يضطلع به، وأهمها الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والتعاون، والفداء، والإيثار، والصبر على المكاره، عملاً بقوله تعالى ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾.
في باريس:
عندما اعتقلنا بين كونستانزة وباريس على الحدود السويسرية، مكثنا في المعتقل خمسة أيام، أعلمت خلالها ضابط المعتقل برغبتي في مقابلة الجنرال قائد الجيش الفرنسي فحادثته، فقال لي الضابط إني أعرفك منذ كنت ضابطاً في بيروت عام ١٩٣٩، إذ كنت أنت مقيماً بها ثم تمكنت من السفر سراً من لبنان إلى العراق رغم حراسة السلطات الفرنسية العسكرية ليبكم في بيروت.. وفي اليوم التالي نقلونا إلى السجن العسكري، ووضعوني في زنزانة مع شخص فرنسي هو طبيب الماريشال بيتان وصديقه. فقضيت الليل كله في تلك الزنزانة، حتى بعد ظهر اليوم التالي، إذ نظمونا في قافلة من الأسرى والمعتقلين، ووضعوا في أيدينا الأغلال، وأركبونا في سيارة نقل وحينئذ تصدى رفيقنا في السفر والعمل الأستاذ محمد اسحق درويش لقائد القافلة وقال له بلوم شديد: كيف تضعون الأغلال في يدي فلان، ألا تخجلون من ذلك؟ وبعد أخذ ورد فكوا الأغلال، وأركبونا سيارة نقل عسكرية مكشوفة، سارت بنا وسط غبار مزعج إلى ستراسبورج، فوصلناها مساء فأدخلونا إلى ثكنة عسكرية أنزلونا فيها، ووضعونا في غرفة فرشنا من القش وفيها انبوب ماء للشرب فشعرنا بنعمة كبيرة بالنسبة للزنزانة التي كنا فيها في السجن العسكري في مدينة كونستانزة.
وعند العشاء جائنا عريف عليه سمة الشرقيين، واحضر لي طاسة فيها حليب ممزوج بالشاي، وقدمها لي بيده فأخذته منه، ولكني قبل أن أشربه علمت أنه يهودي مغربي في الجيش الفرنسي، فلم أذق منه شيئاً.. وفي اليوم التالي نقلونا إلى سجن «شيرش ميدي» الشهير في باريس، فمكثنا فيه بضع ساعات، ريثما نقلونا مع فئة من رفاق القافلة إلى دائرة الشرطة المركزية، حيث قضينا الليل فيها، وكان معظم رفاق القافلة من الفرنسيين الذين تعاونوا مع الماريشال بيتان واعتقلوا لمحاكمتهم، وقد سمحوا لعائلاتهم بزيارتهم تلك الليلة التي كانت ليلة عويل وبكاء ووداع بين أولئك الضباط وعائلاتهم إذ كان المتوقع أن يحكم عليهم بالإعدام لتعاونهم مع بيتان، وفي الصباح أخذوهم ونقلونا في سيارة عسكرية إلى ضاحية «لافارين La Varine» على بعد ١٢ كيلومتراً من باريس، وتقع على نهر المارن، وأنزلونا في بيت خاص تحت الحراسة الشديدة،