فقد كنت فعلاً أغص بالماء الفرات في تلك الأونة، وكان في باريس حينئذ بعض الأصدقاء في السلك الدبلوماسي، منهم دولة أحمد بك الداعوق سفيراً للبنان في باريس، والمغفور له عدنان بك الأتاسي سفيراً لسورية، ومحمود فخري باشا سفيراً لمصر، وسمو السردار ولي خان سفيراً لافغانستان، وطلب كل هؤلاء من السلطة الفرنسية معرفة المكان الذي نقيم به، والسماح لهم بزيارتي، ولكن السلطة لم تسمح بالزيارة في بادئ الأمر، إلى أن فوجئت بالمرحوم فؤاد بك حمزة سفير المملكة العربية السعودية في باريس يدخل البيت ويقابلنا، فسررت بلقائه، وعلمت منه بمساعي جميع الأصدقاء المذكورين لمقابلتي، إلى أن سمحت السلطات الفرنسية لهم بمقابلتي في بيت المسيو بونسو المفوض السامي الفرنسي السابق لسورية ولبنان، الذي عهدت إليه الحكومة الفرنسية بالاتصال بنا خلال إقامتنا في فرنسا، فذهبنا إلى مقابلتهم في حفلة شاي أقامها المسيو بونسو في بيته، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تقابل فيها أحداً غير الشرطة الفرنسيين منذ وجودنا في باريس.
أما محاولة محاكمتي في نورمبرغ فقد كانت على الصورة الآتية:
بذل اليهود الصهيونيون أقصى جهودهم لمحاكمتي كمجرم حرب في محكمة «نورمبرغ»، ولما كانت مواد القانون الذي أصدره الحلفاء في صفة مجرمي الحرب لا تنطبق علي، فقد عمد اليهود إلى تلفيق تهم تحقق لهم أمنيتهم، منها أنني حرضت السلطات الالمانية النازية على إبادة اليهود، وأني كنت السبب في القضاء على ملايين من اليهود، وأني حرضت على يهود يوغسلافيا وكنت السبب في القضاء عليهم كما أني كنت قبل ذلك المحرض على ثورة العراقيين على يهود بغداد.. ونحو ذلك من التلفيقات..
وقد استطاعوا إغراء الهر كروبي، وهو مساعد ايخمان الذي علم أن اليهود يعدونه أحد المسؤولين عن قتل اليهود في المانيا، بأن يدلي بشهادة أمام كاتب عدل في سويسرة بأنه شاهدني مجتمعاً بايخمان، وسمعني وأنا أحرضه وأحرض غيره من الزعماء الالمان على إبادة اليهود، وجعلوه يوقع على تلك الشهادة بعدما وعدوه بإنقاذه من الإعدام.. ولم أكن أعرف كروبي أبداً ولم تكن لي به أية صلة، ولكن الأعداء أغروه بتقديم شهادته مشفوعة باليمين الكاذبة (ولكنهم رغم ذلك لم ينقذوه من الموت، فأعدم مع غيره من الذين أعدموا في محاكمات نورمبرغ). ولهذه المناسبة أعيد هنا ما سبقت الإشارة إليه في مكان آخر من هذه المذكرات من أن اليهود حينما تمكنوا من اختطاف ايخمان من الأرجنتين، حيث كان مقيماً، وجاؤوا به إلى فلسطين المحتلة،