مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 228

Normalized
transcript

احتلال الحلفاء لها، ولكننا لم نستطع أن نحدد الطريق الذي يجب أن نسلكه حتى لا نقع في أيدي القوات الزاحفة، ولما سألنا المراجع الالمانية المسؤولة أشارت علينا بأن نسأل قائد الموقع العسكري في كل مكان نصل إليه، وهو يرشدنا إلى الطريق الذي يجب سلوكه، فعملنا بذلك.

وكانت طائرات الحلفاء التي اطلقوا عليها اسم (الغربان السود) وهي طائرات سود صغيرة الحجم قد انتشرت في كل مكان، فكانت تنقض قريباً من الأرض على قوافل السيارات الخارجة من برلين وغيرها، فتحرقها بمن فيها من الركاب والمتاع.

وقد شاهدنا في طريقنا عدة قوافل من السيارات محترقة بمن فيها، ولذلك آثرنا أن نسير بسيارتنا دون أن ننضم إلى إحدى القوافل، وكنا عندما نرى تلك الغربان السود، نترك السيارة ونختفي في إحدى الغابات، إلى أن تبتعد تلك الغربان عنا.

وحدث عند وصولنا إلى مدينة كارلسباد أن ذهب رفيقنا الدكتور فرحان ليسأل قائد الموقع العسكري عن الطريق السليم، فانتهزت الفرصة لصلاة المغرب، وفرشت عباءة كانت معي، وفيما كنت أصلي إذ بالغربان السود تهاجم المنطقة وتمر من فوقنا مخطية الحديقة أمامنا، فلم أقطع صلاتي لاعتقادي أن لكل أجل كتاباً. وقصفت تلك الغربان بعض المواقع في كارلسباد ثم غادرتها، فاستأنفنا السفر إلى (مارينباد)، وكنا حريصين على الاستفادة من ظلام الليل، للنجاة من تلك الطائرات الشديدة الخطر، لكن سيارتنا أصيبت بعطل قبل أن نبتعد عن مارينباد، فشرعنا في إصلاحه فلم نتمكن من ذلك حتى الفجر، وقد اشتد البرد، فذهب الدكتور فرحان ليبحث عن مكان نأوي إليه، وماء أو شاي نشربه، فوجد جماعة من اللاجئين الالمان يقيمون في مكان يشتمل على غرفة فسيحة، وقد قسموها إلى عدة أقسام لتسع لهم، وخصصوا لكل عائلة منهم قسماً، وجعلوا الحواجز فيما بين الأقسام من الحبال أو الخيطان لا يتعدونها، واتخذوا من أحد جوانب الغرفة مطبخاً مشتركاً للجميع، وعندهم ماء ساخن، فذهبنا إليهم وأعطيناهم بعض الشاي الذي كان معنا، ففرحوا به لأن الشاي كان نادراً في المانيا حينئذ، ثم أعطينا الأطفال قطعاً من الشيكولاتة كانت معنا، فلم يعرفوها ورفضوا أخذها لأنهم ولدوا في زمن كانت فيه المانيا محرومة من الشيكولاتة وأشياء كثيرة غيرها أشد ضرورة منها.

وشاهدنا شاباً مستلقياً في الفراش تبدو عليه دلائل الصحة، فعجبنا من أمره لأنه قلما كان يشاهد شاب الماني في تلك الأيام غير مجند في الجيش أو في عمل آخر من

English
translation

the Allied occupation of it. But we could not determine which road to take so that we would not fall into the hands of the advancing forces. When we asked the responsible German authorities, they advised us to ask the commander of the military position at every place we reached, and he would direct us to the road we should follow. We did so.

The Allied aircraft they called “the Black Crows,” small black aircraft, had spread everywhere. They swooped close to the ground upon convoys of cars leaving Berlin and elsewhere and burned them with their passengers and belongings inside.

On our way we saw several convoys of cars burned with their occupants inside. We therefore preferred to drive our car without joining any convoy. Whenever we saw those Black Crows, we left the car and hid in a forest until they moved away from us.

When we reached the city of Karlsbad, our companion Dr. Farhan went to ask the military-position commander about the safe road. I took the opportunity to perform the sunset prayer and spread out a cloak I had with me. While I was praying, the Black Crows attacked the area and passed overhead, flying low over the garden in front of us. I did not break my prayer, believing that every appointed term has its decree. Those Black Crows bombed some positions in Karlsbad and then departed, and we resumed our journey to Marienbad.

We were eager to make use of the darkness of night to escape those highly dangerous aircraft, but our car broke down before we had gone far from Marienbad. We began repairing it but could not do so until dawn. The cold grew severe, so Dr. Farhan went to look for a place where we could take shelter and for water or tea to drink. He found a group of German refugees staying in a place that contained a spacious room. They had divided it into several sections to accommodate them, assigning each family a section. They made barriers between the sections from rope or string and did not cross them. They had made one side of the room a common kitchen and had hot water. We went to them and gave them some of the tea we had with us. They were happy because tea was scarce in Germany at that time. We then gave the children pieces of chocolate we had with us, but they did not know what it was and refused to take it, because they had been born in a time when Germany was deprived of chocolate and many other things more necessary than it.

We saw a young man lying in bed who appeared healthy. We were surprised by him, because it was rare in those days to see a young German man who was not enlisted in the army or engaged in another requirement of the war,

Analysis

This page continues the author’s account of the final drive from Berlin to Bad Gastein, describing Allied air attacks, concealment in forests, prayer during an air raid, and a night spent among German refugees. It is especially significant for its first-person depiction of wartime travel and civilian deprivation, as well as the author’s interpretation of providence and survival. The account of the “Black Crows,” the air attacks, and the German refugee shelter is source-owned memoir evidence and requires independent verification. The final description of a wounded German young man continues on page 229.

Raw transcript

احتلال الحلفاء لها، ولكننا لم نستطع أن نحدد الطريق الذي يجب أن نسلكه حتى لا نقع في أيدي القوات الزاحفة، ولما سألنا المراجع الالمانية المسؤولة أشارت علينا بأن نسأل قائد الموقع العسكري في كل مكان نصل إليه، وهو يرشدنا إلى الطريق الذي يجب سلوكه، فعملنا بذلك.

وكانت طائرات الحلفاء التي اطلقوا عليها اسم (الغربان السود) وهي طائرات سود صغيرة الحجم قد انتشرت في كل مكان، فكانت تنقض قريباً من الأرض على قوافل السيارات الخارجة من برلين وغيرها، فتحرقها بمن فيها من الركاب والمتاع.

وقد شاهدنا في طريقنا عدة قوافل من السيارات محترقة بمن فيها، ولذلك آثرنا أن نسير بسيارتنا دون أن ننضم إلى إحدى القوافل، وكنا عندما نرى تلك الغربان السود، نترك السيارة ونختفي في إحدى الغابات، إلى أن تبتعد تلك الغربان عنا.

وحدث عند وصولنا إلى مدينة كارلسباد أن ذهب رفيقنا الدكتور فرحان ليسأل قائد الموقع العسكري عن الطريق السليم، فانتهزت الفرصة لصلاة المغرب، وفرشت عباءة كانت معي، وفيما كنت أصلي إذ بالغربان السود تهاجم المنطقة وتمر من فوقنا مخطية الحديقة أمامنا، فلم أقطع صلاتي لاعتقادي أن لكل أجل كتاباً. وقصفت تلك الغربان بعض المواقع في كارلسباد ثم غادرتها، فاستأنفنا السفر إلى (مارينباد)، وكنا حريصين على الاستفادة من ظلام الليل، للنجاة من تلك الطائرات الشديدة الخطر، لكن سيارتنا أصيبت بعطل قبل أن نبتعد عن مارينباد، فشرعنا في إصلاحه فلم نتمكن من ذلك حتى الفجر، وقد اشتد البرد، فذهب الدكتور فرحان ليبحث عن مكان نأوي إليه، وماء أو شاي نشربه، فوجد جماعة من اللاجئين الالمان يقيمون في مكان يشتمل على غرفة فسيحة، وقد قسموها إلى عدة أقسام لتسع لهم، وخصصوا لكل عائلة منهم قسماً، وجعلوا الحواجز فيما بين الأقسام من الحبال أو الخيطان لا يتعدونها، واتخذوا من أحد جوانب الغرفة مطبخاً مشتركاً للجميع، وعندهم ماء ساخن، فذهبنا إليهم وأعطيناهم بعض الشاي الذي كان معنا، ففرحوا به لأن الشاي كان نادراً في المانيا حينئذ، ثم أعطينا الأطفال قطعاً من الشيكولاتة كانت معنا، فلم يعرفوها ورفضوا أخذها لأنهم ولدوا في زمن كانت فيه المانيا محرومة من الشيكولاتة وأشياء كثيرة غيرها أشد ضرورة منها.

وشاهدنا شاباً مستلقياً في الفراش تبدو عليه دلائل الصحة، فعجبنا من أمره لأنه قلما كان يشاهد شاب الماني في تلك الأيام غير مجند في الجيش أو في عمل آخر من