مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 221

Normalized
transcript

وما يراق فيه من دماء، والصحف البريطانية تتحدث بعبارات ملؤها الحزن والأسى عن الضحايا الأبرياء داعية إلى الصلح والسلام، والمحبة والوئام.. وهي تذرف دموع التماسيح، وتبدي رغبة بريطانية الشديدة في الوصول إلى حل سلمي لصالح الإنسانية.

فهي كالجزار فينا يذكر الله ويذبح

نكتب هذا لنذكر إخواننا الفلسطينيين والعرب بالحقائق وما جرته بريطانيا عليهم من مآس وكوارث، ومع ذلك ما يزال كثير من العرب يتعاملون معها أكثر مما يتعاملون مع غيرها من الدول، فيشترون منها بضائع، ويتعاقدون معها على منشآت ومشروعات وصناعات بمئات الملايين من الدنانير، ويودعون أموالهم في مصارفها ويقبلون عبرتها الاقتصادية. أفلا ينظرون إلى الحكومة اليونانية وما فعلته في العام الماضي من إلغائها صفقة تعاقدت عليها مع بريطانيا تبلغ خمسة ملايين جنيه، لأن وزير الخارجية البريطانية السابق انتقد الحكومة العسكرية اليونانية في حديث له؟

إن للدول كرامتها، وللشعوب كرامتها كذلك، وكل فرد في الأمة يجب أن يكون كريماً في نفسه وأهله وقومه، والكرامة ليست الكبرياء ولا المنجهية والعنفوان، لكنها عزة النفس المكتسبة من تقوى الله ومعرفة الحق والواجب، والتعاون على البر والخير، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، فالأمة الكريمة تتألف من أفراد كرام، فترتفع بهم إلى أعلى الدرجات والمراتب الإنسانية، فتصون ديارها وتحمي ذمارها ولا يطمع فيها الطامعون كما هو شأن الأمة العربية اليوم فقد ذاقت وبال أمرها وعاقبة تفريطها وكان عاقبة أمرها خسراً.

وهذا هم اليهود الصهيونيون يغلبون الأمة العربية على أمرها، وينتزعون منها قطراً من أعز أقطارها عليها وأقدسها لديها، وأجزاء أخرى من أقطار أخرى منذ ثلاثة أعوام ونصف عام، فلا تعمل عملاً مجدياً لاسترجاع ما فقدته، غير الاحتجاج والشكوى إلى من لا يسمع ولا يغني عنها شيئاً، وهي تحسن الحل السلمي فلا تصل إليه، والصهيونيون بين هذا وذاك يطوقون مدينة القدس من أطرافها، جادين في تهويدها وكأنها ليست أولى القبلتين وثالث الحرمين، وجادين في سلب العرب ما يستطيعون من أموالهم وممتلكاتهم، والعرب أشداء على أنفسهم، رحماء على أعدائهم، بأسهم بينهم شديد، ولاشك في أن إسرائيل تجد في عدوانها علينا دعماً وتأييداً كبيراً من بعض الدول الاستعمارية، ولاسيما من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في الطرف الحاضر، ولكن ما يحملهما على ذلك ويغريهما بمساعدة أعدائنا، علمهما بأننا

English
translation

and the blood shed in it. British newspapers speak in phrases full of grief and sorrow for the innocent victims, calling for reconciliation and peace, love and harmony. They shed crocodile tears and display an intense British desire to reach a peaceful solution for the sake of humanity.

For it is like the butcher among us who invokes God and slaughters.

We write this to remind our Palestinian and Arab brothers of the facts and of the tragedies and calamities Britain has brought upon them. Yet many Arabs still deal with it more than they deal with other states. They buy its goods, contract with it for construction, projects, and industries worth hundreds of millions of dinars, deposit their money in its banks, and accept its economic tutelage. Will they not look at the Greek government and what it did last year when it canceled a contract it had made with Britain worth five million pounds because the former British foreign secretary criticized the Greek military government in an interview?

States have their dignity, and peoples have their dignity as well. Every individual in the nation must be dignified in himself, his family, and his people. Dignity is not pride, arrogance, or swagger. It is self-respect acquired through fear of God, knowledge of right and duty, cooperation in righteousness and goodness, and patience in hardship, distress, and battle. A dignified nation is made up of dignified individuals, and through them it rises to the highest human degrees and ranks. It protects its homes and guards its honor, and covetous people do not desire it, as is the condition of the Arab nation today. It has tasted the evil consequence of its affair and the result of its neglect, and the outcome of its affair was loss.

And here are the Zionist Jews prevailing over the Arab nation and taking from it one of its most precious and sacred countries, along with other parts of other countries, for three and a half years. It does nothing effective to recover what it has lost except protest and complaint to those who neither hear nor benefit it. It chooses the peaceful solution but does not reach it. Meanwhile, the Zionists encircle the city of Jerusalem from its edges, working seriously to Judaize it as though it were not the First of the Two Qiblas and the Third of the Two Holy Sanctuaries, and working seriously to seize whatever money and property they can from the Arabs. The Arabs are harsh toward themselves and merciful toward their enemies; their force is directed against one another. There is no doubt that Israel finds great support and backing for its aggression against us from some colonial states, especially the United States of America and Britain at the present time. But what causes them to do this and entices them to assist our enemies is their knowledge that we

Analysis

This page continues the author’s accusation that Britain presents itself as a peacemaker while bearing responsibility for bloodshed, then turns to economic relations, national dignity, and the Arab response to Zionist control of Jerusalem and other territories. It is especially significant for its combination of moral exhortation, religious language, political criticism, and direct claims about Israel, Britain, the United States, and Arab weakness. The proverb about the butcher who invokes God while slaughtering is a concise summary of the author’s indictment of British policy. These are source-owned claims and require independent historical verification. The final clause continues into provisional printed page 222, which remains blocked and is not translated here.

Raw transcript

وما يراق فيه من دماء، والصحف البريطانية تتحدث بعبارات ملؤها الحزن والأسى عن الضحايا الأبرياء داعية إلى الصلح والسلام، والمحبة والوئام.. وهي تذرف دموع التماسيح، وتبدي رغبة بريطانية الشديدة في الوصول إلى حل سلمي لصالح الإنسانية.

فهي كالجزار فينا يذكر الله ويذبح

نكتب هذا لنذكر إخواننا الفلسطينيين والعرب بالحقائق وما جرته بريطانيا عليهم من مآس وكوارث، ومع ذلك ما يزال كثير من العرب يتعاملون معها أكثر مما يتعاملون مع غيرها من الدول، فيشترون منها بضائع، ويتعاقدون معها على منشآت ومشروعات وصناعات بمئات الملايين من الدنانير، ويودعون أموالهم في مصارفها ويقبلون عبرتها الاقتصادية. أفلا ينظرون إلى الحكومة اليونانية وما فعلته في العام الماضي من إلغائها صفقة تعاقدت عليها مع بريطانيا تبلغ خمسة ملايين جنيه، لأن وزير الخارجية البريطانية السابق انتقد الحكومة العسكرية اليونانية في حديث له؟

إن للدول كرامتها، وللشعوب كرامتها كذلك، وكل فرد في الأمة يجب أن يكون كريماً في نفسه وأهله وقومه، والكرامة ليست الكبرياء ولا المنجهية والعنفوان، لكنها عزة النفس المكتسبة من تقوى الله ومعرفة الحق والواجب، والتعاون على البر والخير، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، فالأمة الكريمة تتألف من أفراد كرام، فترتفع بهم إلى أعلى الدرجات والمراتب الإنسانية، فتصون ديارها وتحمي ذمارها ولا يطمع فيها الطامعون كما هو شأن الأمة العربية اليوم فقد ذاقت وبال أمرها وعاقبة تفريطها وكان عاقبة أمرها خسراً.

وهذا هم اليهود الصهيونيون يغلبون الأمة العربية على أمرها، وينتزعون منها قطراً من أعز أقطارها عليها وأقدسها لديها، وأجزاء أخرى من أقطار أخرى منذ ثلاثة أعوام ونصف عام، فلا تعمل عملاً مجدياً لاسترجاع ما فقدته، غير الاحتجاج والشكوى إلى من لا يسمع ولا يغني عنها شيئاً، وهي تحسن الحل السلمي فلا تصل إليه، والصهيونيون بين هذا وذاك يطوقون مدينة القدس من أطرافها، جادين في تهويدها وكأنها ليست أولى القبلتين وثالث الحرمين، وجادين في سلب العرب ما يستطيعون من أموالهم وممتلكاتهم، والعرب أشداء على أنفسهم، رحماء على أعدائهم، بأسهم بينهم شديد، ولاشك في أن إسرائيل تجد في عدوانها علينا دعماً وتأييداً كبيراً من بعض الدول الاستعمارية، ولاسيما من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في الطرف الحاضر، ولكن ما يحملهما على ذلك ويغريهما بمساعدة أعدائنا، علمهما بأننا