الألمانية ترغب في نقلنا إلى مدينة (باد كشتاين) وهي منتجع شهير في جنوب النمسا، وقد لحظنا عند زيارة البورغمايستر لنا، أن السيارات التي تنقله ومن معه كانت كلها تسير بالفحم، بدلاً من البنزين الذي أصبح قليلاً وغالي الثمن في المانيا، فتوجهنا إلى باد كشتاين بعد أن حولنا سياراتنا إلى سيارات وقودها الفحم، وفي طريقنا إليها مررنا بمدينة (باد اوستر) حيث مكثنا ثلاثة أيام، ثم استأنفنا السير إلى مدينة سالزبورغ، وفي طريقنا إليها وعلى مقربة منها أقمنا أسبوعاً في قصر شهير كان هتلر قد خصصه لإقامة بعض ضيوفه، وأخيراً وصلنا إلى باد كشتاين حيث أنزلتنا السلطات الالمانية في فيلا «كارلشتاين» لكنها على رحبها لم تسع لنا جميعاً فنزل بعض إخواننا في فنادق المدينة، وكان بينهم فلسطينيون وسوريون ولبنانيون وتونسيون وإيرانيون، وكانت السلطات الالمانية قد خصصت هذه المدينة للهيئات السياسية، لبعدها عن الغارات الجوية، ولعدم وجود مصانع فيها تجعلها عرضة للقصف والتدمير.
فلما تفاقم الخطر باجتياح جيوش الحلفاء مناطق كثيرة من المانيا، وأصبحت تحيط بها من كل مكان، بحث معنا بعض كبار المسؤولين الالمان عن طريقة لخروجنا من المانيا، فاقترح بعضهم إرسالنا في غواصة تقلنا إلى أحد الشواطئ العربية، وكدنا نقدم على هذه المغامرة، رغم خطورتها، لولا أننا سمعنا في الإذاعة من سويسرة في شهر نيسان عام ١٩٤٥ أن الحكومة السويسرية، وفقاً لتقاليدها، تقبل اللاجئين السياسيين في بلادها. فوجدنا في ذلك حلاً وفرجاً، وشرعنا في تهيئة وسائل السفر إلى سويسرة، وذهبنا برفقة أحد موظفي الخارجية الالمانية إلى مطار (كلاخن فورت)، وهو المطار الأخير الذي كان لا يزال في يد السلطة الالمانية، وهناك شاهدنا نوع الطائرات التي كنا سنسافر بها، فإذا بها طائرات حربية صغيرة لا تضمن لأحد سلامة، ولا تسع كل واحدة منها إلا لراكب واحد بجانب قائدها، الذي لم يقبل أن يتحمل مسؤولية نقلنا. فاضطررنا للعودة إلى باد كشتاين وقررنا أن نسافر بطريق البر إلى سويسرة.
وكنا قد اشترينا سيارة صغيرة تسير بالبنزين الذي كان غالي الثمن جداً واشترينا صفيحة واحدة تعبئة دولار اميركي، وبعد غروب شمس يوم ٤/٥/١٩٤٥ خرجنا من باد كشتاين متجهين إلى الحدود السويسرية، في ليلة شديدة البرد كثيرة الثلج، واجتزنا أكثر من مئة كيلومتر، لكن تراكم الثلوج حال دون مواصلة السير، فأردنا الاتصال بالبورغمايستر، حاكم تلك المنطقة، وكان معنا موظف الماني، فذهب ليبحث لنا عن أقرب مركز للشرطة، لنتمكن من استعمال التلفون والاتصال بالحاكم، فوجد بعد البحث مركز شرطة، وطلب منه أن يمكننا من مخابرة الحاكم، فدله على مركز سري