وكان مكاننا شديد الرطوبة لمجاورته النهر، وقد أعلمت الحكومة الفرنسية السيد قدور بن غريط بوصولي، وكان هو المشرف على شؤون مسجد باريس، وكان ذا صفة رسمية مغربية فرنسية، فأرسل إلينا سكرتيره الفرنسي ومعه طباخ تونسي ليتولى شؤون الطبخ، فبقينا في ذلك البيت تحت الحراسة الشديدة إلى أن ينظر في أمرنا.
وكانت الحكومة البريطانية تطالب بتسليمنا إليها، بصفتها دولة الانتداب على فلسطين، كما أن قيادة الحلفاء العليا التي كان على رأسها حينئذ الجنرال ايزنهاور تطالب أيضاً بأن تسلمنا، لكن الحكومة الفرنسية لم تستجب لطلبهما، بحجة أن لها معنا حساباً خاصاً طويلاً، من جراء اشتراكنا في مساعدة الثورة السورية ضد فرنسا، ولمساهمتنا أيضاً بالتعاون مع الالمان خلال الحرب الأخيرة.
واعتقادي أن ما وقع في سورية من الخلاف الشديد بين الإنكليز والفرنسيين، عقب الحرب العالمية الثانية، كان من أسباب عدم تسليمنا للإنكليز، فقد أرسلت برقيات كثيرة من جهات عربية واسلامية في شأننا إلى الجنرال ديجول، وقامت مظاهرات كبرى في بيروت وبعض البلاد العربية والاسلامية تطالب بالعناية بنا، وكذلك قام زعماء مسلمي الهند يطالبون بالعناية بنا وعلى رأسهم المغفور له محمد علي جناح رئيس رابطة مسلمي الهند، وقد أرسل المغفور له امام اليمن يحيى حميد الدين برقية خاصة إلى الجنرال ديجول، يطلب منه إرسالي إلى اليمن بطائرة، لأكون في ضيافته، وحدث بعد ذلك أن زار المغفور له الملك محمد الخامس ملك المغرب باريس بدعوة من الجنرال ديجول لمشاهدة الاحتفال بيوم النصر، فتوجه الجنرال ديجول يطلب من الملك محمد الخامس أن يسمح له بأخذي معه إلى المغرب، تحقيقاً لرغبة أعيان المغرب وعلمائه. ولما وصل بعد ذلك مولاي محمد الأمين باي تونس قدم أيضاً نفس الطلب.
فكان لجميع هذه العوامل تأثير كبير على السلطة الفرنسية، ولكن مساعي الأعداء وفي مقدمتهم الصهيونيون لم تغفل عنا وظلت تلاحقنا بمساع جديدة، وقد كادت تنجح تلك المساعي الخبيثة، فقد ورد في بعض الصحف الفرنسية، بعد وصولنا لباريس بنحو أسبوع، أن الحكومة قررت تسليمنا إلى السلطات المختصة، وفي صباح أحد الأيام، بينما كنت أطل من إحدى نوافذ البيت، رأيت أمام الباب سيارة عسكرية مكتوباً عليها كلمة Prisoniers فشعرت بخطر تسليمنا، وبعد أن بقيت تلك السيارة أمام البيت نحو ساعتين تلقت أمراً بالانسحاب بدون أن تأخذنا، وقضينا أياماً مقلقة مؤلمة مؤرقة وفي تلك الظروف الصعبة فهمت للمرة الأولى معنى البيت القائل:
فساغ لي الشراب وكنت قبلاً أغص بالماء الفرات