مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 226

Normalized
transcript

للتلفون تحت الأرض، ينزل إليه بسلم وسطحه ممهد ومستوى بالأرض، لئلا تراه طائرات الحلفاء، فأتينا إليه ولما طرقنا الباب خرجت إلينا فتاة مجتهدة، فطلبنا منها أن تتصل لنا بالحاكم ومع أن الساعة كانت قد جاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، فقد استطعنا الاتصال به، فأجاب طلبنا وأمر المخفر بمساعدتنا، وكلفت أحد الرفاق أن يعطي الفتاة أجر المكالمة التلفونية، فأعطاها خطأً أكثر من الأجر المقرر، فأخذت الرسم المقرر وهو مارك ونصف المارك، وردت باقي الورقة المالية.

وما لا أنساه أن الموظف الالماني عندما قال للفتاة أن الذي يريد أن يتصل بالحاكم بالتلفون هو ضيف الفوهرر (أي ضيف هتلر) أجابت بحزن عميق أن الفوهرر قد مات. فعلمنا منها بوفاته ولم يكن الخبر قد بلغنا بعد. وقد أعجبنا بصبر تلك الفتاة التي كانت تقوم بواجبها بكل أمانة ودقة، في تلك الساعة وتلك الليلة الكفهرة اكفهراراً جوياً وعسكرياً وسياسياً.

لكن كل محاولاتنا للتقدم نحو الحدود السويسرية أخفقت لتراكم الثلوج، فاضطررنا للعودة مرة أخرى إلى باد كشتاين، وعدنا للاتصال برجال الخارجية فيها، فهيأوا لنا طائرة حربية لتنقلنا من مطار كلاخن فورت إلى سويسرة، وقضينا ليلتنا في كلاخن فورت، ولما ذهبنا في اليوم التالي إلى المطار وجدنا الطائرة الحربية في انتظارنا وفيها اثنان من الطيارين، وعند الساعة الواحدة بعد الظهر أخذنا قائد الطائرة وألبسنا ملابس الطيارين وودعنا، وطارت الطائرة باتجاه سويسرة. وكان ذلك اليوم، يوم الهدنة، واليوم الأخير للحرب الذي استسلمت فيه المانيا، ولهذا السبب لم تصادف طائرات مقاتلة للحلفاء تصدي طائرتنا في الطريق، فلما وصلنا إلى (برن) العاصمة سمعنا صفارات الإنذار تدوي في الجو.

فلما هبطنا إلى أرض المطار وأطلع الموظفون المختصون على أسمائنا، اتصلوا بالمسؤولين فجاء مدير الأمن العام إلى المطار، وبعد حديث معه، وبواسطته مع السلطات المختصة، رفضوا السماح لنا باللجوء إلى سويسرة، فقلنا لهم أننا سمعنا إذاعتكم الرسمية، وقد أعلنتم بها أنكم مستمرون في المحافظة على تقاليدكم بقبول اللاجئين السياسيين في بلادكم، فأجابوا أن هذا صحيح ولكن ثمة قائمة (كشف) بأسماء اثنين وثلاثين شخصاً استثنى أصحابها من السماح لهم باللجوء، واسمك بينهم، لذلك لا يسعنا قبولكم في سويسرة، ولكننا مستعدون لتزويد طائرتكم بما تحتاج إليه من الوقود وغيره، على أن تستأنفوا السفر فوراً إلى اسبانيا مثلاً بصفتها بلداً محايداً.. فسألنا الطيارين الالمانيين الذين كانا يقودان الطائرة عن إمكان ذلك، فقالا

English
translation

The fee was one and a half marks, and she returned the rest of the banknote.

What I do not forget is that when the German official told the girl that the person who wanted to telephone the mayor was the Führer’s guest, that is, Hitler’s guest, she replied with deep sadness that the Führer had died. Through her we learned of his death; the news had not yet reached us. We admired the patience of that girl, who performed her duty with complete honesty and precision at that hour and on that night, darkened by the darkness of the weather, the military situation, and politics.

All our attempts to advance toward the Swiss border failed because of the accumulated snow, so we had to return once more to Bad Gastein. We again contacted the officials of the Foreign Ministry there, and they prepared a military aircraft to carry us from Klagenfurt Airport to Switzerland. We spent the night in Klagenfurt, and when we went to the airport the next day, we found the military aircraft waiting for us with two pilots inside. At one o’clock in the afternoon, the aircraft commander took us, dressed us in pilots’ clothing, and bid us farewell. The aircraft flew toward Switzerland. That day was the day of the armistice and the last day of the war, on which Germany surrendered. For this reason, no Allied fighter aircraft encountered our aircraft on the way. When we reached Bern, the capital, we heard warning sirens sounding in the sky.

When we landed at the airport and the responsible officials examined our names, they contacted the authorities. The director of public security came to the airport, and after speaking with him and through him with the competent authorities, they refused to allow us to seek refuge in Switzerland. We told them that we had heard their official broadcast, in which you had announced that you continued to uphold your traditions by accepting political refugees in your country. They replied that this was true, but there was a list of the names of thirty-two people whose bearers had been excluded from permission to seek refuge. Your name is among them, and therefore we cannot accept you in Switzerland. We are prepared, however, to provide your aircraft with whatever fuel and other supplies it needs, on the condition that you resume your journey immediately to Spain, for example, as a neutral country. We asked the two German pilots who were flying the aircraft whether this was possible, and they said

Analysis

This page continues the author’s account of a failed overland escape from Bad Gastein, then describes the flight to Switzerland on the day of Germany’s surrender. It records the Swiss refusal to admit the group because the author’s name appeared on a list of thirty-two excluded people, and it preserves the author’s account of the German pilots’ fear that the Allies would destroy the aircraft. The page is especially significant for its first-person description of the final days of the German regime, the movement through German and Swiss authorities, and the author’s position among Nazi and other Axis figures on the prohibited list. These claims and identifications are source-owned and require independent verification. The pilots’ response continues on page 227.

Raw transcript

للتلفون تحت الأرض، ينزل إليه بسلم وسطحه ممهد ومستوى بالأرض، لئلا تراه طائرات الحلفاء، فأتينا إليه ولما طرقنا الباب خرجت إلينا فتاة مجتهدة، فطلبنا منها أن تتصل لنا بالحاكم ومع أن الساعة كانت قد جاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، فقد استطعنا الاتصال به، فأجاب طلبنا وأمر المخفر بمساعدتنا، وكلفت أحد الرفاق أن يعطي الفتاة أجر المكالمة التلفونية، فأعطاها خطأً أكثر من الأجر المقرر، فأخذت الرسم المقرر وهو مارك ونصف المارك، وردت باقي الورقة المالية.

وما لا أنساه أن الموظف الالماني عندما قال للفتاة أن الذي يريد أن يتصل بالحاكم بالتلفون هو ضيف الفوهرر (أي ضيف هتلر) أجابت بحزن عميق أن الفوهرر قد مات. فعلمنا منها بوفاته ولم يكن الخبر قد بلغنا بعد. وقد أعجبنا بصبر تلك الفتاة التي كانت تقوم بواجبها بكل أمانة ودقة، في تلك الساعة وتلك الليلة الكفهرة اكفهراراً جوياً وعسكرياً وسياسياً.

لكن كل محاولاتنا للتقدم نحو الحدود السويسرية أخفقت لتراكم الثلوج، فاضطررنا للعودة مرة أخرى إلى باد كشتاين، وعدنا للاتصال برجال الخارجية فيها، فهيأوا لنا طائرة حربية لتنقلنا من مطار كلاخن فورت إلى سويسرة، وقضينا ليلتنا في كلاخن فورت، ولما ذهبنا في اليوم التالي إلى المطار وجدنا الطائرة الحربية في انتظارنا وفيها اثنان من الطيارين، وعند الساعة الواحدة بعد الظهر أخذنا قائد الطائرة وألبسنا ملابس الطيارين وودعنا، وطارت الطائرة باتجاه سويسرة. وكان ذلك اليوم، يوم الهدنة، واليوم الأخير للحرب الذي استسلمت فيه المانيا، ولهذا السبب لم تصادف طائرات مقاتلة للحلفاء تصدي طائرتنا في الطريق، فلما وصلنا إلى (برن) العاصمة سمعنا صفارات الإنذار تدوي في الجو.

فلما هبطنا إلى أرض المطار وأطلع الموظفون المختصون على أسمائنا، اتصلوا بالمسؤولين فجاء مدير الأمن العام إلى المطار، وبعد حديث معه، وبواسطته مع السلطات المختصة، رفضوا السماح لنا باللجوء إلى سويسرة، فقلنا لهم أننا سمعنا إذاعتكم الرسمية، وقد أعلنتم بها أنكم مستمرون في المحافظة على تقاليدكم بقبول اللاجئين السياسيين في بلادكم، فأجابوا أن هذا صحيح ولكن ثمة قائمة (كشف) بأسماء اثنين وثلاثين شخصاً استثنى أصحابها من السماح لهم باللجوء، واسمك بينهم، لذلك لا يسعنا قبولكم في سويسرة، ولكننا مستعدون لتزويد طائرتكم بما تحتاج إليه من الوقود وغيره، على أن تستأنفوا السفر فوراً إلى اسبانيا مثلاً بصفتها بلداً محايداً.. فسألنا الطيارين الالمانيين الذين كانا يقودان الطائرة عن إمكان ذلك، فقالا