مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 227

Normalized
transcript

إن الطيران إلى اسبانيا ليس في الإمكان، لأن الحلفاء لابد أنهم عرفوا بأمرنا الآن، وسيدمرون طائرتهم ونحن في الجو. وعندئذ أبدينا للسلطات السويسرية استحالة سفرنا جواً، فنصحتنا بالإسراع بالخروج من بلادها، قبل أن تطالبهم سلطات الحلفاء بتسليمنا إليها، وكان المرحوم الأمير شكيب ارسلان والمرحوم عبد الفتاح عسل سفير مصر في برن قد عرفا بوصولنا إلى برن، وبرفض السلطات السويسرية قبولنا، فحاولا جهدهما حملها على قبولنا، لكن مساعيهما الحثيثة الشريفة لم تؤد إلى نتيجة إيجابية.

وعندئذ خرجنا بالقطار إلى الحدود التي اجتزناها جواً، وهي حدود المانية - سويسرية، إلى مدينة كونستانزة على ضفاف البحيرة المشهورة باسمها، فوجدنا هناك بعض رجال الصليب الأحمر الذين جاؤوا لمعرفة حالتنا الصحية. ووجدنا أيضاً الجيش الفرنسي محتلاً تلك المنطقة. فسلمنا رجال الجيش، وذهبوا بنا إلى معسكر قريب من تلك البحيرة، قضينا فيه ليلتنا.

أما قائمة الاثنين والثلاثين اسماً الممنوعة التي أشارت إليها السلطات السويسرية في حديثها معنا، فكانت تحتوي على أسماء عدد من زعماء المانيا النازية، منهم هتلر وغورنج وروبنتروب وهملر وآخرون، وكذلك موسوليني وبفليتش رئيس جمهورية كرواتيا وغيرهم.

قبل الانتهاء من الحديث عن إقامتنا بالمانيا ومغادرتها إلى سويسرة ففرنسا، أرى إتماماً للبحث أن أشير إلى بعض الوقائع التي حدثت قبل أن نترك باد كشتاين نهائياً، فقد توجهت والأخ الصديق الدكتور فرحان الجندي إلى برلين، للإشراف على بناء قبر المرحوم الدكتور مصطفى الوكيل، قبل أن نغادر برلين آخر مرة، ومكثنا خلال هذه السفرة عشرة أيام بفندق ادلون الشهير، الذي كان ينزل به معظم رجال السلك السياسي للوقاية من الغارات الجوية، لأن فيه ملجأ عميق الغور يهبط إليه بنحو مئة درجة، وكانت برلين في تلك الأيام هدفاً لأشد الغارات الجوية، التي كان معظمها يحدث ليلاً، فكنا نهبط إلى الملجأ ريثما تنتهي الغارة، وأخيراً جاء مندوب من الخارجية الالمانية فأنذر جميع الهيئات السياسية، وأنذرنا أيضاً بضرورة مغادرة برلين خلال يومين، لأن زحف الحلفاء قد اقترب من برلين، وأصبحت مطوقة بجيوشهم.

وكان بناء قبر المرحوم الدكتور الوكيل قد انتهى، وكانت برلين في تلك الأيام، في أواخر شهر نيسان، ١٩٤٥ قد أصبحت حطاماً لا تكاد العين تقع فيها على بناء قائم، فغادرناها متوجهين إلى باد كشتاين، ولعل سيارتنا كانت آخر سيارة غادرت برلين قبل

English
translation

that flying to Spain was impossible, because the Allies must by now have learned of our situation and would destroy their aircraft while we were in the air. We then explained to the Swiss authorities that air travel was impossible for us. They advised us to leave their country quickly, before the Allied authorities demanded that they hand us over. The late Emir Shakib Arslan and the late Abd al-Fattah Asal, the Egyptian ambassador in Bern, had learned of our arrival in Bern and of the Swiss authorities’ refusal to accept us. They made every effort to persuade them to accept us, but their strenuous and honorable efforts produced no positive result.

We then left by train for the border we had crossed by air, the German-Swiss border, and went to the city of Constance on the shore of the lake known by that name. There we found some Red Cross personnel who had come to learn about our health. We also found the French army occupying that area. We surrendered to the army personnel, and they took us to a camp near the lake, where we spent the night.

As for the list of thirty-two prohibited names that the Swiss authorities had mentioned in their conversation with us, it contained the names of a number of Nazi German leaders, including Hitler, Göring, Ribbentrop, Himmler, and others, as well as Mussolini and Pavelić, president of Croatia, and others.

Before ending the account of our stay in Germany and our departure from it for Switzerland and then France, I think that, to complete the discussion, I should mention some events that occurred before we finally left Bad Gastein. My friend Dr. Farhan al-Jundi and I went to Berlin to supervise the construction of the grave of the late Dr. Mustafa al-Wakil, before we left Berlin for the last time. During this journey we stayed for ten days at the famous Adlon Hotel, where most members of the diplomatic corps stayed for protection from air raids, because it contained a deep shelter reached by descending about one hundred steps. Berlin was then the target of the heaviest air raids, most of which took place at night. We would descend into the shelter until the raid ended. Finally, a representative of the German Foreign Ministry came and warned all the political delegations, including us, that Berlin had to be left within two days because the Allied advance had approached Berlin and their armies had encircled it.

The grave of the late Dr. al-Wakil had been completed, and Berlin at that time, in late April 1945, had become a ruin in which the eye could scarcely find a standing building. We left it for Bad Gastein, and perhaps our car was the last car to leave Berlin before

Analysis

This page completes the account of the failed flight to Spain, records the group’s transfer to a French camp, identifies the prohibited-name list as including Nazi and Axis leaders, and returns to the author’s final journey from Berlin to Bad Gastein. The page is especially significant because it places the author’s travel and diplomatic contacts within the collapse of Germany in April and May 1945, while preserving his account of the Adlon Hotel, air raids, Dr. Mustafa al-Wakil’s grave, and the German Foreign Ministry’s evacuation warning. These are source-owned memoir claims and require independent verification. The final sentence continues on page 228.

Raw transcript

إن الطيران إلى اسبانيا ليس في الإمكان، لأن الحلفاء لابد أنهم عرفوا بأمرنا الآن، وسيدمرون طائرتهم ونحن في الجو. وعندئذ أبدينا للسلطات السويسرية استحالة سفرنا جواً، فنصحتنا بالإسراع بالخروج من بلادها، قبل أن تطالبهم سلطات الحلفاء بتسليمنا إليها، وكان المرحوم الأمير شكيب ارسلان والمرحوم عبد الفتاح عسل سفير مصر في برن قد عرفا بوصولنا إلى برن، وبرفض السلطات السويسرية قبولنا، فحاولا جهدهما حملها على قبولنا، لكن مساعيهما الحثيثة الشريفة لم تؤد إلى نتيجة إيجابية.

وعندئذ خرجنا بالقطار إلى الحدود التي اجتزناها جواً، وهي حدود المانية - سويسرية، إلى مدينة كونستانزة على ضفاف البحيرة المشهورة باسمها، فوجدنا هناك بعض رجال الصليب الأحمر الذين جاؤوا لمعرفة حالتنا الصحية. ووجدنا أيضاً الجيش الفرنسي محتلاً تلك المنطقة. فسلمنا رجال الجيش، وذهبوا بنا إلى معسكر قريب من تلك البحيرة، قضينا فيه ليلتنا.

أما قائمة الاثنين والثلاثين اسماً الممنوعة التي أشارت إليها السلطات السويسرية في حديثها معنا، فكانت تحتوي على أسماء عدد من زعماء المانيا النازية، منهم هتلر وغورنج وروبنتروب وهملر وآخرون، وكذلك موسوليني وبفليتش رئيس جمهورية كرواتيا وغيرهم.

قبل الانتهاء من الحديث عن إقامتنا بالمانيا ومغادرتها إلى سويسرة ففرنسا، أرى إتماماً للبحث أن أشير إلى بعض الوقائع التي حدثت قبل أن نترك باد كشتاين نهائياً، فقد توجهت والأخ الصديق الدكتور فرحان الجندي إلى برلين، للإشراف على بناء قبر المرحوم الدكتور مصطفى الوكيل، قبل أن نغادر برلين آخر مرة، ومكثنا خلال هذه السفرة عشرة أيام بفندق ادلون الشهير، الذي كان ينزل به معظم رجال السلك السياسي للوقاية من الغارات الجوية، لأن فيه ملجأ عميق الغور يهبط إليه بنحو مئة درجة، وكانت برلين في تلك الأيام هدفاً لأشد الغارات الجوية، التي كان معظمها يحدث ليلاً، فكنا نهبط إلى الملجأ ريثما تنتهي الغارة، وأخيراً جاء مندوب من الخارجية الالمانية فأنذر جميع الهيئات السياسية، وأنذرنا أيضاً بضرورة مغادرة برلين خلال يومين، لأن زحف الحلفاء قد اقترب من برلين، وأصبحت مطوقة بجيوشهم.

وكان بناء قبر المرحوم الدكتور الوكيل قد انتهى، وكانت برلين في تلك الأيام، في أواخر شهر نيسان، ١٩٤٥ قد أصبحت حطاماً لا تكاد العين تقع فيها على بناء قائم، فغادرناها متوجهين إلى باد كشتاين، ولعل سيارتنا كانت آخر سيارة غادرت برلين قبل