مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 224

Normalized
transcript

عسكرية أو مدنية، وقد أصيبت دارنا في شارع «كرومه لانكه - غوته شتراسه» عدة مرات.

وكانت السلطات الألمانية المختصة تبادر بإنذارنا بالغارات بالتلفون قبل وقوعها، فنذهب إلى الملاجئ القريبة، ونمكث في الملجأ حتى تنتهي الغارة، فنعود إلى الدار فنجدها في بعض المرات سالمة، وفي بعضها الآخر مصابة في بعض أقسامها، وكذلك الدور المجاورة في تلك المنطقة التي هي ضاحية من ضواحي برلين.

وفي إحدى المرات خرجنا من الملجأ، فشاهدنا داراً مواجهة لدارنا تحترق، فأسرعنا ورفاقنا لمساعدة الجيران، فلما وصلنا حديقة الدار الكبيرة، وجدنا سكانها يكافحون النيران وينقذون ما يمكنهم إنقاذه من المتاع واللباس بنظام دقيق، دون فوضى أو هلع، وبضبط نفس يدعو إلى الإعجاب وقد أدى ذلك إلى إنقاذ قسم غير قليل من أمتعة الدار الثمينة.

وقد أصيبت دارنا مراراً، وكانت ملكاً لسفير ألمانيا في الأرجنتين، ومؤلفة من ثلاث طبقات، تحيط بها حديقة واسعة وفيها بحيرة خاصة، فكانت السلطات الألمانية تصلح الدار فوراً عند إصابتها، فنعود إلى سكناها، ومكثنا على هذه الحال إلى أن وقعت في ٢٣ نوفمبر عام ١٩٤٣ غارة جوية عظيمة دمرت معظم الدار، فلما خرجنا من الملجأ وعدنا إليها لم نجد فيها إلا جزءاً صغيراً نستطيع أن نتقي به البرد، بما فيه سلم الدار، فاضطررنا وجميع رفاقنا سكان الدار أن نقضي تلك الليلة في ذلك المكان الضيق.

فلما كان اليوم التالي نقلتنا السلطات الألمانية إلى منطقة بعيدة عن الغارات الجوية على بحيرة (ساوة) التي يعيش على شواطئها أعداد كبيرة من البط والأوز وغيرها من الطيور الداجنة، فمكثنا بها نحو شهرين، ثم انتقلنا منها إلى مدينة (ستيناو)، حيث قضينا نحو أربعين يوماً في فندق، ثم انتقلنا منها إلى (اوين) وهي إحدى المنتجعات الألمانية بالقرب من حدود تشيكوسلوفاكيا، فأقمنا ببيت كبير اتسع لنا ولأكثر رفاقنا، وكنا نحو عشرين رجلاً، ومكثنا في اوين معظم عام ١٩٤٤ وشطراً من عام ١٩٤٥، ولكننا لم ننقطع عن برلين، فيقضي كل واحد منهم أسبوعاً في مكتبنا لتفقد شؤون المراجعين من عرب ومسلمين، وقضاء مصالحهم في تلك الظروف الحرجة.

فلما اشتدت الحال، وضيق الحلفاء الخناق على المانيا، وشرعوا في الزحف على الأراضي الألمانية عام ١٩٤٥، زارنا في مقرنا في اوين (البورغمايستر) وهو الاسم الرسمي لحاكم المنطقة، وأبلغنا أن هذه المنطقة أصبحت منطقة خطرة، وأن السلطات

English
translation

Our house on “Krumme Lanke–Goethestrasse” Street was struck several times.

The German authorities telephoned warnings of raids before they occurred. We went to nearby shelters and remained there until the raid ended. Sometimes the house was intact; at other times parts were damaged. The neighboring houses in that Berlin suburb were likewise affected.

Once, leaving the shelter, we saw a house opposite ours burning. We hurried to help the neighbors. Its residents were fighting the flames and saving belongings and clothing in an orderly manner, without panic, and with admirable self-control. They saved a considerable part of the house’s valuable property.

Our house was repeatedly struck. It belonged to the German ambassador in Argentina and had three stories, a large garden and a private lake. The German authorities repaired it immediately, and we returned there. This continued until a major raid on November 23, 1943, destroyed most of it. We found only a small part in which to escape the cold, including the staircase, and all its residents spent that night in the cramped space.

The next day the authorities moved us to an area far from the raids, at Lake “Sawe,” whose shores had many ducks, geese and other domestic birds. We stayed there about two months, then moved to “Stinau,” where we spent about forty days in a hotel. From there we moved to “Oyen,” a German resort near the Czechoslovak border. About twenty of us stayed in a large house there through most of 1944 and part of 1945. We remained connected with Berlin, each spending a week in our office to attend to Arab and Muslim visitors and their needs.

As the Allies tightened their grip and advanced into Germany in 1945, the burgomaster, the official title for the area’s mayor, visited us in Oyen and told us that the area had become dangerous. The authorities

Analysis

This page records the memoirist’s account of Allied bombing, repeated damage to a Berlin residence, and German authorities’ shelters, repairs and relocation. It is first-person source testimony, with place names retained provisionally from the Arabic.

Raw transcript

عسكرية أو مدنية، وقد أصيبت دارنا في شارع «كرومه لانكه - غوته شتراسه» عدة مرات.

وكانت السلطات الألمانية المختصة تبادر بإنذارنا بالغارات بالتلفون قبل وقوعها، فنذهب إلى الملاجئ القريبة، ونمكث في الملجأ حتى تنتهي الغارة، فنعود إلى الدار فنجدها في بعض المرات سالمة، وفي بعضها الآخر مصابة في بعض أقسامها، وكذلك الدور المجاورة في تلك المنطقة التي هي ضاحية من ضواحي برلين.

وفي إحدى المرات خرجنا من الملجأ، فشاهدنا داراً مواجهة لدارنا تحترق، فأسرعنا ورفاقنا لمساعدة الجيران، فلما وصلنا حديقة الدار الكبيرة، وجدنا سكانها يكافحون النيران وينقذون ما يمكنهم إنقاذه من المتاع واللباس بنظام دقيق، دون فوضى أو هلع، وبضبط نفس يدعو إلى الإعجاب وقد أدى ذلك إلى إنقاذ قسم غير قليل من أمتعة الدار الثمينة.

وقد أصيبت دارنا مراراً، وكانت ملكاً لسفير ألمانيا في الأرجنتين، ومؤلفة من ثلاث طبقات، تحيط بها حديقة واسعة وفيها بحيرة خاصة، فكانت السلطات الألمانية تصلح الدار فوراً عند إصابتها، فنعود إلى سكناها، ومكثنا على هذه الحال إلى أن وقعت في ٢٣ نوفمبر عام ١٩٤٣ غارة جوية عظيمة دمرت معظم الدار، فلما خرجنا من الملجأ وعدنا إليها لم نجد فيها إلا جزءاً صغيراً نستطيع أن نتقي به البرد، بما فيه سلم الدار، فاضطررنا وجميع رفاقنا سكان الدار أن نقضي تلك الليلة في ذلك المكان الضيق.

فلما كان اليوم التالي نقلتنا السلطات الألمانية إلى منطقة بعيدة عن الغارات الجوية على بحيرة (ساوة) التي يعيش على شواطئها أعداد كبيرة من البط والأوز وغيرها من الطيور الداجنة، فمكثنا بها نحو شهرين، ثم انتقلنا منها إلى مدينة (ستيناو)، حيث قضينا نحو أربعين يوماً في فندق، ثم انتقلنا منها إلى (اوين) وهي إحدى المنتجعات الألمانية بالقرب من حدود تشيكوسلوفاكيا، فأقمنا ببيت كبير اتسع لنا ولأكثر رفاقنا، وكنا نحو عشرين رجلاً، ومكثنا في اوين معظم عام ١٩٤٤ وشطراً من عام ١٩٤٥، ولكننا لم ننقطع عن برلين، فيقضي كل واحد منهم أسبوعاً في مكتبنا لتفقد شؤون المراجعين من عرب ومسلمين، وقضاء مصالحهم في تلك الظروف الحرجة.

فلما اشتدت الحال، وضيق الحلفاء الخناق على المانيا، وشرعوا في الزحف على الأراضي الألمانية عام ١٩٤٥، زارنا في مقرنا في اوين (البورغمايستر) وهو الاسم الرسمي لحاكم المنطقة، وأبلغنا أن هذه المنطقة أصبحت منطقة خطرة، وأن السلطات