مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 231

Normalized
transcript

وكان مكاننا شديد الرطوبة لمجاورته النهر، وقد أعلمت الحكومة الفرنسية السيد قدور بن غريط بوصولي، وكان هو المشرف على شؤون مسجد باريس، وكان ذا صفة رسمية مغربية فرنسية، فأرسل إلينا سكرتيره الفرنسي ومعه طباخ تونسي ليتولى شؤون الطبخ، فبقينا في ذلك البيت تحت الحراسة الشديدة إلى أن ينظر في أمرنا.

وكانت الحكومة البريطانية تطالب بتسليمنا إليها، بصفتها دولة الانتداب على فلسطين، كما أن قيادة الحلفاء العليا التي كان على رأسها حينئذ الجنرال ايزنهاور تطالب أيضاً بأن تسلمنا، لكن الحكومة الفرنسية لم تستجب لطلبهما، بحجة أن لها معنا حساباً خاصاً طويلاً، من جراء اشتراكنا في مساعدة الثورة السورية ضد فرنسا، ولمساهمتنا أيضاً بالتعاون مع الالمان خلال الحرب الأخيرة.

واعتقادي أن ما وقع في سورية من الخلاف الشديد بين الإنكليز والفرنسيين، عقب الحرب العالمية الثانية، كان من أسباب عدم تسليمنا للإنكليز، فقد أرسلت برقيات كثيرة من جهات عربية واسلامية في شأننا إلى الجنرال ديجول، وقامت مظاهرات كبرى في بيروت وبعض البلاد العربية والاسلامية تطالب بالعناية بنا، وكذلك قام زعماء مسلمي الهند يطالبون بالعناية بنا وعلى رأسهم المغفور له محمد علي جناح رئيس رابطة مسلمي الهند، وقد أرسل المغفور له امام اليمن يحيى حميد الدين برقية خاصة إلى الجنرال ديجول، يطلب منه إرسالي إلى اليمن بطائرة، لأكون في ضيافته، وحدث بعد ذلك أن زار المغفور له الملك محمد الخامس ملك المغرب باريس بدعوة من الجنرال ديجول لمشاهدة الاحتفال بيوم النصر، فتوجه الجنرال ديجول يطلب من الملك محمد الخامس أن يسمح له بأخذي معه إلى المغرب، تحقيقاً لرغبة أعيان المغرب وعلمائه. ولما وصل بعد ذلك مولاي محمد الأمين باي تونس قدم أيضاً نفس الطلب.

فكان لجميع هذه العوامل تأثير كبير على السلطة الفرنسية، ولكن مساعي الأعداء وفي مقدمتهم الصهيونيون لم تغفل عنا وظلت تلاحقنا بمساع جديدة، وقد كادت تنجح تلك المساعي الخبيثة، فقد ورد في بعض الصحف الفرنسية، بعد وصولنا لباريس بنحو أسبوع، أن الحكومة قررت تسليمنا إلى السلطات المختصة، وفي صباح أحد الأيام، بينما كنت أطل من إحدى نوافذ البيت، رأيت أمام الباب سيارة عسكرية مكتوباً عليها كلمة Prisoniers فشعرت بخطر تسليمنا، وبعد أن بقيت تلك السيارة أمام البيت نحو ساعتين تلقت أمراً بالانسحاب بدون أن تأخذنا، وقضينا أياماً مقلقة مؤلمة مؤرقة وفي تلك الظروف الصعبة فهمت للمرة الأولى معنى البيت القائل:

فساغ لي الشراب وكنت قبلاً أغص بالماء الفرات

English
translation

The place where we stayed was extremely damp because it was near the river. The French government informed Mr. Kaddour Ben Gharit of my arrival. He supervised the affairs of the Paris Mosque and held an official Franco-Moroccan position. He sent us his French secretary together with a Tunisian cook to take charge of cooking. We remained in that house under close guard until our case could be considered.

The British government demanded that we be handed over to it as the mandatory power over Palestine. The Allied Supreme Command, then headed by General Eisenhower, also demanded that we be handed over. The French government did not respond to either request, on the grounds that it had a long, special account to settle with us because of our participation in assisting the Syrian revolt against France and our cooperation with the Germans during the recent war.

I believe that the severe disagreement that occurred in Syria between the English and the French after the Second World War was one reason for their refusal to hand us over to the English. Many telegrams were sent from Arab and Islamic quarters concerning us to General de Gaulle. Major demonstrations were held in Beirut and in some Arab and Islamic countries, demanding that care be taken of us. The leaders of Indian Muslims also demanded that care be taken of us, headed by the late Muhammad Ali Jinnah, president of the Muslim League of India. The late Imam of Yemen, Yahya Hamid al-Din, also sent a special telegram to General de Gaulle asking him to send me by aircraft to Yemen so that I could be his guest. It then happened that the late King Muhammad V of Morocco visited Paris at General de Gaulle’s invitation to attend the Victory Day celebration. General de Gaulle approached King Muhammad V and asked him to allow me to accompany him to Morocco, in fulfillment of the wish of Morocco’s notables and scholars. When Mu’ayyad Muhammad al-Amin Bey of Tunisia later arrived, he made the same request as well.

All these factors had a major effect on the French authorities, but the efforts of the enemies, foremost among them the Zionists, did not leave us alone and continued to pursue us with new efforts. Those malicious efforts nearly succeeded. Some French newspapers reported about a week after our arrival in Paris that the government had decided to hand us over to the competent authorities. One morning, while I was looking out from one of the windows of the house, I saw a military vehicle in front of the door with the word “Prisoniers” written on it. I felt the danger that we would be handed over. After that vehicle had remained in front of the house for about two hours, it received an order to withdraw without taking us. We spent anxious, painful, sleepless days, and in those difficult circumstances I understood for the first time the meaning of the line:

“Then drink became easy for me, although before that I choked on the sweet, fresh water.”

Analysis

This page completes the La Varine detention account and records British and Allied demands for the author’s transfer, French refusal, Arab and Islamic diplomatic interventions, and the author’s claim that Zionists continued efforts to secure his handover. It ends with a verse used to describe his anxiety during detention. The page is especially significant for the network of named political actors, governments, diplomatic appeals, and the author’s framing of his postwar detention as a struggle between French, British, Arab, Islamic, and Zionist interests. These are source-owned memoir claims and require independent verification. The quoted verse continues on page 232.

Raw transcript

وكان مكاننا شديد الرطوبة لمجاورته النهر، وقد أعلمت الحكومة الفرنسية السيد قدور بن غريط بوصولي، وكان هو المشرف على شؤون مسجد باريس، وكان ذا صفة رسمية مغربية فرنسية، فأرسل إلينا سكرتيره الفرنسي ومعه طباخ تونسي ليتولى شؤون الطبخ، فبقينا في ذلك البيت تحت الحراسة الشديدة إلى أن ينظر في أمرنا.

وكانت الحكومة البريطانية تطالب بتسليمنا إليها، بصفتها دولة الانتداب على فلسطين، كما أن قيادة الحلفاء العليا التي كان على رأسها حينئذ الجنرال ايزنهاور تطالب أيضاً بأن تسلمنا، لكن الحكومة الفرنسية لم تستجب لطلبهما، بحجة أن لها معنا حساباً خاصاً طويلاً، من جراء اشتراكنا في مساعدة الثورة السورية ضد فرنسا، ولمساهمتنا أيضاً بالتعاون مع الالمان خلال الحرب الأخيرة.

واعتقادي أن ما وقع في سورية من الخلاف الشديد بين الإنكليز والفرنسيين، عقب الحرب العالمية الثانية، كان من أسباب عدم تسليمنا للإنكليز، فقد أرسلت برقيات كثيرة من جهات عربية واسلامية في شأننا إلى الجنرال ديجول، وقامت مظاهرات كبرى في بيروت وبعض البلاد العربية والاسلامية تطالب بالعناية بنا، وكذلك قام زعماء مسلمي الهند يطالبون بالعناية بنا وعلى رأسهم المغفور له محمد علي جناح رئيس رابطة مسلمي الهند، وقد أرسل المغفور له امام اليمن يحيى حميد الدين برقية خاصة إلى الجنرال ديجول، يطلب منه إرسالي إلى اليمن بطائرة، لأكون في ضيافته، وحدث بعد ذلك أن زار المغفور له الملك محمد الخامس ملك المغرب باريس بدعوة من الجنرال ديجول لمشاهدة الاحتفال بيوم النصر، فتوجه الجنرال ديجول يطلب من الملك محمد الخامس أن يسمح له بأخذي معه إلى المغرب، تحقيقاً لرغبة أعيان المغرب وعلمائه. ولما وصل بعد ذلك مولاي محمد الأمين باي تونس قدم أيضاً نفس الطلب.

فكان لجميع هذه العوامل تأثير كبير على السلطة الفرنسية، ولكن مساعي الأعداء وفي مقدمتهم الصهيونيون لم تغفل عنا وظلت تلاحقنا بمساع جديدة، وقد كادت تنجح تلك المساعي الخبيثة، فقد ورد في بعض الصحف الفرنسية، بعد وصولنا لباريس بنحو أسبوع، أن الحكومة قررت تسليمنا إلى السلطات المختصة، وفي صباح أحد الأيام، بينما كنت أطل من إحدى نوافذ البيت، رأيت أمام الباب سيارة عسكرية مكتوباً عليها كلمة Prisoniers فشعرت بخطر تسليمنا، وبعد أن بقيت تلك السيارة أمام البيت نحو ساعتين تلقت أمراً بالانسحاب بدون أن تأخذنا، وقضينا أياماً مقلقة مؤلمة مؤرقة وفي تلك الظروف الصعبة فهمت للمرة الأولى معنى البيت القائل:

فساغ لي الشراب وكنت قبلاً أغص بالماء الفرات