إن الطيران إلى اسبانيا ليس في الإمكان، لأن الحلفاء لابد أنهم عرفوا بأمرنا الآن، وسيدمرون طائرتهم ونحن في الجو. وعندئذ أبدينا للسلطات السويسرية استحالة سفرنا جواً، فنصحتنا بالإسراع بالخروج من بلادها، قبل أن تطالبهم سلطات الحلفاء بتسليمنا إليها، وكان المرحوم الأمير شكيب ارسلان والمرحوم عبد الفتاح عسل سفير مصر في برن قد عرفا بوصولنا إلى برن، وبرفض السلطات السويسرية قبولنا، فحاولا جهدهما حملها على قبولنا، لكن مساعيهما الحثيثة الشريفة لم تؤد إلى نتيجة إيجابية.
وعندئذ خرجنا بالقطار إلى الحدود التي اجتزناها جواً، وهي حدود المانية - سويسرية، إلى مدينة كونستانزة على ضفاف البحيرة المشهورة باسمها، فوجدنا هناك بعض رجال الصليب الأحمر الذين جاؤوا لمعرفة حالتنا الصحية. ووجدنا أيضاً الجيش الفرنسي محتلاً تلك المنطقة. فسلمنا رجال الجيش، وذهبوا بنا إلى معسكر قريب من تلك البحيرة، قضينا فيه ليلتنا.
أما قائمة الاثنين والثلاثين اسماً الممنوعة التي أشارت إليها السلطات السويسرية في حديثها معنا، فكانت تحتوي على أسماء عدد من زعماء المانيا النازية، منهم هتلر وغورنج وروبنتروب وهملر وآخرون، وكذلك موسوليني وبفليتش رئيس جمهورية كرواتيا وغيرهم.
قبل الانتهاء من الحديث عن إقامتنا بالمانيا ومغادرتها إلى سويسرة ففرنسا، أرى إتماماً للبحث أن أشير إلى بعض الوقائع التي حدثت قبل أن نترك باد كشتاين نهائياً، فقد توجهت والأخ الصديق الدكتور فرحان الجندي إلى برلين، للإشراف على بناء قبر المرحوم الدكتور مصطفى الوكيل، قبل أن نغادر برلين آخر مرة، ومكثنا خلال هذه السفرة عشرة أيام بفندق ادلون الشهير، الذي كان ينزل به معظم رجال السلك السياسي للوقاية من الغارات الجوية، لأن فيه ملجأ عميق الغور يهبط إليه بنحو مئة درجة، وكانت برلين في تلك الأيام هدفاً لأشد الغارات الجوية، التي كان معظمها يحدث ليلاً، فكنا نهبط إلى الملجأ ريثما تنتهي الغارة، وأخيراً جاء مندوب من الخارجية الالمانية فأنذر جميع الهيئات السياسية، وأنذرنا أيضاً بضرورة مغادرة برلين خلال يومين، لأن زحف الحلفاء قد اقترب من برلين، وأصبحت مطوقة بجيوشهم.
وكان بناء قبر المرحوم الدكتور الوكيل قد انتهى، وكانت برلين في تلك الأيام، في أواخر شهر نيسان، ١٩٤٥ قد أصبحت حطاماً لا تكاد العين تقع فيها على بناء قائم، فغادرناها متوجهين إلى باد كشتاين، ولعل سيارتنا كانت آخر سيارة غادرت برلين قبل