للتلفون تحت الأرض، ينزل إليه بسلم وسطحه ممهد ومستوى بالأرض، لئلا تراه طائرات الحلفاء، فأتينا إليه ولما طرقنا الباب خرجت إلينا فتاة مجتهدة، فطلبنا منها أن تتصل لنا بالحاكم ومع أن الساعة كانت قد جاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، فقد استطعنا الاتصال به، فأجاب طلبنا وأمر المخفر بمساعدتنا، وكلفت أحد الرفاق أن يعطي الفتاة أجر المكالمة التلفونية، فأعطاها خطأً أكثر من الأجر المقرر، فأخذت الرسم المقرر وهو مارك ونصف المارك، وردت باقي الورقة المالية.
وما لا أنساه أن الموظف الالماني عندما قال للفتاة أن الذي يريد أن يتصل بالحاكم بالتلفون هو ضيف الفوهرر (أي ضيف هتلر) أجابت بحزن عميق أن الفوهرر قد مات. فعلمنا منها بوفاته ولم يكن الخبر قد بلغنا بعد. وقد أعجبنا بصبر تلك الفتاة التي كانت تقوم بواجبها بكل أمانة ودقة، في تلك الساعة وتلك الليلة الكفهرة اكفهراراً جوياً وعسكرياً وسياسياً.
لكن كل محاولاتنا للتقدم نحو الحدود السويسرية أخفقت لتراكم الثلوج، فاضطررنا للعودة مرة أخرى إلى باد كشتاين، وعدنا للاتصال برجال الخارجية فيها، فهيأوا لنا طائرة حربية لتنقلنا من مطار كلاخن فورت إلى سويسرة، وقضينا ليلتنا في كلاخن فورت، ولما ذهبنا في اليوم التالي إلى المطار وجدنا الطائرة الحربية في انتظارنا وفيها اثنان من الطيارين، وعند الساعة الواحدة بعد الظهر أخذنا قائد الطائرة وألبسنا ملابس الطيارين وودعنا، وطارت الطائرة باتجاه سويسرة. وكان ذلك اليوم، يوم الهدنة، واليوم الأخير للحرب الذي استسلمت فيه المانيا، ولهذا السبب لم تصادف طائرات مقاتلة للحلفاء تصدي طائرتنا في الطريق، فلما وصلنا إلى (برن) العاصمة سمعنا صفارات الإنذار تدوي في الجو.
فلما هبطنا إلى أرض المطار وأطلع الموظفون المختصون على أسمائنا، اتصلوا بالمسؤولين فجاء مدير الأمن العام إلى المطار، وبعد حديث معه، وبواسطته مع السلطات المختصة، رفضوا السماح لنا باللجوء إلى سويسرة، فقلنا لهم أننا سمعنا إذاعتكم الرسمية، وقد أعلنتم بها أنكم مستمرون في المحافظة على تقاليدكم بقبول اللاجئين السياسيين في بلادكم، فأجابوا أن هذا صحيح ولكن ثمة قائمة (كشف) بأسماء اثنين وثلاثين شخصاً استثنى أصحابها من السماح لهم باللجوء، واسمك بينهم، لذلك لا يسعنا قبولكم في سويسرة، ولكننا مستعدون لتزويد طائرتكم بما تحتاج إليه من الوقود وغيره، على أن تستأنفوا السفر فوراً إلى اسبانيا مثلاً بصفتها بلداً محايداً.. فسألنا الطيارين الالمانيين الذين كانا يقودان الطائرة عن إمكان ذلك، فقالا