الذين كانوا من أقوى أنصار الدولة العثمانية، والذين ساعدوا مصطفى كمال مساعدات جليلة في حرب الاستقلال، أرسلوا إلى تركيا وفداً مؤلفاً من خيرة زعمائهم برئاسة مولانا محمد علي جوهر (الزعيم الكبير الذي دفن في القدس بجوار المسجد الأقصى المبارك)، فجاءوا انقرة لنصح مصطفى كمال، واقترحوا عليه أن يكون هو الخليفة، فلم ينتصح ولم يقبل عرضهم، وقد حاول أن لا يقابل الوفد، في بادئ الأمر، فاستعانوا بصديقهم أديب ثروت بك، وكان من خيرة رجال مصطفى كمال العسكريين، ومن أعضاء المجلس الوطني التركي، فجمعهم به، لكنه اعتذر من عدم قبول اقتراحهم. وقد سمعت هذا الخبر من كل من مولانا محمد علي وأديب ثروت، وقد كنت اجتمعت بهما في المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقد بمكة المكرمة سنة ١٣٥٤ هـ (١٩٢٦م) وكان مولانا محمد علي عضواً في وفد الهند وأديب ثروت عضواً في الوفد التركي، في ذلك المؤتمر.
وقد برهن الإنكليز على أنهم أساتذة النفاق السياسي في العالم أجمع، فبينما هم يشترطون على مصطفى كمال ودولة تركيا أن تلغي الخلافة وتقطع صلتها بالإسلام، إذا بهم يثيرون في وجهها المتاعب والمصاعب، إذا هم يقومون على اختطاف خليفة المسلمين السلطان وحيد الدين ويخرجوه سراً من تركيا بحماية اسطولهم ويطلقوا دعايتهم في العالم بأن خليفة المسلمين التجأ إليهم للخلاص من ظلم الدولة التركية وضغطها، وبذلك يكسبون عطف الرأي العام الإسلامي عليهم وقدره لعملهم..
وقد سجل هذا الحادث أحمد شوقي أيضاً في إحدى قصائده الشهيرة حيث يقول:
أمن سرت الخليفة وهو حي يعف عن الملوك مكفنين؟
وعلى ذكر أديب ثروت هذا، لقد كان قائداً للفرقة الثالثة العثمانية، التي دافعت عن غزة في الحرب العالمية الأولى، والتي صدت قوى الانكليز الكبيرة الزاحفة على فلسطين حينئذ وكبدتهم خسائر كبيرة، وكانت مؤلفة من خمسة عشر ألفاً منهم عدد كبير من خيرة الجنود الفلسطينيين، وقد أشاد لي أديب ثروت قائد الفرقة ببسالة جنوده الفلسطينيين، وكيف هزموا أضعاف عددهم من الانكليز والأستراليين، مما دعا أحمد جمال باشا (السفاح)، رغم ما هو معروف به من خصومه للعرب، أن يصدر بياناً يشيد فيه ببسالة الفلسطينيين، ويقول إنها بسالة خارقة تذكر بالشجاعة التي أبداها آباؤهم من قبل، عندما حموا هذه البقاع المقدسة بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وكان