احتلال الحلفاء لها، ولكننا لم نستطع أن نحدد الطريق الذي يجب أن نسلكه حتى لا نقع في أيدي القوات الزاحفة، ولما سألنا المراجع الالمانية المسؤولة أشارت علينا بأن نسأل قائد الموقع العسكري في كل مكان نصل إليه، وهو يرشدنا إلى الطريق الذي يجب سلوكه، فعملنا بذلك.
وكانت طائرات الحلفاء التي اطلقوا عليها اسم (الغربان السود) وهي طائرات سود صغيرة الحجم قد انتشرت في كل مكان، فكانت تنقض قريباً من الأرض على قوافل السيارات الخارجة من برلين وغيرها، فتحرقها بمن فيها من الركاب والمتاع.
وقد شاهدنا في طريقنا عدة قوافل من السيارات محترقة بمن فيها، ولذلك آثرنا أن نسير بسيارتنا دون أن ننضم إلى إحدى القوافل، وكنا عندما نرى تلك الغربان السود، نترك السيارة ونختفي في إحدى الغابات، إلى أن تبتعد تلك الغربان عنا.
وحدث عند وصولنا إلى مدينة كارلسباد أن ذهب رفيقنا الدكتور فرحان ليسأل قائد الموقع العسكري عن الطريق السليم، فانتهزت الفرصة لصلاة المغرب، وفرشت عباءة كانت معي، وفيما كنت أصلي إذ بالغربان السود تهاجم المنطقة وتمر من فوقنا مخطية الحديقة أمامنا، فلم أقطع صلاتي لاعتقادي أن لكل أجل كتاباً. وقصفت تلك الغربان بعض المواقع في كارلسباد ثم غادرتها، فاستأنفنا السفر إلى (مارينباد)، وكنا حريصين على الاستفادة من ظلام الليل، للنجاة من تلك الطائرات الشديدة الخطر، لكن سيارتنا أصيبت بعطل قبل أن نبتعد عن مارينباد، فشرعنا في إصلاحه فلم نتمكن من ذلك حتى الفجر، وقد اشتد البرد، فذهب الدكتور فرحان ليبحث عن مكان نأوي إليه، وماء أو شاي نشربه، فوجد جماعة من اللاجئين الالمان يقيمون في مكان يشتمل على غرفة فسيحة، وقد قسموها إلى عدة أقسام لتسع لهم، وخصصوا لكل عائلة منهم قسماً، وجعلوا الحواجز فيما بين الأقسام من الحبال أو الخيطان لا يتعدونها، واتخذوا من أحد جوانب الغرفة مطبخاً مشتركاً للجميع، وعندهم ماء ساخن، فذهبنا إليهم وأعطيناهم بعض الشاي الذي كان معنا، ففرحوا به لأن الشاي كان نادراً في المانيا حينئذ، ثم أعطينا الأطفال قطعاً من الشيكولاتة كانت معنا، فلم يعرفوها ورفضوا أخذها لأنهم ولدوا في زمن كانت فيه المانيا محرومة من الشيكولاتة وأشياء كثيرة غيرها أشد ضرورة منها.
وشاهدنا شاباً مستلقياً في الفراش تبدو عليه دلائل الصحة، فعجبنا من أمره لأنه قلما كان يشاهد شاب الماني في تلك الأيام غير مجند في الجيش أو في عمل آخر من