عسكرية أو مدنية، وقد أصيبت دارنا في شارع «كرومه لانكه - غوته شتراسه» عدة مرات.
وكانت السلطات الألمانية المختصة تبادر بإنذارنا بالغارات بالتلفون قبل وقوعها، فنذهب إلى الملاجئ القريبة، ونمكث في الملجأ حتى تنتهي الغارة، فنعود إلى الدار فنجدها في بعض المرات سالمة، وفي بعضها الآخر مصابة في بعض أقسامها، وكذلك الدور المجاورة في تلك المنطقة التي هي ضاحية من ضواحي برلين.
وفي إحدى المرات خرجنا من الملجأ، فشاهدنا داراً مواجهة لدارنا تحترق، فأسرعنا ورفاقنا لمساعدة الجيران، فلما وصلنا حديقة الدار الكبيرة، وجدنا سكانها يكافحون النيران وينقذون ما يمكنهم إنقاذه من المتاع واللباس بنظام دقيق، دون فوضى أو هلع، وبضبط نفس يدعو إلى الإعجاب وقد أدى ذلك إلى إنقاذ قسم غير قليل من أمتعة الدار الثمينة.
وقد أصيبت دارنا مراراً، وكانت ملكاً لسفير ألمانيا في الأرجنتين، ومؤلفة من ثلاث طبقات، تحيط بها حديقة واسعة وفيها بحيرة خاصة، فكانت السلطات الألمانية تصلح الدار فوراً عند إصابتها، فنعود إلى سكناها، ومكثنا على هذه الحال إلى أن وقعت في ٢٣ نوفمبر عام ١٩٤٣ غارة جوية عظيمة دمرت معظم الدار، فلما خرجنا من الملجأ وعدنا إليها لم نجد فيها إلا جزءاً صغيراً نستطيع أن نتقي به البرد، بما فيه سلم الدار، فاضطررنا وجميع رفاقنا سكان الدار أن نقضي تلك الليلة في ذلك المكان الضيق.
فلما كان اليوم التالي نقلتنا السلطات الألمانية إلى منطقة بعيدة عن الغارات الجوية على بحيرة (ساوة) التي يعيش على شواطئها أعداد كبيرة من البط والأوز وغيرها من الطيور الداجنة، فمكثنا بها نحو شهرين، ثم انتقلنا منها إلى مدينة (ستيناو)، حيث قضينا نحو أربعين يوماً في فندق، ثم انتقلنا منها إلى (اوين) وهي إحدى المنتجعات الألمانية بالقرب من حدود تشيكوسلوفاكيا، فأقمنا ببيت كبير اتسع لنا ولأكثر رفاقنا، وكنا نحو عشرين رجلاً، ومكثنا في اوين معظم عام ١٩٤٤ وشطراً من عام ١٩٤٥، ولكننا لم ننقطع عن برلين، فيقضي كل واحد منهم أسبوعاً في مكتبنا لتفقد شؤون المراجعين من عرب ومسلمين، وقضاء مصالحهم في تلك الظروف الحرجة.
فلما اشتدت الحال، وضيق الحلفاء الخناق على المانيا، وشرعوا في الزحف على الأراضي الألمانية عام ١٩٤٥، زارنا في مقرنا في اوين (البورغمايستر) وهو الاسم الرسمي لحاكم المنطقة، وأبلغنا أن هذه المنطقة أصبحت منطقة خطرة، وأن السلطات