مقتضيات الحرب، وسألناه هل أنت في إجازة؟ فتبسم ورفع الغطاء عن جسمه فإذا بإحدى رجليه مقطوعة من فوق الركبة، وقال: هذه إجازتي.. ولما أهدنا إليه سيجارة أقبل عليها بشغف ظاهر، وقال: إني منذ عشرة أيام لم أدخن سيجارة واحدة..
وفي طريقنا من برلين إلى باد كشتاين مررنا بمدينة (نورمبرغ) فكانت خراباً يباباً، وكان عهدنا بها العمران والازدهار، والحركة الدائبة، والمنشآت الرائعة، وقد وقع عليها اختيار الحلفاء بعد الحرب لتكون مركزاً لمحاكمة زعماء المانيا وغيرهم ممن سموهم «مجرمي الحرب» وحكموا على كثير منهم بالإعدام أو بالسجن مدى الحياة.
وقد سبقت الإشارة في هذه المذكرات إلى أن اليهود، ومن يدعمهم من زعماء بعض الدول الغربية، طالبوا بمحاكمتي في محكمة نورمبرغ كمجرم حرب، بتهمة إبادة اليهود وتأليف فرقتين عسكريتين من مسلمي البوسنة (يوغسلافيا الآن) لمحاربة الحلفاء، لكن محاولاتهم أخفقت، وسأعود إلى تفصيل هذه الحادثة في مكان آخر إن شاء الله.
كانت هذه حال المانيا في أواخر سني الحرب وعند انتهائها، غارات، ودمار، ومعارك جوية وبرية وبحرية، وحرمان. ورغم ذلك كله كان النظام والصبر والطاعة تسود الشعب الالماني، وبقي نظام توزيع الطعام سارياً. وقد أصدرت الهيئات الشعبية الالمانية بيانات ونشرات إلى الشعب الالماني تطلب منه أن يمد يد المساعدة إلى إخوانه اللاجئين والمحتاجين بسبب ظروف الحرب القاسية، وأن تكون المساعدة حسب الاستطاعة أما بالمال، أو بالملابس، أو بشريحة خبز من رغيف، أو بأي شيء يستطيع المرء، كما طلبت من أفراد الشعب مساعدة الشيوخ والعجزة وحمل العاجزين منهم عن السير، وحمل الأطفال والمتعة الذين لا يستطيعون من الضعفاء القادمين بالقطارات أو بالسيارات، وأن يرشدهم إلى الملاجئ ويقدموا لهم كل ما يستطيعون من خدمات، حتى كنس الغرف وتنظيف الأماكن.
وبصفوة القول أن الشعب الالماني شعب عظيم، جمع العلم والفن إلى الشجاعة والبسالة، إلى النظام والطاعة، إلى التعاون والفداء والإيثار، وغير ذلك من الميزات التي تحلى بها شعب انتزع إعجاب العالم وتقديره، ولا شك في أن الشعب الفلسطيني، وكل شعب يجاهد ويكافح في سبيل انتزاع حقوقه واسترداد وطنه من أيدي الغاصبين، لا بد له من التحلي بالصفات والميزات التي تؤهله للعمل العظيم الذي