الزعيم الكبير الذي دفن في القدس بجوار المسجد الأقصى المبارك)، فجاءوا انقرة لنصح مصطفى كمال، واقترحوا عليه أن يكون هو الخليفة، فلم ينتصح ولم يقبل عرضهم، وقد حاول أن لا يقابل الوفد، في بادئ الأمر، فاستعانوا بصديقهم أديب ثروت بك، وكان من خيرة رجال مصطفى كمال العسكريين، ومن أعضاء المجلس الوطني التركي، فجمعهم به، لكنه اعتذر من عدم قبول اقتراحهم. وقد سمعت هذا الخبر من كل من مولانا محمد علي وأديب ثروت، وقد كنت اجتمعت بهما في المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقد بمكة المكرمة سنة ١٣٥٤ هـ (١٩٢٦م) وكان مولانا محمد علي عضواً في وفد الهند وأديب ثروت عضواً في الوفد التركي، في ذلك المؤتمر.

وقد برهن الإنكليز على أنهم أساتذة النفاق السياسي في العالم أجمع، فبينما هم يشترطون على مصطفى كمال ودولة تركيا أن تلغي الخلافة وتقطع صلتها بالإسلام، إذا بهم يثيرون في وجهها المتاعب والمصاعب، إذا هم يقومون على اختطاف خليفة المسلمين السلطان وحيد الدين ويخرجوه سراً من تركيا بحماية اسطولهم ويطلقوا دعايتهم في العالم بأن خليفة المسلمين التجأ إليهم للخلاص من ظلم الدولة التركية وضغطها، وبذلك يكسبون عطف الرأي العام الإسلامي عليهم وقدره لعملهم..

وقد سجل هذا الحادث أحمد شوقي أيضاً في إحدى قصائده الشهيرة حيث يقول:

أمن سرت الخليفة وهو حي يعف عن الملوك مكفنين؟

وعلى ذكر أديب ثروت هذا، لقد كان قائداً للفرقة الثالثة العثمانية، التي دافعت عن غزة في الحرب العالمية الأولى، والتي صدت قوى الانكليز الكبيرة الزاحفة على فلسطين حينئذ وكبدتهم خسائر كبيرة، وكانت مؤلفة من خمسة عشر ألفاً منهم عدد كبير من خيرة الجنود الفلسطينيين، وقد أشاد لي أديب ثروت قائد الفرقة ببسالة جنوده الفلسطينيين، وكيف هزموا أضعاف عددهم من الانكليز والأستراليين، مما دعا أحمد جمال باشا (السفاح)، رغم ما هو معروف به من خصومه للعرب، أن يصدر بياناً يشيد فيه ببسالة الفلسطينيين، ويقول إنها بسالة خارقة تذكر بالشجاعة التي أبداها آباؤهم من قبل، عندما حموا هذه البقاع المقدسة بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وكان